الروائي السوري سومر شحادة: الرواية متقدمة خطوة على الواقع | حوار

سومر شحادة

الأحد، 21 يوليه 2024 - 02:12 م

أخبار الأدب

حوار: هدى مرمر حين خسر بطل الحكاية كلّ شىء، قال لنفسه «الآن بدأت حياتى»، وهو عنوان رواية جديدة للروائى السورى سومر شحادة الحاصل على جائزتَى الطيب صالح ونجيب محفوظ. عنوان لافت؛ بتربّعه فى سماء حى شعبى باهت يوحى بالحداد، والصعود إلى السماء. لكن الرواية أكثر من غلافٍ جميلٍ صامت يشى بقول الراوى: «وجدتُ فى الصمت الذى يخرج من كلّ ركن من المنزل ما يغوينى بالبقاء». إذ فى ذلك الحيز الضيّق بين الخضوع القسرى والاستسلام الطوعى للموت؛ تتحرّك شخصيات رواية شحادة الرابعة، وكأنَّها أحجار فى رقعة شطرنج معقودة إلى مصائرها المحتَّمة الفردية، التى ستغدو مسارًا جماعيًا؛ بعد أن عرقل الملك تقدّم الحكاية كما كان ينبغى لها، فأسر بطل الرواية فى منزله بعيدًا عن الحبّ والحرب. وقد فُرضَت عليه معركة رسمت مصير علاقته بزوجته، وانفصالها عنه، وكأنها معركة خسرها دون أن يعى حدوثها بالمبدأ. لسخرية الواقع الذى صوَّره صاحب «الهجران» كمسرحية تراجى-كوميديّة تنقل الواقع السورى؛ بدأت حياة إياس بعد أن خسر الحبيبة والصديق ولفظه المجتمع. وبدء حياته، لم يكن إلا تحرّرًا من الوهم. هنا حوار مع سومر حول الرواية وأبطالها والحرب وما تصنعه فى الناس. هل يمكننا القول إنَّ هجرة مدينة الطفولة والصبا هى نوع من الموت؟ لكنها ليست هجرة تلقائية فى الرواية، ليست رحلة أو نزهة؛ إنَّها هجرة قسرية بسبب واقع المكان، بسبب الحرب، ونمط العيش الذى أعقبها. حيثُ «السلطة» عندما تريد أو عندما يخدمها أمر، بمقدورها أن تسيطر حتَّى على نيَّات الناس، حتَّى على اعتقادهم، بمقدورها أن تصنع الحقيقة التى تريدها، وأن ترسم تفكيرهم. الرواية ترصد مرحلةً فيها وعى السلطة وأدواتها متقدم بشكل كبير على وعى مَن هم تحت سلطتها، وعلى ممكنات اعتراضهم، فالثورة فشلت وكانت خيبة كبيرة. الرواية واقع لديستوبيا فعليَّة، لا متخيلة. وهجرة مكان الطفولة والصبا هنا؛ فيهِ بُعدٌ قاسٍ، بُعدٌ يضرب الوجدان ويعصف بالضمير. وهو نوعٌ من الموت بالطبع. حتَّى إنَّ العنوان يمكن أن يكون عنواناً ساخراً. لأنه مبنى على مفارقة صارخة. «الآن بدأت حياتى» تفيض بالشبهات والشكوك... إلى أى درجة تتقاطع مع واقع ما قبل وخلال الحرب السورية، وصولاً إلى اليوم؟  الرواية تقرأ الشكل الذى انتهى إليهِ الحال فى سوريا، ليس فقط شكل «السلطة»، ومدى تعقيد الولاءات داخلها. أقصد، حتى اجتماعيّاً أصبحنا نتحرك فى شكلٍ ملتبس للمفاهيم والعلاقات. الحرب أزمة ثقة بالمبدأ. وبعد هذه السنوات الطويلة، أزمة الثقة طالت كُلَّ شىء. حتى تصوّراتنا عن أنفسنا باتت تصورات مرتابة. هل الصديق صديق؟ هل الحبيب حبيب؟ هل العدالة عدالة؟ الرواية تضرب هذه المسلّمات كُلّها. لدرجة أعتقد أنَّنى بالغت فى نسف الوهم. إذ أحياناً نحتاجٌ قدراً من الوهم، كى ننجو. لكن الحرب بطبيعتها تستبدل القيم، تنسفُ ماضياً بما فيهِ، بلغته ومفاهيمه ورموزه، لتحضرُ معها لغتها ومفاهيمهما ورموزها. كتبتُ الرواية فى زمن الاستبدال هذا، ولذلك السبب الصراع فيها حادٌ إلى درجة قاتلة بالمعنى الجنائى للقتل، لا الرمزى فقط. يختار البطل أن يعتزل الحب والمجتمع والمدينة، ويقبع فى منزله ليوقف النزف. هل ترى أن خياره يشذُّ عن القاعدة، أم أنَّه يعبّر عن الكثير فى مجتمعاتنا العربية، والمجتمع السورى بالتحديد؟  للنص خصوصيَّة سوريا، بلا شك، لكنها خصوصيَّة بالحدِّ الذى يتيح له أن يقرأ عصره أيضاً، وأن ينتمى إلى زمنه. فى النهاية لم يجد إياس سبباً لاكتئابه سِوى حساسيته العالية، وشعوره أنَّه يعيش فى بلدٍ مُهان. لكن أحياناً أنظر أبعد من ذلك؛ وأشعر أنَّنا جميعاً أبطالٌ فى روايات لا تحفظ كرامة أبطالها. مثلاً؛ الإبادة فى الجوار، تحدث لأشهر على مرأى ومسمع العالم كله، ولم يستطع أحد حتى تخفيف حدَّة القتل. عصرنا عاجز. البشر غير مرئيين خارج قيمتى الاستهلاك أو القتل. أحياناً أقول، لا يجب أن ننكفئ وننعزل بالرفاهية التى كانت لإياس فى نص روائى. أحياناً أقول، يجب أن ننفجر، يجب أن يحدث أمرٌ ما، لكن لا يحدث شىء. وكما تقترح الرواية؛ «والعصر، إنَّ الإنسان لفى خُسر».  هل الانهزام قرار واعٍ؟ أم هو نتيجة غير واعية لتراجيديا وصدمة نفسية مثل الانفصال والحرب؟  شخصية إياس، دون غيرها، تنمو فى الغفلة. كونه شخصاً غافلاً، جزءٌ من تعريفه. وهو غافل لأسباب موضوعيَّة. ربما إياس دون غيره يمثل هذا الرأى، مع نهاد الذى يودع آخر أبنائه. نرى إياس يكرر دون ملل، بأنَّ زوجته تركته. استمر إياس يكرر هذا، حتى شعر أنَّ حديثه صار مملاً. أنا لم أملّ منه. لكنى أشفقتُ عليه. وأردتُ له أن يتوقف عن قول هذا. فمصيره لا يعنى أحداً. أردتُ له أن يعترف. أن يواجه أوهامه. أيضاً بالنسبة إلى نهاد، أحضروه لوداع ابنهِ قبل أن يسافر، وهو يرتدى البيجاما المنزلية، وطلبوا شهادته فى التحقيق بعد وفاة ابنه، وهو شخصٌ خارج الدنيا عمليّاً. فى النهاية، لم أترك أمام الشخصيات خياراً سِوى أن تعترف أمام نفسها بهزيمتها. تقبّل الهزائم جزءٌ من ثقافة الاعتراف التى للأسف ترفضها مجتمعاتنا. الجميع يريد أن يكون منتصراً. أظنه مرض استلفه المجتمع من صورة الحاكم المنتصر. والرواية تبحث فى هذه العلاقة وتفاعلاتها.  هل الحب مجرَّد وهم كبير؟  لا أجرؤ على قولٍ كهذا. إذ فى الأوقات التى يتأزم بها المرء، لا يجد وهماً أفضل من الحبّ كى يداويه، ويتعزَّى به. أحياناً نحتاج إلى أن نخترع الحب لأحدٍ ما، بأسلوبٍ ما وبقدرٍ ما. الحب ضرورة ونوع من النجاة فى حياتنا. فى «منازل الأمس»، استمر سليم يحبّ امرأةً غادرته، ويجهل مصيرها، طوال حياته. بعد ستة وثلاثين عاماً توقف عن انتظارها، حتى إنَّ موته كان توقفاً عن الانتظار، كانت وداد آخر من فكر فيهِ مع أنَّها صارت مع عبور السنين أقرب لأسطورة شخصية. أظن أن سليم فى منازل الأمس يمثل فكرتى عن الحب. إنَّه أسطورة شخصية. حتى لو كان وهماً، لا يستطيع المرء أن يعيش من غيره. أقصد إنْ تعسَّر استمرار قصة حب، نحتاجُ إلى اختراع الحب داخلنا، ولو آمنا بالوهم... لِمَ لا؟  ما الذى يكسر الوهم فى الإنسان بنظرك؟  الوحدة كقدر، اقتراب الموت، فقد الأحبة. أمور كثيرة تكسر الوهم، معظمها يتأتَّى من إدراك كم نحن عاجزون كبشر، كم نحن خاضعون لشرط أكبر منّا. لكن الرواية، أظن كما فى الحياة، لا تعرض كسر الوهم بشكلٍ مجرَّد؛ بقدرِ ما تستعرض الظرف الذى يتيح لنا الاعتراف بأوهامنا والتخلّى عنها، أو أحياناً يجبرنا على ذلك. وقد ظهر الظرف بصورة قاسية فى الرواية، أظن لأنَّ أوهام الشخصيات كانت كبيرة، وانكشاف أوهامها جاء جزءًا من انهياراتٍ أشمل شهدتها سوريا ككل، حيثُ السلطة والثورة والمجتمع ومفهوم السيادة والنخبة الفاعلة؛ كلُّ شىءٍ عارٍ اليوم، ومربوطٌ إلى بعضه بخيطٍ متينٍ من العار.  هل أدوار وصلاحيات الفرد مسنونة مسبقاً مثل أحجار شطرنج يحركها أحدهم إلى مصير لا مفر لها منه؟  النَّص مكتوب بالضبط عن حالة موات الحرية. والموات فى المعجم، هو الأرض التى لا مالك لها، ولا يُنتفع بها، وهو الأرض غير العامرة. والموات، مَا لا حياة فيهِ. إذن، الرواية مشغولة بكيف تكون عن أشخاص فقدوا فرصتهم بالحرية. الناس لم يعودوا يملكون مصيرهم. لكن لا أظن هذا أبدياً، و»الآن بدأت حياتى» خطابٌ للتصالح مع الحاضر، كى نقدر على تجاوزه.  هل من خسارة أخيرة فى سلسلة الخسارات اليومية على الإنسان تكبّدها حتى تبدأ حياته؟ كما لو أنَّ على المرء خسارة كل شىء ليربح نفسه فى لعبة الحياة الخاسرة؟  خسارة النفس، خسارة المصير، الإدراك أنَّ حياتنا التى أردناها صارت وراءنا. أنّنا فقدناها. فقدنا فرصة أن نكون مع أشخاصٍ أحببناهم. تعرفين قول المسيح بألا ينفع الإنسان كسب العالم وخسارته نفسه. فى الرواية، وصل إياس لمقاربة معاكسة، لقد خسر العالم، وكسب نفسه. وبهذا، فطوبى لمصائبه. إذ إن حياته بدأت من هذه المفارقة الساخرة المريرة العبثية؛ ربحَ معركته مع نفسه، وخسر كلَّ ما عدا ذلك.  فى الرواية نظرة مجهرية إلى طبيعة العلاقات الحميمة. هل هو هاجس لك ككاتب أم مجرد مشاهدات اجتماعية تخدم درامية الحبكة؟  أعتقد أنَّه هاجس بقدرٍ ما، لأنَّه صار يتكرَّر فى كتبى، ويأتى بصلب عملية الكتابة. أظنّها طريقة لقراءة الإنسان نفسه؛ فنحن نعرف أنفسنا فى علاقتنا بالآخرين، وعبر الآخرين، وبمعونة الآخرين. أظن العلاقة مع الآخر، العلاقة الحميمة مع الآخر، بالتحديد، أكثر ما تكشف الإنسان، أكثر ما تعرّيه وتجرده وتتركه مكشوفاً أمام طبيعته. أمام خفوت عاطفته أو عجز جسده أو إدراكهُ استحالة الوصل أو الحدود التى ينتهى إليها... أحبّ أن أكشف أبطالى الذين أكتبهم بأكبر قدرٍ أستطيعه، لهذا أضعهم فى أصعب المواقف. وأحياناً لا أعود قادراً على إخراجهم منها.  هل الصداقة بين امرأتين يمكنها فعلاً أن تكون أهم من علاقتهما برجل بينهما كما تقترح الرواية؟  الرواية تقترح هذا ضمن شرطها الفنى. فى الواقع، لا أعرف، ليس لدىَّ جواب حاسم. أو أخشى القول إنَّ الواقع هو العكس، والذكورية ليست حكراً على الرجال. أحياناً نجد مخرجة شهيرة أو شاعرة مُترجَمة ومعروفة، إلخ... وتفكيرهن محض ذكورى. أقصد، حتى الثقافة بمعناها الشائع ليست كافية لصناعةِ إنسان يفهم كرامة أحد آخر متورط فى علاقة غير متكافئة. الصداقة مهمة، وأن تتكاتف النساء فى وجهِ رجالٍ ذكوريين أيضاً مهم. لكن هل هذا موجود فى الواقع؟ لا أظنه موجوداً بالقدر الذى تقترحه الرواية، بل كثيراً ما نرى نساءً ناجحات، وعاملات فى الثقافة، وفاعلات فيها؛ لكنهنَّ تستثمرن بالذكورية أكثر ممَّا تعادينها فى الصميم. وأحياناً لا يكفى نقدُ الظاهرة كى لا نكون جزءاً منها. لكن مع ذلك، الفن كما أراه وأكتبه، يجب أن يمشى خطوة متقدمة على الواقع. لأنَّ واقع مجتمعاتنا مضروب. صنعه القمع، صنعه العنف والتشدّد، صنعه الصوت الواحد الذى لا نراه فقط فى السلطة، أيضاً نراه لدى من يعارضها. والفن يقوّم هذه الاعتلالات بطريقته الناعمة. أو بالحد الأدنى، إنَّه يرويها. وفى رواية حكاية ما مسُّ بقداستها، إنَّه العنف الذى يملكه الفنَّان ويضرب به الواقع.  كيف اختلفت كتابة «الآن بدأت حياتى» عن سابقاتها؟ الرواية منذ الصفحات الأولى بدت مكتملة فى رأسى، لم أستغرق فى كتابتها سِوى أشهر الكتابة. ربما لأنّنى تمرَّنت على موضوعاتها فى «منازل الأمس» و»الهجران». والجديد الذى أزعمه فيها هو الأسلوب. منذ الصفحات الأولى، رأيتُ النهاية التى سوف أصل إليها. إلى هذا الحد كانت واضحة أمامى، والمائتا صفحة التى احتجتها، احتجت إليها فقط كى أجعل اللحظة العاصفة الخطيرة التى تنتهى بها الرواية، لحظةً مبرَّرة. فالفن بناء؛ يحتاج إلى أساس، إلى إقناع، إلى مبرّرات.  ما أبرز ما تتمنى أن يصل قارئ رواياتك؟ عجزنا كبشر عن أن نكون أبطالاً خارقين؛ كلنا أبطال، لكن ضمن أدورانا الصغيرة، وفى معاركنا الهامشية التى لا يدرى عنها أحد. إلى جانب أنَّ الإنسان يجهل نفسه.  أى الروايات والكتب تشدّك؟  أحبُّ عموم الرواية اللبنانية التى تعاملت مع الحرب الأهليّة اللبنانية؛ مثل روايات حسن داود ونجوى بركات وربيع جابر وجبور الدويهى. وأكثر الكتب التى تشدّنى هى الكتب التى تتحدث عن الروايات، تنقدها، تدرسها. ثمَّ المسرح.  هل من جديد تعمل عليه؟ وكيف ترى تجربة النشر فى مصر؟ الجديد طقس بالنسبة إلىَّ، على الأقل خلال هذه السنوات، إذ أشعر أنَّ لدىَّ ما أقوله، ولا ألمس دورى -حيثُ أعيش- خارج الروايات التى أكتبها.  فى البداية، نشرت فى مصر بعد أن حصلت على جائزة نجيب محفوظ، شعرت أنَّها فرصة كى ينتبه إلىَّ القارئ المصرى. ثمَّ شعرت أنَّ التعامل مع دار الكرمة أوصلنى إلى القارئ أكثر مما فعلت الجوائز. إذ فى ثقافتنا المعطوبة كثيراً ما يُتهَم الكاتب الذى يحصل على الجوائز فى بداية مشواره؛ أنه استمر يكتب للجوائز. فى الحقيقة، مصر جعلتنى أنال الجائزة التى كنتُ أحلم بها منذ البدء؛ وهى انتباه القارئ العادى إلى مشروعى الروائى، لا قارئ النخبة الذى أعرفه عن قرب... أعرف كيف يقرأ، ولماذا يقرأ، وكيف يدعم نصاً، ويقصى آخر، ولماذا! بلا تعميم طبعاً. لكن المؤكد أنى أؤمن بالقارئ المجهول الذى يأخذ كتاباً صاحبه مجهول، ويكتشفه بنفسه. وهذا تحقَّق بمعونة دار الكرمة المصرية، بالحدِّ المعقول لكاتب سورى ينشر فى مصر؛ أنا راضٍ ومستمر بالتعاون معهم طالما يقبلون رواياتى.