أندريه باكلانوف
الدبلوماسيين الروس: أمريكا تتبع سياسة «فرق تسد».. ومصر قادرة على صنع السلام| حوار
الجمعة، 09 أغسطس 2024 - 06:48 م
إن محكمة التاريخ تحكم بالإعدام على أولئك الذين يملكون من الحقائق أكثر مما يملكون من الوقائع، وأولئك الذين يملكون من العدالة أكثر مما يملكون من القوة، وفي ظل انفجار العالم بـ 183 صراعا مسلحا إقليميا عام 2023، والذي يعد الرقم الأعلى منذ 30 عاما، بخلاف 459 جماعة مسلحة تثير أنشطتها مخاوف إنسانية يعيش تحت سيطرتها الكاملة 195 مليون إنسان، فإن الوقوف على الأطلال هو الخطوة التي تسبق السقوط في الهاوية، والذين لا يعتبرون من أخطاء الماضي مكتوب عليهم تكرارها مرة أخرى ولكن بصورة أكثر فداحة.
وأسوأ ما في الحرب أننا نستخدم أفضل ما لدينا من أجل ممارسة أكثر الأفعال بشاعة، وهذا ما ترجمته السنوات الماضية وانعكس جليا في حرب تتفاقم في غزة وشرق أوسط يغلي في كل أطرافه وصراع كبير بين المعسكر الغربي والمعسكر الروسي في ظل الحرب الأوكرانية وتوترات سياسية وعسكرية بين الصين وأمريكا، وانقسام عالمي مستفحل وعملية إعادة تشكيل جيوسياسية، كل ذلك يدفع دفعا نحو السقوط في هاوية حرب عالمية ثالثة في خضم نظام عالمي يقترب من نهايته سيغير قواعد اللعبة الدولية ومنطقها والفاعلين بها، بعد أن شهد عقودا من نظام أحادى القطبية بذلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية جهودا لتظل المنفردة بمُقَدَّرات العالم.
ومع صعود دول على المسرح العالمي وتغيير ديناميكية الجغرافيا السياسية وولادة نظام اقتصادى تجاوز العملة الواحدة، وفي ظل كل الانتهاكات التي ترتكبها إدارة الاحتلال في فلسطين وفتحها لجبهات أخرى في لبنان واليمن وإيران وسط استمرار الحرب الدائر بين المعسكر الصيني الروسي والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا.. فمن أين تُطلق القذيفة الأولى للحرب العالمية الثالثة؟.. هذا ما سنتعرض له في هذا الحوار الذي أجرته «أخبار اليوم» عبر الهاتف من موسكو مع أندريه باكلانوف، نائب رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس، أستاذ ورئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعة الروسية للأبحاث الوطنية «المدرسة العليا للاقتصاد» ومساعد النائب الأول لرئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسي للعلوم والتربية والثقافة، ونائب أول لرئيس جمعية الصداقة المصرية الروسية
..
النظام العالمي الجديد
في البداية، حرب تتفاقم في غزة وشرق أوسط يغلي في كل أطرافه وصراع كبير في أوكرانيا وتوترات عسكرية بين الصين وأمريكا وانقسام عالمي وعملية إعادة تشكيل جيوسياسية.. هل يقترب النظام العالمي من نهايته وننتظر ولادة آخر جديد؟
بصفتي دبلوماسيا يتمتع بخبرة تزيد عن 50 عاما، أعتقد أن تفاقم التوترات الدولية الحالية ليس له سوى نظير واحد من حيث خطر نشوب حرب عالمية وتدمير البشرية. البداية كانت من الأزمة الكوبية عام 1962، عندما وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قواتهما المسلحة في حالة تأهب قصوى لاحتمال تبادل محتمل لضربات صاروخية نووية.
في ذلك الوقت، كانت الأزمة تتعلق بأربع دول، فبالإضافة إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كانت هناك تركيا، الدولة التي قررت الولايات المتحدة نشر صواريخ متوسطة المدى فيها، وكان هناك كوبا، حيث قام الاتحاد السوفييتي ردًا على نشر الصواريخ الأمريكية في تركيا، بنصب صواريخه التي يمكن أن تصل أيضًا إلى أراضي الولايات المتحدة في أقصر وقت ممكن.
وانتهت الأزمة الكوبية بتسوية، حيث تخلى الأمريكيون عن فكرة نشر صواريخهم في تركيا، وسحب الاتحاد السوفييتي صواريخه من كوبا. وبالإضافة إلى هذا الرفض المتبادل لنشر الصواريخ في القرب الإقليمي المباشر للقوتين العظميين من بعضهما البعض، حصل الاتحاد السوفييتي على مكافأة ضخمة أخرى وهو وعد الولايات المتحدة بالتخلي عن محاولات الهجوم العسكري على كوبا. وقبل الأزمة، حاولت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا التأثير على مسار هافانا المستقل بالقوة، لذا كانت النتيجة 2 إلى 1 لصالح الاتحاد السوفيتي.
لكن الأزمة العسكرية السياسية الدولية اليوم تضم عددًا أكبر بكثير من المشاركين وتغطي ثلاث مناطق. أولاً، مسرح العمليات العسكرية الأوروبية، حيث قد تشمل الاشتباكات على الأراضي الأوكرانية قريبا عددا من الدول الأوروبية الأخرى. وسيحدث هذا إذا ما زادت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي من مشاركتها في هذا الصراع، وعلى وجه الخصوص، السماح بتوجيه ضربات ضد القوات الروسية باستخدام الطائرات وقاذفات الصواريخ في القواعد الموجودة على أراضيها. وحذرت روسيا من أن هذه القواعد ستكون أهدافا مشروعة للضربات الانتقامية من قبل روسيا الاتحادية، بما في ذلك استخدام الصواريخ والقاذفات.
ثانيا - الشرق الأقصى، حيث تذكّر الصين بأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها تاريخياً، وحيث تتوتر علاقات بكين مع واشنطن. وتسعى واشنطن إلى تشكيل كتلة عسكرية على غرار حلف شمال الأطلسي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ثالثا - الشرق الأوسط، حيث تستفز الولايات المتحدة وإسرائيل، إيران ودول الخليج العربي في الصراع وتحاولان جذب دول المنطقة إلى كتلة الناتو «تم بالفعل افتتاح مكتب تمثيلي للناتو في الأردن».
إننا نرى أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يقومان بالمهام التي حددها ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلام، والسبب الرئيس هو الانقسام بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وروسيا والصين من جهة والقوى الغربية من جهة أخرى، والآن تطرح العديد من الدول، بما في ذلك تركيا، خططا لإعادة تنظيم تركيبة مجلس الأمن والأمم المتحدة ككل.
من وجهة نظري، تبدو هذه الخطط ساذجة للغاية، مثل التمني. المشكلة ليست في هيكل مجلس الأمن، بل في الانقسام بين الدول الرائدة في العالم. فبدون العودة إلى العلاقات الطبيعية بين روسيا والولايات المتحدة، وبين روسيا والدول الغربية، وبين الولايات المتحدة والصين، لن تعمل أي آليات دولية بفعالية.
وبالنسبة للنظام الدولي الجديد، من الواضح أنه يجب أن يكون قادرًا على حماية سيادة واستقلالية أي دولة، كبيرة كانت أم صغيرة. وحتى الآن، لم يقترح أحد نموذجًا يمكن أن يضمن السيادة. ولكن روسيا اقترحت العودة إلى تنسيق الإجراءات داخل مجلس الأمن، في الأمم المتحدة. ولهذه الغاية، طرحت موسكو مبادرة لعقد اجتماع للقوى العظمى الخمس - روسيا والولايات المتحدة والصين وبريطانيا العظمى وفرنسا. ومع ذلك، لم تقبل الدول الغربية هذه المقترحات.
لذلك، يمكن القول، للأسف، أنه لا توجد اليوم أدوات دولية قادرة على ضمان الحفاظ على السلام وسيادة الدول. ولكن يجب إيجاد مثل هذه الأدوات، ويمكن أن يلعب التعاون المشترك في هذا المجال بين دبلوماسيات ذات خبرة مثل الدبلوماسية الروسية والمصرية دورا هاما في هذا المجال.
وربما يمكن أن تنشأ منظمة دولية جديدة من الدول على أساس البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، ولكن هذا لا يزال بعيد المنال. في هذه الأثناء، نجد أنفسنا في وضع لا تزال فيه الهياكل السابقة للعلاقات الدولية غير فعالة، ولا تزال الهياكل الجديدة في المرحلة الأولى من تشكيلها. لذلك، فإن الأزمات المذكورة أعلاه تتطور من تلقاء نفسها، دون التأثير التنظيمي لعناصر حفظ السلام العالمية.
في وقت من الأوقات، اقترح السياسي والدبلوماسي المصري الشهير بطرس غالي، الذي كان أمينا عاما فعالا جدا للأمم المتحدة، إدارة الأزمات من خلال الدبلوماسية الوقائية. ولا تزال هذه الفكرة صالحة اليوم، ولكن لا توجد الآن أدوات لتنفيذها في العالم.
النظام الدولي تطور ومر بأكثر من مرحلة منذ عام 1648 بمعاهدة وستفاليا وحتى عام 1989 وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، الآن ومع المتغيرات الحالية التي يشهدها العالم.. كيف سيكون شكل النظام العالمي الجديد؟
يكثر الحديث اليوم عن أن احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للقرار والعالم الأحادي القطبية يتعارض مع مصالح غالبية سكان العالم. وهذا صحيح، فالتدابير الاحتكارية غير عادلة، ولا ينبغي أن تلعب دولة واحدة، حتى لو كانت دولة غنية وقوية جدا، دور الشرطي في العالم. ويزداد هذا الأمر خطورة لأن الولايات المتحدة تظهر نفسها كدولة لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة وتسعى جاهدة للحفاظ على نظام سياسي واقتصادي غير عادل يعمل وفقًا لقرارات الولايات المتحدة والمعسكر الغربي ككل. ويجب أن يصبح عالم القطب الواحد جزءًا من الماضي.
ولكن ما الذي يجب أن يحل محله؟
يقترح الكثيرون اليوم استبداله بعالم متعدد الأقطاب.
ولكن ما مدى فعالية هذا النموذج من النظام العالمي؟
في رأيي أن هذا النموذج ليس فعالاً جداً، على الرغم من أنه أفضل من عالم أحادي القطب. فالعالم متعدد الأقطاب يمكن أن يكون مفيداً فقط لفترة الخروج من النموذج الأحادي القطبية، الموالي للغرب وأمريكا للنظام العالمي. والواقع أن العالم متعدد الأقطاب هو أحد أشكال النموذج الذي اقترحه السياسي والعالم الأمريكي هنتنغتون.
ما هي نقاط الضعف التي تراها في نموذج العالم متعدد الأقطاب؟
أولا - حقيقة أن كل "قطب من الأقطاب"، كل مركز من مراكز القوى سيقاتل من أجل مصالحه. وهذا يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وتصعيد أكبر للصراعات.
ثانيا - من غير المرجح أن تكون المناطق الكبيرة قادرة على تحديد من سيمثل مصالحها وكيف سيمثلها. لنتخيل أن أحد الأقطاب سيكون الشرق الأوسط. هل من الممكن أن نتصور أن الشرق الأوسط اليوم سيكون بمثابة "قطب موحد"؟ هناك تنافس على الزعامة بين دول مثل تركيا وإيران ومصر والمملكة العربية السعودية. ونحن نواجه وجود إسرائيل!.
ثالثا - يبدو أن الولايات المتحدة والغرب سيسعيان إلى تعزيز دور "القطب "الخاص" والقطب القيادي. وهناك أسس لمثل هذا الطلب، هناك ما يقرب من 40 دولة من دول الغرب المتحد لديها العديد من الدلائل على وجود معسكر واحد، وجوهره هو الهيكل العسكري لكتلة شمال الأطلسي.
ولذلك، يبدو لي أنه من الضروري أن تشكل "مراكز القوى" الفردية اتحادات أوسع نطاقا على أساس مبادئ مشتركة في المستقبل. وفي هذا الصدد، أعتبر مجموعة البريكس أساساً ممكناً لإنشاء مثل هذا النموذج الأكثر استقراراً للنظام العالمي.
أمريكا تعيش على أمجاد الانتصار فى الحرب العالمية وتنتهج حروب تكسير العظام من خلال إشغال روسيا في أوكرانيا والصين في تايوان وغيرها من عناصر الحرب الباردة من أجل إبقائها المسيطرة على المقدرات العالمية.. هل تستوعب موسكو وبكين هذا الأمر؟ وكيف يتعاطون معه؟
إن الصين والاتحاد الروسي شريكان في التنمية ويناقشان القضايا الإقليمية والدولية التي تهمهما. نحن لسنا حلفاء عسكريين وسياسيين ولم نخطط لاتباع مسار إنشاء تحالف عسكري. لكن التصرفات العدوانية للولايات المتحدة تجبرنا، بالإضافة إلى تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية، على التفكير أيضًا في توسيع التعاون العسكري التقني والانتقال إلى تعاون واسع النطاق في المجال العسكري. نحن نجري بالفعل تدريبات عسكرية مشتركة. في السابق، كانت هذه المناورات ذات طبيعة مكافحة الإرهاب، والآن، على ما يبدو، ستغطي أيضًا قضايا مواجهة التهديدات العسكرية من دول ثالثة.
ما هي السيناريوهات الأمريكية للتعامل مع النظام العالمي الجديد وخريطته السياسية؟
يخطط الأمريكيون للعب دور رئيسي في الأحداث العالمية وفي عالم متعدد الأقطاب. ويتوقعون أن يكون المركز "الغربي" في العالم المتعدد الأقطاب أقوى من جميع المراكز الأخرى. فهو يضم حوالي 40 دولة، ودول قوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا. وفي أوروبا، يقومون بتعزيز حلف شمال الأطلسي، وفي آسيا يقومون ببناء نظام كتلة بمشاركة اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ويحاولون جذب الهند إليها.
وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى منع توحيد مراكز القوى الأخرى في صيغ مشتركة. "فرّق تسد!" - لا يزال هذا المبدأ يعمل حتى اليوم. ولذلك، فإنهم يبذلون كل ما في وسعهم لضمان عدم تمكن دول البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها من المنظمات والتجمعات الأخرى لدول العالم من تحقيق تكامل أكبر والقدرة على مقاومة ضغوط الولايات المتحدة والدول الغربية.
في رأيك، ومع انشغال روسيا في الحرب الأوكرانية وما ترتب عليها من تداعيات والانقسام الذي يشهده الداخل أمريكي وتراجع دورها الدولي.. هل تكون الصين هي المستفيد الأكبر في النظام العالمي الجديد؟
إن الصين، التي لديها الفرصة لتوريد بضائعها إلى جميع بلدان العالم، مهتمة بنظام دولي تُحترم فيه مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول اﻷخرى، وتوفر فيه فرص إقامة علاقات اقتصادية حرة. وتتوافق هذه المصالح مع مصالح الاتحاد الروسي. ولذلك، فإننا نأمل أن يخدم النظام الدولي الجديد مصالح جميع الدول التي لا تسعى إلى الإملاء واتباع سياسات استعمارية جديدة.
وتعارض كل من الصين وروسيا ممارسات الولايات المتحدة والدول الغربية في فرض العقوبات. ونحن نقف معا من أجل رفع جميع القيود المفروضة على العقوبات التي تتجاوز الأمم المتحدة.
صعود دول على المسرح العالمي وتغيير ديناميكية الجغرافيا السياسية و نظام اقتصادي تجاوز العملة الواحدة، أحد مؤشرات اتجاه العالم إلى النظام الجديد.. ما ملامح تلك المؤشرات وهل هناك مؤشرات أخرى؟
نرى أن المؤشرات الأخرى للنظام الجديد تتمثل في رغبة مختلف دول العالم في ضمان الوصول المتكافئ وغير التمييزي إلى أحدث التقنيات والمعرفة والتعليم.
الحرب العالمية الثالثة
المؤشرات التي تم تداولها خلال العقود الماضية كانت تضع الاقتصاد كأهم معيار للنظام العالمي الجديد ولكن هذه النظرية يسهل تجاوزها بمجرد الحديث عن السلاح النووي.. هل نحن على أعتاب مواجهة نووية ستفضي إلى حرب عالمية ثالثة؟ أم أن الحرب ستكون اقتصادية بامتياز؟
نحن ننطلق من حقيقة أنه بالنسبة للسياسة والاقتصاد والمال في النظام الدولي الجديد يجب أن تكون هناك مبادئ بسيطة للغاية: احترام سيادة جميع الشعوب، ورفض سياسة الابتزاز والضغط الاقتصادي والعقوبات ورفض سياسة الإضرار بمصالح وأمن الدول الأخرى. بالنسبة لدول مثل مصر وروسيا، فإن الالتزام بهذه المبادئ ليس بالأمر الصعب.
وقد تنشأ صعوبات بالنسبة للدول التي ورثت فكر ونهج الحقبة الاستعمارية، عندما كانت الدول الغربية تعتبر نفسها "متحضرة" وجميع الشعوب الأخرى "همجية". ونحن نحاول اليوم أن نضمن أن يترك الغرب الجماعي مثل هذه المقاربات في الماضي ويتعلم احترام الدول والشعوب الأخرى.
في رأيك، ومع كل الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين وقيامها باغتيالات وعمليات في لبنان واليمن وإيران وفي ظل الحرب الدائر بين المعسكر الصيني الروسي والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا.. من أين تُطلق القذيفة الأولى للحرب العالمية الثالثة ؟
لقد نشأ أخطر وضع في أوروبا اليوم. فقد حلّ الاتحاد السوفياتي وروسيا كتلته العسكرية – السياسية، التي كانت تضم دول أوروبا الشرقية، وعلى العكس من ذلك ضاعف الغرب عدد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. وكانت هناك خمس موجات من التوسع في هذه الكتلة نحو روسيا. وعندما تعلق الأمر بضم أوكرانيا إلى كتلة الناتو، اقترحنا أن يتخلى الغرب عن هذه الفكرة، لأنها تمس المصالح الحيوية لروسيا. ولا يمكننا أن نوافق على أن ينشر الناتو صواريخه هناك في وقت يستغرق عدة دقائق إلى موسكو. وقد رفض الغرب التفاوض حول هذه المسألة، كما رفض الغرب وأوكرانيا وقف قصفهم وقتلهم للمدنيين في المناطق الشرقية من أوكرانيا نفسها، الذين لم يطلبوا سوى حقهم في حرية الدراسة واستخدام لغتهم الأم الروسية. وكان هذا هو السبب في بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. واليوم، كما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، تطلق المدافع الألمانية النار على جنودنا. لقد مات أكثر من 26 مليون شخص في بلادنا بسبب هجوم ألمانيا النازية على الاتحاد السوفييتي. لن نسمح بتكرار هذه القصة المأساوية. إن الوضع في هذا الجزء من العالم هو الأكثر إثارة للقلق اليوم.

في حال قيام حرب عالمية ثالثة.. كيف سيكون ملامحها وكيف سيكون شكل العالم والنظام الدولي بعدها؟
وفقًا للعلماء، فإنه في حال نشوب حرب نووية بين روسيا والدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن العالم سيختفي من الوجود نتيجة كارثة بيئية. لذلك من المرجح أن يكون "النظام الجديد" صحراء بلا حياة مصابة بالإشعاع.
عسكرة الشرق الأوسط
تشهد منطقة الشرق الأوسط سباقًا متسارعًا نحو التسلح والعسكرة نتيجة التحولات الدخيلة على طبيعة الصراعات التي تجتاح المنطقة حيث تشهد مسارح العمليات بالمنطقة تزايدًا ملحوظًا في الاعتماد على المنظومات التسليحية الدقيقة والذكية.. كيف تقرأ ذلك وما خطورته؟
إذا ما تم إنشاء نظام مستقر من العلاقات الإقليمية السلمية ذات المنفعة المتبادلة، يمكن للشرق الأوسط أن يصبح أحد محركات التنمية العالمية. فالبلدان المنتجة للنفط لديها إمكانات استثمارية هائلة، ويعيش في المنطقة أناس مغامرون وموهوبون.
ومع ذلك، لا تزال النزاعات والحروب مستمرة في المنطقة، والكثير منها مستوحى من الخارج، من قبل دول لا ترغب في ظهور منافسين أقوياء جدد في الإنتاج والتجارة والتنمية. وقد طرح الاتحاد الروسي مرارًا وتكرارًا خططًا لإنشاء نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط، في منطقة الخليج. ويمكن للمبادرات المشتركة لروسيا ومصر أن تلعب دورا مهما في تنفيذ هذه الأفكار.
منطقة الشرق الأوسط شهدت نقلة نوعية من نمط الحروب التقليدية عبر الجيوش الوطنية النظامية، إلى استراتيجية الحروب بالوكالة التي تعتمد في الأساس، على أذرع عسكرية وميليشيات ومرتزقة، حيث تدعمها الدول بالمال والسلاح.. في رأيك، ما التداعيات والتعقيدات التي ترتبت على العسكرة في الشرق الأوسط؟
ننطلق من حقيقة أن الدولة يجب أن يكون لديها نظام موحد لتنظيم القوات المسلحة - الجيش والبحرية والقوات التابعة لوزارة الداخلية والشرطة. أما التشكيلات شبه العسكرية الأخرى فينبغي أن تكون تحت سيطرة الدولة، أو من الأفضل أن تصبح جزءا من القوات المسلحة الموحدة.

كيف يمكن التعاطي مع عسكرة الشرق الأوسط وماذا عن فكرة إنشاء حلف عسكري عربي أو ما يسمى «ناتو عربي أو شرق أوسطي»؟
نحن ضد عسكرة أي منطقة، بما في ذلك الشرق الأوسط. ونحن نرى مستقبل المنطقة ليس في تنظيم أي تحالفات، بل في إنشاء نظام موحد للضوابط ومنع نشوب الصراعات في شكل نظام أمني. قد تبدأ الحرب في أي منطقة توقفوا فيها عن القتال ضد وقوعها. وقد يكون الشرق الأوسط أيضاً. ولكننا ننطلق من حقيقة أن دول المنطقة تدرك جيدا خطر تصاعد التوتر. فالشرق الأوسط، حيث توجد 25 دولة ذات إمكانات تنموية هائلة، من المهم تجاوز فترة الاضطرابات وبدء النضال من أجل أن تصبح المنطقة مركزًا جديدًا للنشاط التجاري.
وتقع المنطقة على مفترق الطرق السريعة في العالم. ويتم تنفيذ 80% من التجارة العالمية باستخدام الاتصالات البحرية. وبالتالي، فإن هذا العامل وحده يمكن أن يكون له تأثير كبير في مجال الاقتصاد، وتحسين مستوى معيشة السكان.
وقد افتتح حلف الناتو مؤخرًا مكتبه في الأردن. ونحن ننظر إلى هذه الحقيقة نظرة سلبية. بدأت بمحاولات جرّ دول المنطقة إلى أحلاف عسكرية سياسية منذ زمن بعيد، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة. فقد تم إنشاء حلف بغداد، ولكن تم إلغاؤه فيما بعد.
في عام 1990 ، حلت روسيا الكتلة العسكرية السياسية بمشاركة حلف وارسو. توقعنا أن يتم أيضًا حل كتلة حلف الناتو، التي كانت تعارض الاتحاد السوفيتي. إلا أن هذا لم يحدث.
مصر بالتأكيد رمانة ميزان المنطقة وهي اللاعب الرئيس في استقرار المنطقة.. كيف ترى الدور المصري الداعي للاستقرار وتغليب لغة العقل لا لغة القوة والسلاح؟
لقد بادرت مصر بعملية السلام في منطقة الشرق الأوسط وفعلت ما لم تستطع دول ودول أخرى أن تفعله. وكانت مصر أول دولة في المنطقة تقوم بعلاقات مع إسرائيل، في الوقت الذي تدعو فيه إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. وترى موسكو أنه في عملية السلام في مدريد، كانت مصر في الواقع الراعي الإقليمي الثالث، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا. وقد لعبت مصر أيضًا دورًا رئيسيًا في تعزيز محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بصيغة أوسلو. ففي عام 1996، بدأت المفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية في مدينة طابا المصرية. ونعتقد أنه سيكون من الأسهل على مصر اليوم أكثر من غيرها أن تأخذ زمام المبادرة لاستعادة الزخم في عملية السلام. ويمكننا أن نبدأ بمعالجة القضايا الإنسانية في قطاع غزة.
بعد ذلك، سيكون من الممكن الشروع في عقد مؤتمر دولي حول تهدئة الوضع في الشرق الأوسط بمشاركة روسيا والولايات المتحدة.
وأود أن أشير إلى أنه بصيغة الخبراء رفيعي المستوى، نواصل الاجتماع بشكل دوري مع زملائنا الأمريكيين في إطار "المسار الثاني". وربما بهذه الصيغة يمكن في البداية وضع مقترحات لاستعادة عملية التفاوض في الشرق الأوسط.
ربما يمكن لمصر، بالتعاون مع روسيا أو غيرها من الدول، أن تبادر باقتراح لاستعادة أنشطة مجموعات العمل متعددة الأطراف بشأن القضايا الإقليمية الرئيسية - الأمن والتعاون الاقتصادي والبيئة والموارد المائية ومشكلة اللاجئين.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد
محور ديروط العملاق يعيد رسم خريطة التنمية فى الصعيد
«أخبار اليوم » فى جولة داخل المصانع لرصد الإنجازات.. «غزل المحلة» تستعيد عرشــها عالمياً
بعد نجاح «حياة كريمة» بداخلها فى أسوان| «فارس» قرية ذكية تحصد شهادة «ترشيد» الدولية
المشروع قاعدة إنتاجية وصناعية وعمرانية متكاملة| «الدلتا الجديدة»..معجزة المصريين
الحكومة جاهزة لاستقبال عيد الأضحى المبارك
الإسكندرية تتربع على عرش السياحة الداخلية









