أجساد غير مروضة فى معرض «وئام المصري»
الأحد، 08 نوفمبر 2020 - 03:06 م
أخبار الأدب
منى عبد الكريم
تشتد وطأة الصراع على المسطح حتى لتكاد أرجاء اللوحة تهتز تحت وطأة الأجساد المتصادمة والمتلاحمة فى قتال عنيف، ذلك الصراع الذى لا يتوقف عند حدود اللوحة بل يمتد لما وراء المسطح إذ تفلت الأجساد لتخرج من دائرة رؤيتنا بينما نحن على يقين أن الصراع محتدم ومستمر، ولكن الصراع الأعمق هو ذلك الذى يدور بداخل الفنانة وئام المصرى التى حاولت أن تفرغ تلك الشحنة الانفعالية من خلال لوحات معرضها «أجساد غير مروضة» الذى استضافه جاليرى مصر فى الأونة الأخيرة والذى جاء كبداية قوية لموسم العروض فى القاعة.
اختارت المصرى فى عدد غير قليل من الأعمال مساحات كبيرة كساحة متسعة لمعاركها باحثة من خلالها عن الحرية والفرار من القيود، بل وراغبة فى التصالح مع ذاتها أو كشف خفاياها، وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف وئام عند المسطحات الكبيرة المحملة بطبقات من الألوان الكثيفة، إذ إنها استخدمت كذلك خامات مختلفة كأوراق الرسم البيانى والكرافت، وكأن ذلك التناقض بين القوة والرهافة ما هو إلا انعكاس لتصورها عن نفسها كامرأة مستقلة قوية مرهفة المشاعر فى الوقت ذاته.
وليس فى استخدام الخامة وحدها جاء هذا التناقض بل كذلك فى الألوان فبينما يتفجر المسطح باللون الأحمر، أو بخليط من الألوان الساخنة، أو بطبقات من قصاصات من حكايات متفرقة جاءت إلى المسطح لتضيف كثافة إليه، فإنها فى عدد من الأعمال الأخرى تكتفى بطبقة واحدة وبخط مشحون بانفعالاتها بتوظيف الأقلام الرصاص والفحم والأحبار، لتحصل على هدنة من الألوان مكتفية بالأسود وخطوط من الأبيض الذى هو فى كثير من الأحيان يوازى البحث عن الخلاص أو السلام. والهدنة التى تحاول أن تحصل عليها وئام بادية كذلك فى وضع شخوصها المنفردة، التى تميل فى الغالب للاتكاء والاستلقاء على عكس حالة الصراع الذى تدخل فيها فى حالة وجود شخوص أخرى أو فى وجود الثور، ذلك الرمز الذى تكرر كثيرا فى هذا المعرض.
ولاستخدام الثور فى أعمال وئام دلالات مختلفة، فأحيانا يبدو كإسقاط لحالتها النفسية بين الانكسار والضعف ومحاولة الهروب والابتعاد عن دوار الصراع، بينما فى حالات أخرى يدخل الثور دائرة الصراع معبرا عنها فى مواجهة ذاتها أو فى مواجهة الطرف الآخر، إذ تقول الفنانة نورا بركة والتى درست كذلك العلاج بالفن: إنه يمكن قراءة ما يدور داخل وئام من خلال لوحاتها المحملة بشحنة انفعالية كبيرة، وقد جاء اختيارها للثور كانعكاس لمشاعرها، فقد اختارته ليطيح بالعالم الذى يشكل عبئا عليها، عبئا نراه فى الأجساد الثقيلة التى طغت على اللوحة، والتى – على قوته- يجد الثور صعوبة فى التخلص منها، حتى فى طريقة اختيارها للبرواز، تركت مساحة كبيرة للخروج من الإطار فى محاولة لإعادة تشكيل الحياة.
ومنذ بداية تجربتها الفنية تحاول وئام فهم نفسها والكشف عن مكنون ذاتها من خلال أعمالها، إذ تصبح لوحاتها كقارئة الودع التى تخبرها بتلك المناطق الخفية عنها، إذ تقول: الفن بالنسبة لى وسيلة للاستنارة وللاستشفاء، الفن يفتح لى آفاق الإدراك الذاتي، ولذا فإنها تجربة ذاتية بالأساس يغلب عليها الجانب الشعورى الانفعالي، والسطوة هنا تكون للاوعى الذى يقودنى أثناء تعاملى مع اللوحة، فسطح اللوحة هو المكان الوحيد الذى لدى فيه حرية كاملة.
وربما كانت تلك العلاقة المعقدة بجسدها وتقبلها له هو إحدى الركائز الأساسية التى تشكل تجربة وئام الفنية، فمنذ البداية تحتشد مسطحاتها بأجساد مترهلة بدينة، تناولت من خلالها علاقتها بنفسها كأم وكابنة وكامرأة، وحين سألتها إذ ما كنا نكره أجسادنا أحيانا، أجابتنى بالطبع، إذ إن جزءا كبيرا من كراهيتنا لأجسادنا له علاقة بالموروث المجتمعى ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم كله، فالمرأة طوال الوقت فى صراع لإرضاء الآخر وفق المعايير التى يضعها المجتمع، أو حتى مقاييس الجمال العالمية لتجد المرأة نفسها فى منافسة دائمة، كل الناس تشترك فى عدم قبول الجسد فى حين أنه صناعة الرب، ولا فضل لنا فى تشكيله.
وكعادتها تعمل وئام معاول الهدم والبناء على مسطحها لتختلف النهايات تماما عن البدايات، ففى واحدة من اللوحات التى بدأت فيها برسم قلب على ورق الرسم البيانى لتضيف عليه جسد فى حالة انهيار، بعد اكتمال اللوحة يختفى القلب تماما وتبدو الشرايين فى الخلفية وكأنها مبان مهدمة، تفسر وئام ذلك قائلة: لا شعوريا كنت أصنع مدينتى وربما هو ما عبرت عنه فى كلمتها المكثفة عن المعرض والتى جاء فيها: «أتوق إلى الحرية والخلاص.. مشاعر كالعاصفة تعترينى.. تعصف بي. مدينتى تنهار وتُبنى فى لحظات.. شظايا من هنا وهناك.. الخلاص هنا ولكنها تضيق بى كلما اتسعت.. تفحلت وطغت حتى فرضت سطوتها على عالمى.. تمزقت أجسادهم وتناثرت لا منطقياً.. لا وجود للقدوة بل تضاءلت لدرجة التلاشى.. من يسن القيم والمثالية.. لماذا نسعى للكمال ولا وجود له!! لماذا لا نتقبلنا كما نحن! لا يتقبلنا العالم على ما نحن عليه!».
سؤال أخير أستعيره من الفنان سمير فؤاد «هل سيقدر لأجسادها أن تفلت من إسار محنتها وتطفو إلى السطح حيث يسطع نور السلام؟»، إذ يلخص هذا السؤال الذى اختتم به الفنان سمير فؤاد قراءته البديعة للمعرض جوهر الصراع الذى يدور داخل وئام المصرى وربما داخل كثير منا، إذ يقول إن وئام تجسد عبر أجسادها المتشظية محنة بنات جنسها فى عالم ذكورى غاشم.. فهى تمقته وترفضه وتقاومه بعناد وإصرار.. بصراعاتها الخطية وألوانها الشحيحة القاتمة التى يتسيدها اللون الأسود .. وهى تطرح عبر هذا كله وبلا إجابة شافية ذلك السؤال المحير.
«وئام المصري» مدرس بكلية الفن والتصميم بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، عُرضت أعمالها محلياً ودولياً فى معارض ومهرجانات وبيناليات ومتاحف حول العالم ، وقد شاركت فى العديد من المعارض الفردية والجماعية بمصر والخارج وحصلت على أكثر من 25 جائزة ومنحة دراسية من مؤسسات مختلفة بمصر والخارج.