د. محمد السعدنى يكتب

النخبة المستقيلة والرقص مع الذئاب

محمد السعدني

الثلاثاء، 06 سبتمبر 2016 - 02:03 م

هى دعوة لالتقاط الأنفاس ومحاولة للتبصر فيما وراء ماتكابده بلادنا من وقائع وتحديات وأحداث ربما تأخذ بتجربتنا الوطنية إلى منحى مفارق لطموحات الأمة فى ظاهرها، وربما تبدو للوهلة الأولى معضلات تستعصى على الحل، لكنها عند المعالجة العلمية تبدو فى حقائقها مبشرة بآفاق لابديل لنا من الإمساك فيها بتلابيب اللحظة والبناء على معطياتها. كلام كبير. لابأس، دعنا نحاول تفكيكه ثم إعادة تركيب الصورة بعد التخلص من الرتوش والإضافات حتى تتضح الرؤية.
فى المشهد رفاق مسيرة عسيرة وصورة حشد ومواكب فى عيون صبية بهية عليها الكلمة والمعنى، هذا كلام الشعراء ونزق الثوار أما كلام التحليل السياسى والمفكرين وأصحاب العقول الباردة فى قدرتها على أن تلمس قلب الأشياء فهو شئ آخر. هناك غضب الشارع ومعاناة الجماهير وإحباطها، وهناك أزمة السلطة فى طموحها وتقاعد الحكومة عن الوفاء بمسئولياتها، وهناك مفارقة القوى السياسية والأحزاب والمجتمع المدنى لقواعد السياسة وموجباتها، وهناك اغتراب القادرين والأكفاء عن المشهد العام وتفاعلات الأحداث وتقلباتها، وهناك تحديات الاقتصاد والإرهاب وتهديدات قوى الهيمنة العالمية وتدخلاتها. وهناك فى صدر الصورة مؤسسات استمرأت الوجود على الهامش وتحللت من المسئوليات وتبعاتها، وهناك أجهزة ومؤسسات أخرى لم تصلها متغيرات الفكر فى بلادنا ومن حولنا ومستحدثاتها وتحولاتها. وهناك ظاهرتان مستجدتان تنامت بحكم الفراغ السياسى أعمالهما، ولعلنا كتبنا عنهما فى مقال سابق، وهما تنامى وجود مجتمع سياسى افتراضى بديل يسكن فضاءنا الإلكترونى ولا نستطيع علمياً تحديد هويته وردود أفعاله وتوجهاته، ثم تنامى ظهور المؤسسة العسكرية فى المشهد العام وفاء بمتطلبات المرحلة وبحكم الضرورة وتحدياتها.
فى المشهد أيضاً عناصر إيجاب لايمكن إنكارها، ولعل دعوة مصر ضيفاً على مجموعة العشرين فى الصين واهتمام القوى البازغة عالمياً كالصين والهند وروسيا، وكذا القوى الأوروبية التقليدية كألمانيا وفرنسا بمصر والحفاوة وحسن الاستقبال لرئيسها، لدليل على سياسة خارجية تحاول بكل جدية وإصرار أن تضع مصر فى قلب تفاعلات عالم يشكل نظامه الجديد ويعيد رسم خرائط القوى الدولية والإقليمية الفاعلة فيه. وربما هذا الملف يقابله حظ أوفر من الشأن الداخلى لرعاية الرئاسة المباشرة له والتعهد به.
من إيجابيات المشهد أيضاً أن مصر بعد ثورتين غير مصر قبلهما، والقياس نسبى، فقد استقرت فى بلادنا قواعد يصعب التنصل منها، مثل انتهاء التزوير الفج فى الانتخابات العامة، ومجلس نواب رغم حداثة عهد الكثيرين من نوابه بالعمل العام يستطيع أن يمارس الرقابة ومكافحة الفساد وأن يقول لا فيجبر الحكومة على إقالة وزير وراءه قوى ضغط وكفلاء أقوياء ويحيل ملفه للنيابة العامة، وجيش يتم تسليحه وتحديثة ورفع مستويات إعداده وتأهيله، بل ويتحمل تبعات الفشل الحكومى ويتدخل لإنقاذ أعمال الدولة ويساعد فى التنمية الشاملة باحتراف رغم كل المشكلات التى تصدرها له الحكومة ووزراؤها، ورغم مايقوم به من عمل شاق فى تفريغ سيناء من الإرهاب المدعوم داخلياً وإقليمياً ودولياً، وهو الأمر الذى استعصى على دول كبرى فى محيطنا الدولى. ورغم مايمكن أن يقال بشأن الأمن العام إلا أننا أمام دولة لاتزال شابة رغم أزمتنا الاقتصادية بسبب حكومة تفتقد القدرة على الفعل والمبادرة. سبب رئيسى للتناقض بين السلطة والمحيط العام هى أن السلطة فى بلادنا سلطة تقليدية محافظة، ربما أكثر من اللازم، لكن ذلك طبيعة أى سلطة فى مثل ظروف عالم يتحرك بسرعة، عالم قادر على المفاجآت والدهشة، وفى ظل قوى سياسية ونخب تبدو مغيبة مستقيلة عن أداء دورها والاشتباك فى حوار مع الدولة وممارسة الضغوط لفرض سياسات بديلة تقنع بها الناس وتجذب لها نواب البرلمان وتخلق للدفاع عنها قواعد جماهيرية ومجموعات ضغط للدعوة والفكر، لكن من أسف فقوانا غير الفاعلة لاتزال محافظة أيضاً وتقليدية، ومن الصعب أن يكون التقليدى بديلا مقبولا لتقليدى آخر يمتلك قواعد السلطة، وربما لو تحركت الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنى من نقابات عمالية ومهنية واتحادات طلابية واتحادات نوعية وجمعيات أهلية وتنظيمات تعاونية، وتبنت سياسات بديلة مقنعة للناس والدولة لتغير الأمر، لكن من سوء الطالع أن قوانا السياسية معطلة ومفلسة تلوم السلطة على غلق المجال العام وهى نفسها منغلقة على ذاتها، وعندما طرح بعض النشطاء ماسموه البديل الوطنى المدنى، تخندقوا من البداية للدفاع عن الفكرة بأكثر مما شرحوها واستغرقهم كلاب الحراسة الجدد المتخندقون حول مصالح الرأسمالية المتوحشة وأذنابها، وتناوشتهم الدببة الثقيلة فى الإعلام بكل ضيق أفقهم واستنفدت طاقتهم فخرجوا كما دخلوا خالى الوفاض. ولعل البداية لم تكن جيدة ممن تخيروا عنواناً يشى بإيحاءات لها صدى عند ذئاب المجتمع الافتراضى على شبكات التواصل ممن يترصدون الدولة ويسيئون لقواتنا المسلحة الوطنية، فاختيار البديل الوطنى يعنى بالمقابلة التشكيك فى وطنية السلطة القائمة، والمدنى ترمى لمفاهيم يتداولها ثعالب الفيس - كما يسميهم حمدى رزق فى مقالاته البليغة - عن عسكرة الدولة. ثم المفاهيم والعناوين العامة التى صاغها أخونا د.عمار على حسن وزملاؤه كانت عريضة وعامة وفضفاضة ولاتحمل رؤى تفصيلية أو مخططات وآليات تنفيذية، ولعله اجتهاد محمود كان لابد من خدمته فكرياً وسياسياً أكثر مما حدث ولعل عمار قادر وزملاؤه على ذلك وماكان ينبغى للبعض أن يدفعوه بالتسرع والسخرية ليكتب مقاله الشهير «مهلاً أيها الشتامون».
عناصر الإيجاب فى الصورة أيضاً رغم عثرات هنا وإخفاقات هناك هو اعتراف القيادة بأننا فى حاجة لشبكة حماية اجتماعية تمثل واجب الوقت لحماية الناس من غلاء الأسعار والخدمات، ولعلنا نطمح إلى سياسات اقتصادية أكثر جدية تدفع بالإنتاج وتشغيل المصانع المتوقفة وإنجاح مشرع الصناعات الصغيرة والمتوسطة الذى رصد له مائتا مليار جنيه، وكذا إعادة صياغة مفاهيم وفلسفة التعليم ولايترك فى أيدى غير الأكفاء ولا المؤهلين. ولعلى أحيلك لمقالى الأسبق فى الأخبار « هندسة الدولة أو الكارثة ياسيادة الرئيس» لتراجع ملامح تخطيط عام يصلح أن يشكل رؤية استراتيجية يمكننا وضع ملامحها ومحدداتها موضع التنفيذ.
التناقض بين السلطة والقوى الوطنية وارد ويمكن تفهم أبعاده فى إطار ظروفنا الطارئة فى مرحلة تحول تحمل همومها وسلبياتها طبائع الأمور بعد ثورتين، وعلينا جميعاً التذرع بالحكمة والموضوعية ونحن على ثقة أننا لابد أمام مرحلة تغيير ينبغى أن تكون واسعة، ولعلها تكون مبادرة قائد فى مشروع تعبوى وتفتيش حرب يحال فيه كل الفشلة إلى الاستيداع ومحاسبة من رشحهم واختارهم، وأن توكل الأمور للمحترفين والأكفاء والموهوبين حتى لو شكلوا عبئاً ومناهدة على الأجهزة التى ثبت عدم قدرتها على الاختيار السليم.
ولعلك تلاحظ أننى لم أناقش مبادرات وبدائل المدعين من قوات المارينز المحمولة علينا جواً من «ناسا» ومن التنظيم الدولى للإخوان ومن ثعالب دغل الانترنت العقورة فجميعهم دأب على الرقص مع الذئاب. مصر فى خير ومازال يحدونا الأمل على حل تناقضاتنا على أرضية وطنية، إذ ليس هناك بديل آمن غير ذلك.

الكلمات الدالة

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مشاركة