عاطف الجلالي يكتب: رسالة لم تقرأها أمي

عاطف الجلالي

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022 - 04:41 ص

بوابة أخبار اليوم

أماه .. أعلم علم اليقين أن من دلائل صدق الإيمان وسلامة العقيدة اليقين بأن الموت حق مثلما البعث حق والجنة والنار حق ، ولكن فراقك يا أمي فجيعة لم أعد أقوى على تحملها فرحيلك كسر قلبي وقصم ظهري فلا سند لي بعدك أشدد به أزري . ومعاذ الله أن أكون ساخطًا أو معترضًا على قدر الله ، ولكني ألتمس ما قاله حذيفة بن اليمان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – حينما سأله : " كيف أصبحت يا حذيفة " فقال : " لقد أصبحت يا أمير المؤمنين أكره الحق " وحسبه يقصد الموت . فها أنا بعد  ما ارتحلتي عنا صار شأني كشأن هاتيك التروس الحديدية التي تدور وتتوقف دون مشاعر أو أحاسيس وباتت حركتها وئيدة وثقيلة ، وكل الأشياء تبدو لي موحشة وغريبة كأن الزمن توقف عندي وقت أن رحلتِ ، حتى السعادة والحزن أظنهماقد استويا عندي . لا يؤنس وحشتي ووحدتي - بعد ذكر الله - سوى أن أسبح في ذكرياتنا معك فلا أزال أتذكر حينما كنت أهرب إليك وأطرق بابك فتنظرين إلى قسمات وجهي فتعرفين حالي كله دون أن أحرك بنت شفاه فمن لي بعدك يملك هذه الشفافية إلا ولي أو تقي . ولا زلت أتذكر شهر رمضان بتداعياته ونحن ننتظرك عند كل آذان – حول طبلية جدتي الخشبية العتيقة – مثل الطيور الجائعة التي تتطلع إلى أبويها ، وأنت كعادتك تتردين علينا ذهابًا وإيابًا لتلبي حاجة كلٍ منا على حدا – ولا تبالي جوعًا أو عطشًا – فتكوني آخر من يجلس وأول من ينهض فقدرك يا أمي أننا عصبة من الذكور أغراها كرمك وحلمك أما بنيتنا الصغيرة الوحيدة فهي هناك تنعم في رحاب عطفك وتدليلك . لولا أخشى أن أشق على إخوتي ونحن على قبرك لتركت العنان لدموعي الحبيسة حتى تبتل الأرض من تحتي ولكني رفقًا بهم أخاطبك همسًا وكمدًا . أما عن حالنا بعدك أظنه لا يسرك قد بعدت بيننا المسافات وتمددت وعدنا لا نجتمع إلا عند زيارة قبرك وكأنه كُتب علينا ألا يجتمع شملنا إلا عليك في حياتك و بعد مماتك . أمي .. لا يكفيني أن أنظم بيوتًا من الشعر في حبك أو أكتب القصائد في رثائك ولكني سأظل أفتقدك ما حييت ، ولا يسعني إلا أن أقول ما يرضي ربنا " إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أمي لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون ".  عاطف الجلالي - المحامي بالنقض atefelgalaly@gmail.com