مسجد "آيا صوفيا"
مسجد "آيا صوفيا"


تسعة وجوه لحكمة واحدة.. على خطى "آيا صوفيا" من القسطنطينية إلى إزنيق

سامح فواز

الثلاثاء، 28 يوليه 2026 - 05:25 م

لم أكن أعرف أن الاسم الذي حفظته منذ الصغر مقترنًا بقبة واحدة تطل على مضيق البوسفور، يتكرر تسع مرات على امتداد الأراضي التركية، إلى أن ذكرها مرشدي السياحي عرضًا خلال رحلتي إلى تركيا، على هامش شروحاته الغزيرة عن تاريخ البلاد وآثارها. 


مرت الجملة سريعًا وسط سيل من التفاصيل التي كان يسردها، لكن كلمة "تسعة" وحدها بقيت رنتها في أذني، وقادت فضولي لاحقًا إلى البحث والتقصي، لأجد أن ما سمعته من المرشد كان صحيح، إذ ان هناك تسعة مبانٍ تحمل اسم "آيا صوفيا"، أي "الحكمة المقدسة" أو "الحكمة الإلهية" بالإغريقية، اثنان منها في إسطنبول وحدها، والبقية متناثرة بين إزنيق وأدرنة وكيركلاريلي وطرابزون وجوموش هانه وزونجولداك وبيتليس. 


قررت ألا أكتفي بما سمعته، فسرت على قدمي بين أزقة إسطنبول أولًا، ثم توجهت جنوبًا نحو إزنيق، لأرى بعيني ما تبقى من هذه الحكمة الموزعة على تسعة جدران.

اقرأ أيصًا| آيا صوفيا «شبرا مصر» ..«الرحمن» مسجد طال انتظاره.. استغرق بناؤه 50 عامًا

حيث تتوقف الخطى أمام القبة الأولى


بدأت جولتي من حيث يبدأ الجميع، في حي الفاتح بإسطنبول، حيث يقف المبنى الأكثر شهرة بين "الآيات صوفيات" التسع. 
وأنا أتقدم نحوه سيرًا، بدت لي كتلته الحجرية أكبر من أن يستوعبها بصر واحد. 


شيده الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بين عامي 532 و537 ميلاديًا ليكون كاتدرائية القسطنطينية الكبرى، وظل لقرابة ألف عام أكبر كنيسة مغطاة بقبة في العالم، إلى أن تجاوزتها كاتدرائية إشبيلية عام 1520.


توقفت عند المدخل أتخيل اللحظة التي دخله فيها السلطان محمد الفاتح بعد سقوط القسطنطينية عام 1453، محولًا إياه إلى مسجد بإضافة المآذن الأربع والمحراب والمنبر، بينما ظلت الفسيفساء البيزنطية قابعة تحت طبقات من الجص، في انتظار من يعيد اكتشافها بعد قرون.
ما إن دلفت إلى الداخل حتى رفعت عيني نحو الأعلى، فوجدت ثماني لوحات دائرية ضخمة تحيط بالقبة، يبلغ قطر الواحدة منها نحو 7.5 متر، خُطت عليها بخط الثلث الجلي المذهب على هياكل خشبية مُقواة بجلد الجمل أسماء: الله، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي، الحسن، الحسين. 

اقرأ أيضًا| محمد يتصدر الأسماء الأكثر شعبية في أمريكا لعام 2020.. وعائشة في المركز الثالث


ولم تكن هذه اللوحات من إضافات الفتح الأول، بل أنجزها الخطاط قاضي عسكر مصطفى عزت أفندي في أواسط القرن التاسع عشر، ضمن ترميم كبير أمر به السلطان عبد المجيد الأول، لتظل معلقة هناك حتى بعد تحول المبنى إلى متحف، إذ حالت ضخامتها دون إخراجها من الأبواب حين فُكِر في نزعها.


تابعت خطواتي داخل المبنى وأنا أستحضر ما جرى له لاحقًا، ففي عام 1934 حوله مجلس الوزراء بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف مفتوح لكل الأديان اعتبارًا من 1935، واستمر الحال كذلك 86 عامًا، إلى أن أصدرت المحكمة الإدارية العليا التركية في 10 يوليو 2020 حكمًا يُبطل قرار التحويل إلى متحف، فوقع الرئيس رجب طيب أردوغان في اليوم نفسه مرسومًا يعيده مسجدًا تحت إشراف رئاسة الشؤون الدينية، وأُقيمت أول صلاة جمعة فيه في 24 يوليو من العام نفسه بحضور آلاف المصلين.

صعود إلى الشرفة.. حين رأيت الصحن كله من الأعلى


لم أكتفِ بالوقوف عند الطابق الأرضي، إذ صعدت الدرج المؤدي إلى الشرفة العلوية، عبر مدخل مستقل ومسار مخصص للزوار من كل الأديان والجنسيات مقابل رسم دخول، لا يتقاطع مع مصلى الطابق الأرضي. 


ومن هناك، من ارتفاع تلك الشرفة، أطللت مباشرة على صحن المسجد بالأسفل بكامل امتداده، حيث القبة الضخمة، والثريات المتدلية، والسجادة الخضراء الممتدة على الأرض حيث كانت يومًا بلاطًا رخاميًا. 


وعلى الجدران المحيطة بي، وجدت ما تبقى من الفسيفساء البيزنطية الأثرية، ومنها لوحة "الشفاعة" (Deësis) الشهيرة، ولوحة العذراء والطفل التي تطل من القبة نصف الدائرية.


وأنا أهبط الدرج، أدركت أن ما رأيته لم يكن "متحفًا" بالمعنى الرسمي، فالسلطات التركية تسمي هذا القسم "منطقة الزيارة" لا "المتحف"، لأن الوضع القانوني للمبنى ككل لم يتغير عن كونه مسجدًا. 


كل ما تغير هو أن الزيارة لغير المسلمين اقتصرت على هذا الطابق العلوي فقط، بينما بقي الطابق الأرضي مخصصًا للصلاة.

على الطريق إلى إزنيق


غادرت إسطنبول جنوبًا، قاطعًا نحو تسعين كيلومترًا حتى بلغت إزنيق، نيقية القديمة، حيث ينتظرني مبنى أقل شهرة لكنه لا يقل أهمية تاريخيًا. 


وقفت عند تقاطع الطرق الأربعة المؤدية إلى أبواب المدينة القديمة، وهناك، في قلب هذا التقاطع بالذات، شُيدت آيا صوفيا إزنيق في القرن السادس الميلادي، في عهد الإمبراطور جستنيان الأول نفسه، فوق أنقاض كنيسة أقدم يعود بعضها إلى القرن الرابع.


وأنا أدور حول جدرانها المتواضعة مقارنة بأختها الكبرى في إسطنبول، تذكرت أن هذه الحجارة بالذات شهدت المجمع المسكوني السابع (المعروف أيضًا بمجمع نيقية الثاني)، الذي انعقد بين 24 سبتمبر و23 أكتوبر عام 787م في عهد الإمبراطورة إيرين، وحسم يومها الجدل حول شرعية الأيقونات الدينية في الكنيسة الشرقية.

أثر زلزال لم يُمحَ


لاحظت وأنا أقترب منها أن مدخلها يقع أدنى من مستوى الشارع المحيط بنحو مترين ونصف المتر، نتيجة تراكم طبقات الأنقاض عبر القرون. 


سألت عن السبب فعرفت أن زلزالًا ضخمًا ضرب المبنى عام 1065، فأعيد بناؤه على هيئة بازيليك من ثلاثة أروقة، قبل أن يحوله أورهان غازي إلى مسجد جامع عقب فتح إزنيق عام 1331، فأصبح يُعرف باسم "جامع أورهان".


ووجدت أن قصة هذا المبنى لم تهدأ حتى في العصر الحديث، إذ تأرجح وضعه مرارًا بين مسجد ومتحف، إذ صار متحفًا عام 2007، ثم أُعيد تحويله إلى مسجد عام 2011. 


وحين بحثت عن نقش تأسيسي يحدد تاريخ بنائه الأول بدقة، لم أجد شيئًا، إذ ان المبنى، رغم كل هذا التاريخ الموثق حوله، ما زال يحتفظ بلغز تاريخ ميلاده الدقيق.

سبعة وجوه أخرى لم تطأها قدماي بعد


انتهت جولتي عند إزنيق، لكن رحلة "آيا صوفيا" التسع لم تنته عند هذا الحد، تبقت سبعة مبانٍ أخرى لم تطأها قدماي بعد، وهي آيا صوفيا الصغرى في إسطنبول (كنيسة سرجيوس وباخوس سابقًا)، وآيا صوفيا أدرنة في قضاء إينيز التي حولها محمد الفاتح إلى مسجد وتضررت في زلزال 1965، وآيا صوفيا كيركلاريلي في قضاء فيزة المعروفة أيضًا بجامع غازي سليمان باشا، وآيا صوفيا طرابزون التي أُعيد افتتاحها مسجدًا في 28 يوليو 2020 بحضور الرئيس أردوغان عبر الفيديو، وآيا صوفيا جوموش هانه في قرية كاباكوي التي تحولت مسجدًا عام 1869، وآيا صوفيا زونجولداك في إرغلي التي يُرجَح أن أورهان غازي حولها إلى مسجد أيضًا، وأخيرًا آيا صوفيا بيتليس في قرية شاميران بتطوان.


ربما تكون هذه الوجهات السبعة موعد رحلتي القادمة.

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة