مائدة كورونا مائدة كورونا

مائدة كورونا: مفكرون وأدباء في مواجهة الجائحة

أخبار الأدب الإثنين، 09 نوفمبر 2020 - 04:26 م

د. طه جزاع

يطلق عليه البعض من متابعيه تسمية «مانغويل العرب» تشبيهاً بالروائي والكاتب والمحرر الأدبي الكندي المعاصر ألبرتو مانغويل المولود في الأرجنتين، والذي اشتهر بقراءاته المنتقاة لكتب الأدب والفكر والفلسفة وتلخيصها للقراء في باقة واحدة هي أشبه بمائدة أدبية متنوعة تتضمن المتعة والاثارة والفائدة، كما فعل ذلك في كتبه «تاريخ القراءة» و «يوميات القراءة» و«فن القراءة» و«المكتبة في الليل»، غير أن الكاتب والمؤلف المسرحي العراقى علي حسين، الذي يُعدُ ظاهرة تنويرية معاصرة في الثقافة الشعبية المستندة إلى مشروع رصين للقراءة المنفتحة على شتى الثقافات الإنسانية وفلسفاتها وآدابها وفنونها، يصف نفسه بأنه: «كاتب على باب الله»!

وهذا «الكاتب على باب الله» أصدر فى السنوات الأخيرة، ما عوض عن سنوات شبابه المهدور فى محطات العمر المريرة القلقة، بل إنه بدأ ينافس فى عمله الأدبي والثقافي والصحفي، ما تقوم به مؤسسات ثقافية لم تنتج شيئاً مفيداً، يضاهى ما أنجزه من مؤلفات ذاع صيتها بين جمهور القراء، هؤلاء الذين تركوا له مهمة القراءة المنتقاة، وانتظروا منه الحصاد الجاهز لعشرات بل مئات الكتب المهمة التي لم يتح لهم الاطلاع عليها سابقاً، أو أنهم وجدوا فى تلخيصات الخال على حسين –كما يحلو لهم أن يسموه– ما يغنيهم عن قراءتها كاملة. ولم يخب ظنهم به، فقد توالت إصداراته تباعاً فى السنوات الأربع الأخيرة، «فى صحبة الكتب»، و«دعونا نتفلسف»، و«سؤال الحب»، و»غوايات القراءة» الذي يمثل استكمالاً لصحبة الكتب، وأخيراً كتابه الجديد «مائدة كورونا.. مفكرون وأدباء فى مواجهة الجائحة» الذى جمع 21 مفكراً وأديباً من شتى أنحاء العالم، وهم يواجهون جائحة كورونا بأفكارهم ومقالاتهم وأحاديثهم.


 يكتب على حسين فى تقديمه لكتابه: قبل أشهر قليلة نشرت مجلة «فورين بوليسى» تحقيقاً بعنوان «كيف سيكون العالم بعد جائحة فيروس كورونا»، أكدت فيه أن الدمار الذى أحدثه الفيروس لا يقل أثراً عن تداعيات سقوط جدار برلين، أو الأزمة الاقتصادية عام 2008، وقد طرحت فورين بوليسى سؤالاً مهماً على عدد من المفكرين حول اذا ما سيتم التخلص من العولمة؟ فى بعض الإجابات كانت هناك أشادة غريبة بالفيروس الذي اعتبره البعض علاجاً محتملاً لكوكب الأرض، وأنه أفضل طريقة لكبح الرأسمالية المعولمة، واستعادة فضائل المجتمعات والبلدان التي استحوذت عليها فضائل الأسواق والشركات. 

وهذه المقالات سلسلة من البورتريهات التى أردتها أن تجمع بين المتعة والفائدة، وأترك للقراء أن يحكموا إن كان ما قدمته يظل صالحاً بعد انتهاء أزمة كورونا، أم سيصبح هذا الكتاب من الماضي». بعد مدخل قصير يتضمن عبارة لهوسرل عن أزمة العالم الحديث، سبقته مقولات من أعمال شكسبير وألبير كامو وجابريل غارسيا ماركيز، يبدأ الكتاب باستذكار كارل ماركس تحت عنوان «كورونا تخرج كارل ماركس من قبره» يشير فيه الكاتب إلى مرور ثلاثين عاماً على صدور كتاب فيلسوف التفكيكية جاك دريدا«أطياف ماركس»، وإلى احتفال مجموعة أشخاص بمدينة كيمنتس شرقي ألمانيا فى شهر أيار الماضى والعالم يجتاحه فيروس كورونا، بمناسبة حلول الذكرى الـ 202 لميلاد كارل ماركس، المولود فى هذه البلدة الصغيرة فى الخامس من أيار عام 1818، وقد استحضر العديد من المفكرين ماركس خلال أزمة كورونا ولا سيما إشارته إلى أن الرأسمالية فى سعيها المحموم لتحقيق أقصى الأرباح إنما تدمر البيئة، فضلاً عن أن تفشى الوباء كشف عن ضعف النظم الصحية، بالرغم من أهميتها الماسة لحياة البشر. ويستعرض الكاتب محطات مهمة من حياة ماركس واجتماعه بفريدريك إنجلز لوضع الصفحات الأولى من «البيان الشيوعي» منتهياً إلى التساؤل: هل فيروس كورونا سيخرج ماركس من قبره؟ والجواب ما كتبه لوى آلتوسير قبل اكثر من 50 عاماً: «أن ماركس برغم كل شىء سيظل ذلك الذى يزعزع كل الفلسفات التقليدية من أساسها».


تتوزع مقالات الكتاب بعناوينها المتنوعة على مساحة واسعة من الكتب والمقالات والفلسفات الحديثة والمفكرين والأدباء، ولربما تتيح لنا قراءة عناوين تلك المقالات امكانية تكوين فكرة عن مضامينها التي تندرج كلها تحت مائدة كورونا:«الوباء من كامو إلى فوكوياما»، «سلافوى جيجيك.. الشيوعية وكورونا وما بينهما»، «أمارتيا سِن.. البحث عن مجتمع ما بعد كورونا»، «يورغن هابرماس.. كورونا والمأزق الديموقراطى»، «نعوم تشومسكى.. الأمل فى مواجهة كورونا»، «أمين معلوف.. الوباء فى زمن غرق الحضارات»، «ألان تورين.. العيش فى أزمنة الوباء»، «ريجيس دوبريه.. أوروبا فى قبضة الوباء السياسي»، «إدغار موران.. وجوه الفيروس الثمانية»، «بيتر سينغر.. الفيروس والأخلاقيات الأكثر اتساعاً»، «نسيم طالب.. البجعة السوداء التى تنبأت بكارثة كورونا»، «أرونداتى روى.. كورونا أزمة كراهية وأكذوبة تفوق»، «طارق على.. الوباء والبحث عن الأوهام الضائعة»، «أورهان باموق.. الوباء بين الخوف والتضامن»، «جوديث بتلر.. كورونا أعاد لنا كوابيس كافكا»، «بول أوستر بين الآلة الكاتبة ورعب السياسة الأمريكية»، «الطاهر بن جلون.. يبث أحزان كورونا إلى صديق بعيد»، «اليف شافاك.. كورونا بين صدام الحضارات وصراع الثقافات»، «ميشيل أونفرى.. كورونا وانهيار الحضارة الغربية»، وأخيراً»آلان باديو.. الوضع الوبائى فى ظل العولمة الرأسمالية».

وفى كل هذه المقالات فإن علي حسين يقدم موجزاً لسيرة كل مفكر وأديب وأهم مراحل حياته وأبرز أعماله وأفكاره، حتى صار الكتاب –على صغر حجمه– وكأنه موسوعة أدبية مختصرة، اجتمع أعلامها على مناسبة مائدة كورونا التى اجتهد المؤلف فى ترتيبها والاعداد لها، وفى دعوة الضيوف لها من الأحياء والأموات!ونراه وهو يواصل كتابة تقديمه لكتابه يقول:»يجد بعض الباحثين أن فيروس كورونا أصبح عوناً للأحزاب اليمينية فى أوروبا وأميركا، فقد استخدم الرئيس الأميركى دونالد ترامب الفيروس لمناهضة الهجرة وتشجيع العنصرية، فيما أظهر الرئيس البرازيلى ازدراءه لنصائح الاطباء والباحثين، واستغل رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى الأزمة لتأجيج الإسلاموفوبيا والتخلى عن العمال والمهاجرين الفقراء الذين جاءوا إلى مدن الهند من قراها».


كثيرون أدهشتهم سرعة استجابة على حسين لجائحة كورونا بإصداره كتابه الجديد هذا، فقد عدتهُ  د. لاهاى عبدالحسين أستاذة كرسى علم الاجتماع فى جامعة بغداد، العمل الأسرع، وقد يكون الأول على مستوى الصحافة العربية، فيما قال عنه د. على المرهج أستاذ كرسى الفلسفة فى الجامعة المستنصرية، انه جمع كل المفكرين ومن كل حدب وصوب فى كتاب، ولم ينشغل فى الاقصاء لأحدٍ منهم، وتمكن من جعل الكورونا مائدة يجمع فيها الشتيتين حيث لا تلاقيا! غير أن»الخال» لا يتوقف كثيراً عند ذلك، فهو يعلن لقرائه عن قرب صدور كتابين جديدين هما»كتب ملعونة» و»المتمردون». كما يواصل بهمة لا حدود لها تقديم زاويته فى صفحته على الفيسبوك»صباح الكتب» التى يختار فيها لمتابعيه فقرة خاصة من قراءاته الجديدة، وهناك أيضاً عموده السياسى المثير للجدل بسبب صراحته وجرأته اللامتناهية فى تشخيص مظاهر الفساد السلطوى، بالوقائع والأسماء الصريحة، وهو عمود يومى تنشره جريدة»المدى» تحت عنوان»العمود الثامن». وكثيراً ما خشى عليه أصدقاؤه وقراؤه بسبب جرأته وصراحته فى هذا العمود الذى يهاجم فيه بشكل متواصل العديد من السياسيين والحزبيين والمسؤولين الحكوميين المعروفين، ويعرى مصالحهم وغاياتهم، ويكشف زيفهم وطائفيتهم وعوراتهم وتناقضاتهم، لكنه يمضى بضحكة ساخرة وهو يتأبط مجموعة جديدة من الكتب اقتناها من مكتبات شارع المتنبى.


 لعله مطمئن إلى أن الذين يهاجمهم لا يقرأون ما يكتب، أو أنهم لا يكلفون أنفسهم متابعته والانشغال به، وقد ينتظرون الخلاص منه يوم أن يواجه مصيراً مثل مصير الجاحظ الذى مات مدفوناً تحت الكتب!.

 

 

 

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة


الرجوع الى أعلى الصفحة