خارج النص

انتحار الذاكرة !

أسامة السعيد الأحد، 14 أغسطس 2016 - 12:51 م

ألم كبير ينتابنى وأنا أتابع تلك الصور المتلاحقة من مدننا العربية التى تحترق بنار الفتنة، قبل أن تكويها قذائف الفصائل والجماعات المتناحرة على السلطة بشتى السبل. ذلك الألم ليس مبعثه فقط ما باتت تعانيه تلك المدن، ولكن لأننى يوما عرفتها عن قرب ورأيت ما كانت عليه يوما ما، فوجع الذاكرة يكون أحيانا أشد إيلاما.
أهرب من قسوة الواقع باللجوء إلى مرافئ الذكرى التى تحملنى إلى مدن سوريا الجميلة التى زرتها عام ٢٠٠٩ وطفت فى شوارعها التى تحمل عطر التاريخ مختلطا بذرات الهواء، أحيائها الضيقة التى تكاد تلامسك بحنو بالغ وكأنها تحتضنك فتبدد إحساسك بالغربة، المبانى التى تقاوم الزمن تكاد تهمس فى أذنيك بحكايات التاريخ الذى عاشته عبر القرون، شوارع دمشق وحلب وأزقتها وحماماتها القديمة صورة لاتزال تنبض من كتاب الأيام، الوجوه الودودة والابتسامات المرحبة لأهلها الطيبين تمنحك فى كل لحظة دعوة للبقاء أو للعودة مرة أخرى.
الآن أطالع تلك المشاهد الرمادية الممزوجة بالدم للمبانى المهدمة، والمساجد التى أنَّت مآذنها وتهاوت تحت سياط القصف، لا يهمنى كثيرا ذلك الجدل العقيم حول المسئول عن ذلك الخراب فالكل عندى مدان، والجميع دفع بتلك البلاد الجميلة إلى أن تصير كأرملة مسها الجنون، تطوف الشوارع ممزقة الثياب، مقطعة الأطراف، تولول على من رحلوا، وتبكى أولئك الذين يسيرون بعمى نحو نفس المصير!
أهرب سريعا إلى الغرب، تداهمنى أنباء المعارك فى مدينة سرت الليبية، تلك المدينة التى كانت تزهو يوما بأنها مدينة من المستقبل فى قلب الصحراء التى تعانق البحر بشوق أبدى، وكانت تضم أكبر مجمع للمؤتمرات فى أفريقيا، وهو مجمع «واجادوجو». قضيت فى رحاب تلك المدينة أربعة أيام فى مهمة صحفية عام ٢٠٠٨، كان ذلك المجمع تحفة حقيقية، مساحات شاسعة من التجهيزات والامكانيات التى تم حشدها لاستقبال كبريات المناسبات والمؤتمرات، فخامة واضحة فى كل التفاصيل. الآن تصدمنى الصور الواردة من المكان بعدما تحول إلى مركز لإرهابيى «داعش»، الذين حولوا جدرانه إلى حصون يختبئون خلفها ويخبئون معهم الموت، ممراته الخضراء حاصرتها المتاريس، وأبنيته البيضاء الناصعة شوهتها الحرائق، فصارت كوجه حزين يروى تفاصيل المأساة.
حتى شوارع القاهرة التى أنجاها الله برحمته من مصير مشابه، لم تعد تخلو من مشاهد تؤلم ذاكرتى، فشوارع وسط البلد التى كان تجوالى فيها خلال سنوات الجامعة وما بعدها متعة حقيقية، أطوف بين مكتباتها ومحلاتها ومقاهيها كنحلة بين الأزهار، الآن بات كل شارع لا يخلو من ذكرى موت أو اشتباك، من محمد محمود إلى قصر العينى، وحتى ميدان التحرير، بقايا المتاريس، وبصمات حرائق لاتزال شاهدة على ما عانته تلك المنطقة، وهو بالتأكيد لا يقارن - والحمد لله - بما عانته وتعانيه مدن عربية أخرى، لكنه يبقى كجرح يأبى الشفاء فى وجه مدينتى الأثيرة.
تتمرد ذاكرتى، تأبى أن تستسلم لتلك المشاهد وتصر على الاحتفاظ بالصور الجميلة التى اختزنتها لتلك المدن قبل سنوات الجنون، لكننى فى كل مرة ألوذ فيها بالذاكرة أكتشف تشوشا ما قد علق بها، فاختلط وجه الذكريات بلون دم قان، لا تمحوه الأيام.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة