الشيخ إيهاب يونس: المديح والإنشاد الديني رسالة سامية l حوار
الخميس، 12 سبتمبر 2024 - 04:13 ص
عمر السيد
على خطى ونهج الكبار، بدأ الشيخ إيهاب يونس ـ أحد أبرز نجوم الإنشاد بالسنوات الأخيرة- مشواره ومسيرته في عالم الإنشاد متأثرا بمشايخه الكبار “الشيخ ممدوح عبد الجليل، والهلباوى، وكامل يوسف البهتيمى، وطه الفاشنى، والنقشبندي” وغيرهم محتذيا بنهجهم وفلسفتهم التى زادته إيمانا بأهمية التخصص والاجتهاد في تنمية موهبته وتطويرها بالدراسة والاطلاع على علوم اللغة والقرآن، ومن ثم أعطاه دافعا مختلفا في سعيه وراء التجديد والتطوير من أسلوبه كمنشد، سواء من حيث مستوى الأداء أو الاحتكاك بالثقافات الموسيقية المختلفة والاستعانة بها في أعماله، كما حدث خلال تجاربة مع عدد من الفرق الموسيقية الأجنبية، إذ وجد أن هذا التطور واجبا لبلوغ الغاية والرسالة التى يسعى ورائها من خلال أعماله.
في البداية حدثنا عن خصوصية هذه المناسبة “المولد النبوي الشريف” بالنسبة لك ولمتذوقي فنون المديح بشكل عام ؟
بالطبع لها خصوصية شديدة، وخاصة بيننا كمنشدين، فالمولد النبوي الشريف يعد من أهم المناسبات التى يحق ويجب علينا الاحتفال بها، لأننا نحتفل بميلاد خير البشر الذي بسببه أنقذت البشرية جمعاء، وقد صدق الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه حين قال :”أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ، كلا و لا خلق الورى لولاك”.
وإذا كنا لا نحتفل كمسلمين عامة، منشدين بشكل خاص بميلاد سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد “ص”، فبمن نحتفل ؟، لاسيما وأن الرسول صل الله عليه وسلم بنفسه هو من احتفل بميلاده حين صام فى ذكرى يوم ولادته وقال ذلك يوم ولدت فيه.. فلما نحن لا نكون أولى كمنشدين بالاحتفال بيوم ميلاده، ونقدم فيه شئ ولو بسيط ؟، وأن نتبارى في الابتهال والمديح له، بل ويتبارى المحبين أيضا في حضور هذه الفعاليات والأمسيات.
وما أبرز القصائد أو الابتهالات التى تطلب منك دائما، أو تحرص على تقديمها في هذه المناسبة؟
كما تشهد هذه المناسبة قدر من التباري والمنافسة بين جموع المنشدين في مديح رسول الله، هناك أيضا نوعا من التباري على مستوى كتابة الأشعار والابتهالات التى تعد خصيصا لهذه المناسبة، فضلا عن أن هذا الأمر يحدث منذ زمن بعيد، مثل أشعار سيدنا حسان بن ثابت، والإمام البصيري، كعب بن زهير، فعلى مدار العصور وإلى وقتنا الحالى، تكتب العديد من النصوص وقصائد المديح.. وأما ما يطلب منى في هذه المناسبات فأغلبها من القصائد والنصوص القديمة من التراث، مثل “ميلاد طه أكرم الأعياد”، و “يا أيها المختار”، إلى جانب بعض الأعمال التى أعدت لي خصيصا واشتهرت بتقديمها، كونها حققت قدر كبير من التجاوب عبر المنصات الإلكترونية.
في رأيك هل اختلف جمهور ومتذوقي المديح اليوم عن السابق؟
لاشك أن الجمهور يختلف طبقا لكل عصر، ومعه يختلف الذوق أيضا، بالنسبة لجمهور الإنشاد قديما كانوا يفضلون ما قدم من أعمال التراث سواء ما كتب منها عن ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عن ذكرى الهجرة، أو الإسراء والمعراج، فكانوا قديما يبحثون عن المعنى والكلمة الجميلة والعميقة، أما الجمهور الآن أصبح يميل إلى الأعمال التى تحثه على الحركة والتفاعل بشكل أكثر، كذلك يبحث أيضا عن الكلمة السهلة البسيطة.
بدأت مشوارك مع الإنشاد في الـ ١٣ من عمرك، كيف كانت بداية ارتباطك بهذا الفن؟
هذا صحيح، وقد بدأ ارتباطى أكثر بفنون المديح حينما بدأت أتعلم فنون النغم، و وقتها نصحنى أساتذتي في مجال الإنشاد بتعلم فنون الإنشاد على يد متخصص، ذلك لأنني واجهت مشكلة في بدايته وهى أن أسلوبى في الإلقاء كان متأثر بدرجة كبيرة بأساليب قراءة القرآن الكريم، والتى لاتصلح للأداء النغمى، وذلك بحكم نشأتي ودراستى بالأزهر الشريف.. وبالفعل بدأت التدريب في فنون المديح على يد متخصصين، منهم الشيخ ممدوح عبد الجليل والشيخ سد محمد حسن، والشيخ محمد الهلباوى.
ما أبرز المنشدين الذين تأثرت بهم في هذه المرحلة ؟
إلى جانب الأساتذة الذين تلقيت وتعلمت منهم فنون المديح، هناك مشايخ آخرين تأثرت بأدائهم عبر أشرطة الكاسيت التى كنت حريص على الاستماع لها بشكل جيد في بدايتي، ومن بينهم الشيخ علي محمود والشيخ طه الفشني والشيخ النقشبندي والشيخ كامل يوسف البهتيمى، وغيرهم.
ما هى الدعائم الأساسية التى بنيت عليها مشروعك كمنشد ؟
هناك عدة دعائم أساسية بنيت عليها مشروعي، أوصي كل موهبة تود أن تحترف مجال الانشاد أن تتبعها، وهي على النحو التالى، حفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وذلك لأن القرآن يعزز مخارج الألفاظ السليمة دون ركاكة، الثقافة والاطلاع على علوم اللغة العربية، وخاصة القواعد النحوية، و التبحر والاطلاع على فنون الشعر، دراسة الموسيقى وبالأخص علم المقامات كى يكون عنده مهارة الربط بين الكلمة واللحن الذي ينشد عليه، وأخيرا قراءة أحوال الناس، وهو أمر من الضروري لأي منشد أن يكون على اطلاع بمتطلبات وأحوال الناس لكى يلبى احتياجاتهم ورغباتهم.
بحكم دراستك و باعتبارك أحد أبناء الأزهر الشريف، هل أثر ذلك بشكل أو بآخر في دعم خطواتك بمجال الإنشاد ؟
بالطبع كان لها دور وأثر كبير، لا سيما أنها وفرت لي فرصة لدراسة القرآن الكريم، خاصة وأن من أهم دعائم المنشد القوى هي الاطلاع على القرآن الكريم وحفظ ما تيسر منه، قراءة القرآن ودراسته تعد تدريب جيد على اللغة العربية وتنمية مهارات النطق السليم لحروف اللغة دون الوقوع في أي خطأ، كذلك دراسة اللغة العربية دراسة شاملة و وافية، وهما في رأيي من أهم سمات المنشد الجيد.
في رأيك هل يعتمد الإنشاد على الموهبة وحسن الأداء فقط، أم يتطلب دراسة متخصصة كغيره من المجالات ؟
بالطبع الموهبة تعد سمة أساسية لابد من توافرها في أي منشد، لكن في رأيي ليست هي الأساس، فهناك الدارسة التى لا تقل أهمية عن الموهبة في بناء شخصية المنشد وثقافته، وهي السبيل لثقل الموهبة وتطورها، وأعنى بالدراسة هنا مجالات عديدة منها علوم اللغة، والعلوم الموسيقية أيضا والتدرب عليها إلى حد إجادتها.
هل هناك فرق بين فنون الإنشاد الصوفية، وفنون المديح بشكل عام ؟
الإنشاد الدينى يعد هو الأصل الذي انبثقت منه أفرع وألوان عديدة، منها التواشيح والابتهال والمديح والأغنية الدينية، وما إلى آخره، ففي رأيي لا فرق بين هذه الفنون وبعضها باستثناء اختلاف بسيط وهو طبيعة المكان الذي يخرج منه هذا الفن. بمعنى أنه هناك فرق بين نوعية فنون الإنشاد التى تخرج من الصعيد على سبيل المثال مقارنة بغيرها في وجة بحري، كذلك بين الإنشاد المقدم في الأماكن الأكاديمية وبين نظيره الذي يقدم في الحضرة وما يماثلها، وهي اختلافات بسيطة جدا قد تقتصر على المعانى وأساليب التعبير.
اقرأ أيضا: المنشد إيهاب يونس يروي كواليس بداياته مع الإنشاد
لك تجارب سابقة فى الاحتكاك بفرق عالمية ذات طابع وروح موسيقية مختلفة، هل أنت مؤمن بضرورة الانفتاح والتطور في قوالب المديح وتحريرها من القوالب الإيقاعية التقليدية التى قدمت بها لسنوات؟
بطبع أؤمن بذلك، علما بأن تجاربي في هذا الشأن تعددت ولم تكن قاصرة على تجربة أو اثنين، إذ تعاونت مع الكثير من الفرق الموسيقية الأجنبية في أعمال مشتركة جمعت بيننا، وإيمانى بهذا الأمر يرجع لسبب جوهري، وهو أن الإنشاد له رسالة تتخطى حدود كونه عمل إبداعي أو فنى، الإنشاد الدينى رسالة وهدف دعوي في غاية السمو، إذ يمكن من خلاله إرسال رسالة أو قيمة بطريقة أسرع وأسهل من غيرها من سبل التواصل، كالخطاب فى جلسات الوعظ والإرشاد، ولذلك صدق علماؤنا حينما قالوا :” ومن الإنسان إرشاد” وهنا تكمن أهميته ورسالته الأهم خاصة لدى الشعوب المختلفة.
وكيف يمكن تحقيق ذلك؟
يمكن إدارك ذلك أولا بالتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة، وإلمام المنشد بطبيعة البلد الذي يلتقي بأهله وسكانه، ومن ثم اختيار الكلمات المناسبة لهم، وكذلك الإيقاعات الموسيقية التى يفضلونها وتجذب اهتمامهم، وهي أمور يمكن اختزالها في أمر واحد مهم، وهو أن يكون لدى المنشد قراءة دقيقة وموفقة لحال وطبيعة الجمهور الذي يقف أمامه.
من وقت لآخر نجد أن هناك إقبالا من الفتيات على تعلم وتقديم فنون الإنشاد، كيف ترى مستوى تواجد النساء في هذا المجال؟
لست ضد دخول النساء أو احترافهن مجال الإنشاد الدينى، ولكنى أرى أن أغلبهن ليس لديهن مهارة وإتقان النطق السليم لأحرف اللغة العربية، ولا أعمم ذلك لكنى أقول بأن الكثير منهن تفتقدن هذه المهارة.
ولماذا نجد النصيب الأكبر دائما من المنشدين رجال، هل هذا المجال أقرب للرجال؟
قد يكون ذلك لأن مجال الإنشاد عرف واشتهر منذ سنوات على أيدى رجال ومشايخ كان لهم باع وخبرة كبيرة بعلوم هذا المجال، كما لم يذكر على مدار التاريخ الطويل لفنون الإنشاد، أن كثير من النساء اشتهرت بتقديم هذا الفن كما هو الحال بالنسبة للرجال، أمثال الشيخ الفيومى و الفشني والشيخ علي محمود، ولم نجد من بين النساء الأكثر شهر إلا السيدة أم كلثوم، ولكنها بعد ذلك اشتهرت أكثر بالغناء، وإن كان يحسب لها أنها كانت من النساء اللواتي حافظن على قواعد اللغة العربية وسلامة نطقها، حتى أنها كانت تستخدم الغُننّ والمِدود التى تعلمتها بحكم دراستها للقرآن الكريم في مجال غنائها.