إسفاف ما قبل المهرجانات.. «كوكايين» المؤسس و«خلاعة» الست إسفاف ما قبل المهرجانات.. «كوكايين» المؤسس و«خلاعة» الست

حكايات| إسفاف ما قبل المهرجانات.. كوكايين «المؤسس» وخلاعة «الست»

محمود مصطفى الخميس، 27 فبراير 2020 - 09:54 م

"أنا النهارده بسمع أغاني ممكن تقول عليها فاضية من جوه مفيهاش حاجة، وربنا بحكمته في مصر بالذات كل قرن من الزمن بتحصل الحالة اللي إحنا فيها دي.. حالة الإفلاس والهبوط الفني.. أكيد الغنا اللي كان سنة 1918 كان بالشكل بتاع النهارده، لكن ربنا عمره ما يسيب مصر لا تنهض بالغنا".

 

بإيجاز تحدث الكينج محمد منير، في أحدث ظهور له مع الإعلامي عمر طاهر، عما آلت إليه أوضاع الأغنية المصرية، وظاهرة "المهرجان" الغنائي التي طفت على السطح، وصارت حديث الجميع خلال الفترة الأخيرة، وما صاحب تلك "الضجة" من قرار إيقاف مؤدي وفرق ذلك اللون الغنائي من نقابة المهن الموسيقية.

 

أعاد "منير" الشيء لأصله، في لمحة عن تاريخ "الهبوط" الفني، وما كان يقدم في عشرينيات القرن الماضي، تلك الفترة التي ارتبطت بأغانٍ تحمل قدرًا من "الإسفاف" في كلماتها وحتى طريقة تقديمها من كبار نجوم الطرب المصري الأصيل، قد تفوق ما يقدم اليوم، ولكنها اختفت تدريجيًا وحلت محلها أغاني باتت "أصل النغم" وأعلت من شأن الفن العربي.

 

الهنك والرنك

في كتابه "الفن في حياتنا"، يشرح الأديب الراحل فتحي غانم ظاهرة انتشار الأغاني "المسفة" الحافلة بالحديث عن الخمر والمخدرات والجنس، تصريحًا تارة بعبارات مباشرة وتلميحًا تارة أخرى بمعانٍ "في بطن الشاعر"، وأغلبها من تأليف شيخ المؤلفين يونس القاضي، وكان لمؤسس النهضة الموسيقية العربية فنان الشعب سيد درويش، نصيب الأسد في تلحينها وغناء بعضها، فضلا عن تقديم كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال عبد الوهاب لبعض منها، وقبلهما "السلطانة" منيرة المهدية.. وآخرين.

 

هذه الموجة من الأغاني، انتشرت مع مطلع القرن العشرين؛ في عصر الاسطوانات التي احتفظت بالكثير من "الإسفاف" فيما عرف بأغاني "الهنك والرنك"؛ وهو لون غنائي يعتمد على الخلاعة في تقديمه مصحوبًا بـ"آهات وليلات" مثيرة لحواس المستمعين، كان قد وضع لبنته الأولى أحد رواد الموسيقى والملقب بـ"أبو الموسيقى المصرية" محمد عثمان، أواخر القرن التاسع عشر.

 

عرف هذا اللون طريقه إلى "السميعة" من خلال غناء الأدوار في المسارح والحفلات الباذخة، إذ كان يجلس المطرب لنحو 10 ساعات متواصلة يتلاعب بنغمات زخرفية متنقلا عبر المقامات، ومن خلفه يردد الكورال فيما يعرف بـ"الرنك"، أو يحدث العكس أحيانًا بحيث يقود الكورال ويتبعه المطرب فيما عرف بـ"الهنك"، ببساطة هو تناوب غناء "الأدوار" بين المطرب والكورال ويكون أحدهم بمثابة صدى صوت للآخر.

"مكيفات" المؤسس

ساد "الهنك والرنك" مع مرور السنوات، وتحديدًا عقب الحرب العالمية الأولى، وصار له عشاقه ومريديه، ومقدميه من أعذب الأصوات النسائية والذكورية، وصناعه من كبار الملحنين والمؤلفين، فسيد درويش مثلا غنى لـ"الحشيش والكوكايين"، في أغنيته الشهيرة "التحفجية" من كلمات بديع خيري، وتقول كلماتها: " يا ما شاء الله ع التحفجية.. أهل اللطافة والمفهومية.. اجعلها ليلة مملكة يا كريم.. ده الكيف مزاجه إذا تسلطن.. أخوك ساعتها يحن شوقا.. إلى حشيشي ميتى ميشي.. اسأل مجرب زي حالاتي.. حشاش قِراري يسفخ يوماتي.. خمسين جرّاية.. ستين.. سبعين.. ها.. يا مرحب".


لم يغنِ "درويش" فقط بل قدم الكثير من الألحان لكبار المطربات -آنذاك- وأشهرهن منيرة المهدية، التي غنت من ألحانه وكلمات بديع خيري أيضًا لـ"الكوكايين"، في أغنية تقول كلماتها: " إشمعنى يا نخ الكوكايين كخ.. ده أكل المخ هلكنا.. اعمله على غيرنا جاي لي تطخ.. وجاي تبخ.. شطب هو أنت شريكنا".

 

 

ارخي الستارة

منيرة المهدية وحدها، قدمت الكثير من هذا اللون الغنائي مع مؤلفين وملحنين مختلفين، ولا غرابة في ذلك؛ إذ كانت أول سيدة تقف على المسرح وأول من سجل لها اسطوانات، فمع محمد القصبجي ملحنًا، ويونس القاضي مؤلفًا، غنت "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة.. إنسى اللي فات وتعالى بات ليلة التلات"، ومن كلمات نفس المؤلف ولكن هذه المرة اللحن للشيخ زكريا أحمد، غنت "ارخي الستارة اللي ف ريحنا.. أحسن جيرانك تجرحنا".

 

وللأغنية الأخيرة حكاية طريفة، إذ كان أول من قدمها رجل كبديل لـ"المهدية" يجيد الغناء بصوتها، إنقاذًا لصديقه المؤلف يونس القاضي، بعدما ذهب بالأغنية لأول مرة إلى منيرة المهدية ولكنها فاجأته برفضها تقديمها، فهبط إلى مطربات من الدرجة الثانية وذهب إلى نعيمة المصرية صاحبة "هات القزازة واقعد لاعبني"، ولكنها رفضت حتى مقابلته، فهبط درجة أخرى حيث المطربة فاطمة سري، ورفضتها هي الأخرى بمجرد سماع مطلعها، فاتجه إلى مقهى الفنانين بشارع عماد الدين، وهناك التقى بالمطرب عبد اللطيف البنا، وشكا له ما حدث، فما كان منه إلا أن أخرج من جيبه 3 جنيهات، وقرر تقديم الأغنية على لسان امرأة، موظفًا فيها قدراته الصوتية الاستثنائية.

حققت الأغنية نجاحًا كبيرًا بصوت "البنا"، ما أثار غيرة الفنانات الثلاث اللائي رفضنها من قبل، ولُمن "القاضي" على السماح لمطرب رجل ليؤديها، فانتبه القاضي إلى فرصة حصوله على الأموال التي سبق وبكى ضياعها، فأخذ من "منيرة" 5 جنيهات، و"نعيمة" 4 جنيهات، و"فاطمة" 3 جنيهات؛ واتجهن إلى شركة "بيضافون" –صاحبة الأغنية الأصلية- لتسجيل الأغنية كل واحدة بصوتها، وبالفعل حققت نجاحًا كبيرًا بأصواتهم جميعًا بما فيهم "البنا".

 

الغريب أيضًا، أن يونس القاضي، مؤلف النشيد الوطني "بلادي بلادي"، كان أول من تولى منصب الرقيب على المصنفات الفنية، وأول قرار اتخذه كان منع كل أغانيه الخليعة، وحين سُئل عما إذا كان هذا القرار اعترافًا منه بتقديم أغاني منحلة، أكد أنه يطبق القانون حتى لو على نفسه.

    

"الدحة والكخة"

أغراض "الهنك والرنك" لم تتوقف عند "المكيفات" والإثارة، بل بعض منها عارض قيمًا اجتماعية، كالذي قدمته رتيبة أحمد في "يا أنا يا أمك"، والتي تخير فيها الزوج بينها وحماتها، قائلة: "يانا يامك إيه قوللي رأيك.. تختار مين تفضل في البيت.. واحده عجوزة وشابة صبية.. جاز وسبرتو مايتفقوش"، ولم تكتف بذلك بل سارت على درب "السلطانة" حينًا أخرى، وقدمت "أنا حاسة وأنا لسه ماعرفش الكخة من الدحة" على غرار أغنية منيرة المهدية "الحب دح دح والهجر كخ كخ"، حتى أُطلق عليها -رتيبة- لقب "مطربة الدحة والكخة".

 

"خلاعة" الست و"كاس" موسيقار الأجيال

هؤلاء جميعًا كانوا نجومًا في الوسط الغنائي، ولكن في الوقت الذي كانت "أم كلثوم" تتحسس طريقها الفني، وتحديدًا في العام 1926، وعلى نفس "موجة" الهنك والرنك، غنت طقطوقة "الخلاعة والدلاعة مذهبي.. من زمان أهوى صفاها والنبي"، من ألحان الطبيب، أحمد صبري النجريدي، وكلمات يونس القاضي، ولكن عقب ثورة 52، ساد اعتراض رسمي على هذه النوعية من الأغاني، ومع شهرة "كوكب الشرق" قررت سحب اسطوانات الأغنية من السوق، واقترح عليها أحمد رامي أن تستبدل كلمات الأغنية بـ"اللطافة والخفة مذهبي".

 

وبعد "أم كلثوم" بعام واحد، خرج صوت محمد عبد الوهاب مغنيًا من ألحان سيد درويش، وكلمات يونس القاضي، طقطوقة "عشرة كوتشينة"، والتي اعتبرها البعض خارجة عن المألوف من الموسيقار الشاب، كما غنى "موسيقار الأجيال" حين كان نقيبًا للموسيقيين "الدنيا سيجارة وكاس".


كل ما سبق كانت أغاني مسجلة وعرفها الجمهور وانتشرت بينهم وحققت نجاحات متفاوتة، ولكن تبقى الكثير من الأعمال الأكثر "بذاءة" والتي كانت تقدم في جلسات خاصة، والغريب أن من قدموها أيضًا كانوا من عمالقة الغناء والتلحين، ومنهم الشيخ سيد مكاوي، الذي تنتشر له أغنية مطلعها فقط وحده مليء بـ"اللعن والسباب" بأقذع الألفاظ يصعب نشرها.



الاخبار المرتبطة


الأكثر قراءة



 

 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة