الشيخ علي جمعة
ما حكم الصلاة في مساجد بها أضرحة؟ «الافتاء» تُجيب
الإثنين، 28 يونيو 2021 - 03:39 م
ورد سؤال الي دار الافتاء يقول فيه صاحبه عن مسجدين متلاصقين بكل منهما ضريح: أحدهما لسيدي محمد العدوي، والآخر لسيدي محمد بدر الدين، ونصلي الجمعة بينهما بالتناوب منذ خمسينيات القرن الماضي، كما يحدث تشويش في الصلوات الجهرية، ويريد أحد الأشخاص بناء مسجدٍ كبيرٍ مكانهما على نفقته، ويشترط لذلك إزالة الضريحين ونقل رفاتهما إلى مدافن القرية، ويوافق بعض الإخوة على ذلك أخذًا بقول من يحرم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة. فما حكم الشرع في ذلك؟
اقرأ أيضا
دار الإفتاء المصرية تعرض إصداراتها بجناح خاص بمعرض القاهرة الدولي للكتاب
وأجاب الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق، أن الصلاة في المساجد التي يوجد بها أضرحة الأولياء والصالحين صحيحة ومشروعة، بل إنها تصل إلى درجة الاستحباب، وذلك ثابت بالكتاب والسنة وفعل الصحابة وإجماع الأمة الفعلي.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: 21].
واوضح جمعه أن سياق الآية يدل على أن القول الأول هو قول المشركين، وأن القول الثاني هو قول الموحدين، وقد حكى الله تعالى القولين دون إنكار، فَدَلَّ ذلك على إمضاء الشريعة لهما، بل إن سياق قول الموحدين يفيد المدح، بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعًا، وأن مرادهم ليس مجرد البناء بل المطلوب إنما هو المسجد.
قال الإمام الرازي في تفسير ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: [نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد] اهـ.
ومن السنة: حديث أبي بصير رضي الله عنه الذي رواه عبد الرزاق عن معمر، وابن إسحاق في "السيرة"، وموسى بن عقبة في "مغازيه" وهي أصح المغازي كما يقول الإمام مالك؛ ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم: "أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو دفن أبا بصير رضي الله عنه لما مات وبنى على قبره مسجدًا بسيف البحر، وذلك بمحضر ثلاثمائة من الصحابة". وهذا إسناد صحيح، كله أئمة ثقات.
ومثل هذا الفعل لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فلم يرد أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخراج القبر من المسجد أو نبشه.
كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «في مسجد الخيف قبر سبعين نبيًّا» أخرجه البزار والطبراني في المعجم الكبير، وقال الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار": هو إسناد صحيح.
واكد جمعه انه ثبت في الآثار أن سيدنا إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر رضي الله عنها قد دفنا في الحجر من البيت الحرام، وهذا هو الذي ذكره ثقات المؤرخين واعتمده علماء السير: كابن إسحاق في "السيرة"، وابن جرير الطبري في "تاريخه"، والسهيلي في "الروض الأنف"، وابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، والذهبي في "تاريخ الإسلام"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وغيرهم من مؤرخي الإسلام، وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، ولم يأمر بنبش هذه القبور وإخراجها من مسجد الخيف أو من المسجد الحرام.
وأما فعل الصحابة: فقد حكاه الإمام مالك في "الموطأ" بلاغًا صحيحًا عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكان دفن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه، فحفر له فيه» اهـ. والمنبر من المسجد قطعًا، ولم ينكر أحد من الصحابة هذا الاقتراح، وإنما عدل عنه أبو بكر رضي الله عنه تطبيقًا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدفن حيث قُبِضَتْ روحُه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، فدفن في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها المتصلة بمسجده الذي يصلي فيه المسلمون، وهذا هو نفس وضع المساجد المتصلة بحجرات أضرحة الأولياء والصالحين في زماننا.
ومن المقرر شرعًا أن مكان القبر إما أن يكون مملوكًا لصاحبه قبل موته، وإما موقوفًا عليه بعده، وشرط الواقف كنص الشارع، فلا يجوز أن يتخذ هذا المكان لأي غرض آخر، وقد حرم الإسلام انتهاك حرمة الأموات، فلا يجوز التعرض لقبورهم بالنبش؛ لأن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًّا.
فإذا كان صاحب القبر من أولياء الله الصالحين فإن الاعتداء عليه بنبش قبره أو إزالته أشد حرمة وأعظم جرمًا، فإنهم موضع نظر الله تعالى، ومن نالهم بسوء أو أذًى فقد تعرض لحرب الله عز وجل، كما جاء في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب». رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
واختتم جمعه فتواه أنه لا يجوز نبش هذين الضريحين وانتهاك حرمة الوليين الصالحين بحجة ضم المسجدين وجعلهما مسجدًا واحدًا، وجعل القبرين عقبة في سبيل ذلك، بل يضم المسجدان لبعضهما ويبقى الضريحان في مكانهما، ولا يجوز التوصل إلى فعل الخير بفعل الباطل، ولا يحل شرعًا للقائمين على المسجدين أن يوافقوا مَن اشترط إزالة الضريحين لبناء المسجد على ذلك، بل يجب إبقاء المسجدين على حالهما حتى يقيض الله تعالى من أهل الخير والصلاح مَن يعرف لأوليائه قدرهم ويحفظ لهم حرمتهم فيبنى المسجدان مسجدًا واحدًا بضريحيه، وتتحقق إقامة بنيانه على تقوى من الله ورضوان.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
اللواء سامح نبيل مساعداً لرئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ
اللواء هاني محمود نائبًا لرئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ
مصر تدين تجدد الاعتداءات الإيرانية على الكويت والبحرين
قرار جمهوري بتعيين الفريق محمد عبدالرحمن بسيوني رئيساً للهيئة القومية لإدارة الأزمات
كلية العلاج الطبيعي بجامعة مصر الجديدة تفتح أبوابها لاستقبال الدفعة الأولى
الأكاديمية الطبية العسكرية تحصل على الاعتماد المؤسسي من «العربي للاختصاصات الصحية»
الدكتور حسين عيسى يشدد على أهمية توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة
انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الأول لطب الحالات الحرجة للأطفال
ورشة عمل لعرض نتائج تقييم مصانع تدوير المخلفات الكهربائية والإلكترونية








