كنوز| صاحبة الجلالة تضىء 111 شمعة لأول رئيس تحرير لـ«الأخبار»

جلال الحمامصي

الخميس، 04 يوليه 2024 - 02:58 ص

عاطف النمر

فلتسمح لي الكاتبة الكبيرة سناء البيسي بأن أستعير عنوان مقالها «جلال الدين الحمامصي .. دخان لم يذهب فى الهواء» لأن عبقرية العنوان تلخص شخصية الأستاذ «المعلّمُ» الذى تخرج على يديه بالجامعة الأمريكية وكلية الإعلام بجامعة القاهرة أجيال متلاحقة تبوأت المراكز القيادية فى الصحافة المصرية والعربية، وأصبحوا نجوماً فى عالم الكتابة والفكر وخداماً أوفياء فى بلاط صاحبة الجلالة «الصحافة» المثالية التى علمنا قيمها ومبادئها وزرع فينا صدق الكلمة ودقة المعلومة وحرية الرأى والبحث عن حلول لمتاعب وهموم المواطن، وإيصال أصواتهم لصناع القرار بحيادية وموضوعية لترسيخ مبدأ الانتماء والمواطنة. فى الأول من يوليو - قبل ثلاثة أيام - أضاء تلاميذه «111» شمعة فى ذكرى ميلاده فهو من مواليد 1 يوليو 1913 بمدينة دمياط، والده هو محمد كامل الحمامصي، كان أديباً وشاعراً ومستشاراً لأمير الشعراء أحمد شوقي، ورث عنه حب القراءة والكتابة من خلال مكتبة والده الضخمة، ظهرت ميوله الصحفية منذ أن كان طالباً فى الثانوي، فعمل أثناء دراسته محرراً بالقسم الرياضى عام 1929 بجريدة «كوكب الشرق»، التحق بكلية الهندسة قسم العمارة بجامعة القاهرة وعمل أثناء دراسته، بمجلات مؤسسة دار الهلال عام 1936، وكان الصحفى الوحيد الذي رافق وفد التفاوض المصرى إلى لندن عام 1937،، وفى السنة التى تخرج فيها من الجامعة عمل محرراً بجريدة «المصري» عام 1939، وكان أول سكرتير تحرير يُطبق الفن الهندسي في إخراج صفحات الجريدة، فجعل الصفحة 8 أعمدة بدلاً من 7، وانضم إلى حزب الوفد، وانُتخب عضواً بمجلس النواب عام 1942، بعد خروجه من حزب الوفد اشترك مع مكرم عبيد باشا فى صياغة «الكتاب الأسود» الذى فضح ممارسات قيادات فى الحزب وحرم النحاس باشا، واعُتقل بسبب هذا الكتاب الذى أحدث أزمة كبيرة هو وتلميذه موسى صبرى الذى شارك فى توزيع الكتاب، والتقى فى «معتقل الزيتون» بالبكباشى أنور السادات، وانضم بعد خروجه من المعتقل إلى حزب الكتلة، وعمل مديراً لتحرير جريدة الحزب عام 1944 لكنه تركهما بعد عامين، وأنشأ صحيفة «الأسبوع» عام 1946 التى تعرضت لخسائر مالية كبيرة جداً ولم تستمر أكثر من 7 أشهر، ثم عمل رئيساً لتحرير جريدة «الزمان» حتى عام 1950، وبعدها انضم إلى دار «أخبار اليوم» وكان من أعمدتها الأساسية وشارك فى رئاسة تحريرها وكان شريكاً مع على ومصطفى أمين فى الدار بالمطبعة التى كان يمتلكها، وفى 15 مايو 1952 شارك علي ومصطفى أمين في تأسيس جريدة «الأخبار» التى حققت خسائر كبيرة فى عدديها الأول والثانى بسبب الأسلوب التلغرافى الذى كان يكتب به على أمين الأخبار التى لا تزيد على أسطر قليلة.. والقارئ لم يتعود على هذا الأسلوب.. واتفق مجلس تحرير الجريدة المكون من فطاحل المهنة بقيادة أمير الصحافة محمد التابعى على أن يتولى جلال الحمامصي رئاسة تحرير الجريدة الوليدة فكان أول رئيس تحرير لها وحققت نجاحاً خرافياً مع العددين الرابع والخامس وأصبحت الجريدة الأوسع انتشاراً.  ◄ اقرأ أيضًا | أسامة السعيد يكشف سر تأخر الإعلان عن التشكيل الحكومي الجديد أستاذى جلال الحمامصى هو أستاذ كل أبناء جيلى، تشربنا علمه وخبرته، عايشنا المعارك التى كان يفجرها فى عموده «دخان فى الهواء»، ولم تكن معاركه دخاناً فى الفراغ إنما كانت طلقات من الرصاص، معارك خاضها بسلاح الحق والصدق والدقة والموضوعية، وسببت له الكثير من المتاعب التى أعُفى بسببها من عمله بمؤسسة «أخبار اليوم» بقرار من الرئيس عبد الناصر، وهو من كلفه بتأسيس وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الناطقة بلسان الدولة وأسند له رئاسة تحريرها، وكلفه أيضاً بوضع تصور لانتشال جريدة «الجمهورية» من عثرتها، وعندما سُئل الحمامصى عن سبب إعفائه من عمله بأخبار اليوم قال: «لأنى حاربت الفساد».  معارك أستاذنا جلال الدين الحمامصى فرضت عليه أن يصطدم بالرئيس السادات الذى زامله فى المعتقل، رغم أنه شهد فى يناير 1946 أمام سلطات التحقيق بأن أنور السادات كان فى زيارة له وقت إطلاق النار على وزير المالية أمين باشا عثمان، وبرأت هذه الشهادة السادات من الاتهام بالمشاركة فى عملية اغتيال الوزير، ومع ذلك كان الحمامصى ممنوعاً من الكتابة فى أواخر عهد الرئيس السادات ‏!. الأستاذ ترك آثاره فينا، وتعلمنا منه أن الصحافة رسالة نبيلة لكشف الحقيقة ونقلها للرأى العام ليفهم ويعرف، ألم يقل لنا أمير الشعراء أحمد شوقى: « قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا.. أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذى يبنى وينشئُ أنفـساً وعقولا»، وها نحن فى ذكرى ميلاده ال 111 نضيء له شموع الوفاء ونوفه التبجيلا، وسنداوم على ذلك ما حيينا، تقديراً منا لأستاذ كان عنواناً لعفة النفس، وطهارة اليد، ونزاهة الغرض، والعناد فى الحق، والثقة بالنفس، وقد منحه العبقرى عباس محمود العقاد شهادة عندما سُئل عنه فقال: «شعبى فى صالون، ولكنه شعبى أصيل لا يخلع القفاز من يده وهو يحمل القلم، وقد يخلعه وهو يصافح الصديق، ويخلعه ليبارز العدو، ولا يقول فى الحالتين إلا ما يُقال فى الصالون، على مسمع من السيدات والأطفال، قلمه الناقد وقلمه المادح يسيران بخطوة واحدة، لا يجمحان ولا يخرجان عن العنان، محصوله من الذوق يزيد على محصوله من الورق، ولكنه لا يتصدى لعمله بغير الكفاية من المحصولين»، ورثاه تلميذه موسى صبرى فى مقال بمجلة «آخر ساعة» قال فى نهايته: «لقد تعلمت من جلال الحمامصى الكثير، كان يقدم لنا دائماً الصورة المثلى للصحفى الشريف، وكان رائداً فى رياسة العمل الصحفى، ليس له شلة، عادل فى تقييم العمل الصحفى، وكان عناده يعبر عن شخصيته فى كل سلوكه العام والخاص، وكانت الابتسامة لا تختفى من وجهه مهما كان عنف الأزمات». ولأستاذنا الجليل إنجازات جليلة فى مسيرة الصحافة الحديثة، تعلمتها الأجيال التى ارتوت منه أخلاقيات المهنة، فقد ساهم فى تأسيس معهد الإعلام بجامعة القاهرة، وتوزيع تلاميذه على كل المؤسسات الصحفية الذين أصبحوا نجوماً لامعة وتبوأوا المناصب بها، وله فضل تأسيس ورئاسة «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والمتابعة الصحفية»، وعندما تولى محمد حسنين هيكل الإشراف على «أخبار اليوم» بجوار «الأهرام»، تولى مهمة المشرف العام على تحرير صحف ومجلات دار «أخبار اليوم»، وترك خلفه مؤلفاتٍ ثرية للمكتبة الصحفية فى مقدمتها: «المخبر الصحفى - المندوب الصحفى - صالة التحرير- الأخبار فى الراديو والتليفزيون - وكالات الأنباء - الإدارة فى الصحف - من الخبر إلى الموضوع الصحفى - الصحيفة المثالية - صحافتنا بين الأمس واليوم»، ومن مؤلفاته التى تثرى المعرفة «نزاهة الحكم - معركة الجلاء - ماذا فى السودان؟ - معركة تأميم قناة السويس- من القاتل - القربة المقطوعة - حوار وراء الأسوار - أسوار حول الحوار». تعلمنا من أستاذنا جلال الدين الحمامصى شرف المهنة والفصل بين الإعلام والإعلان، علمنا كيف نجادل ونناقش وصولاً للحقيقة التى ننقلها للقارئ، وكان يتيح لنا مساحة كبيرة نمارس فيها الجدل معه، ويتقبل منا الاختلاف بصدر رحب لكى نتمرن على أصول الحوار.