الكاتب ياسين سعيد
خنزير "عم جرجس".. قصة قصيرة للكاتب ياسين سعيد
الإثنين، 04 نوفمبر 2024 - 07:31 م
زحام شديد يكسو الطريق المؤدي إلي الحجر الصحي بمذبح السيدة زينب.. تسير الجموع الغُفُر بمحاذاة كل منهم أفواج من القطعان والماشية تملأ كل جابه من أرجاء الحي العتيق.
كان صاحب كل قطيع يضطر إلي سحب ماشيته بقوة مُعينة حتي تسير في الصف المزعوم ضبطه.. وكان الحبل المُستخدم في السحب يمتد لوصل الفوج ببعضه في عُقل محكمة, كما كانت الجماعات المعقودة تتصل ببعضها البعض طولًا بعيد أمتار عن ذويها خشية اختلاط نسب الماشية ، فيحتار الناس حول أي مما اختلط يعود إليها جراء التدافع إضافة إلي هذا الطريق الوحيد الذي تميز بالضيق والذي فُرض علي هذه الجموع سبيلًا.. لكن هذا الرباط المتصل كان عادةً ما يحدث فوضي جسيمة إذا ما مال أحد المواش عن ربطته المتصله تلك, وبالتالي وبسبب تقييده لم يكن يستطع الاعتدال المنفرد بل كان يدنو مُرغمًا اخذا ما كتب له من أقرانه معه في الأرض حتي يكاد يُهلك بعضهم بعضا, بعد عجز أصحابهم عن الفصل!..
ووفقًا لهذا العرف فقد كان من المقتضي أن تكون العجول الصغيرة (البتلو) هي أول من يدخل، ثم تليها الأغنام – علي أنواعها-، ثم الأبقار ثم الجاموس الغشيم (كبير السن), فالثياران وفي النهاية كانت تدخل في رقصة موثوقة أشد المواشي قوة وبأس وهي "الجمال".
الشيخ عبد الواحد
كان هذا العٌرف يحمل في طياته بعضًا من الجور, فقد كانت الخنازير تأخذ حكم الأغنام في الصف, لكن ولأسباب تعود إلي تراجع القسط التعليمي في ذلك الزمان و المكان لم يكن أحدً ليعبأ كثيرًا لأمر الخنازير في شتي خطوات ذبحها إلا بأذيتها. فكان الويل كل الويـل يلقـاه ذلك الخنزير الذي تسول له نفسه الهرب من العربة، ليسير بين أقرانه من الغنم والعجول الصغيرة, فإذا ما هرب الخنزير كان مستباح الدم بين الناس !..
فبين عصا غليظة على رأسه، أو سكين في بطنه، ويظل الخنزير الهارب يلقى عقابًا من كل من يلقاه فردا أو جماعة حتي يكاد يسقط قتيلًا من الطعن أو الضرب..
كان "عم جرجس" صاحب قطيع الخنازير يضع دوابه في عربه من الحديد محكمة الغلق في الترتيب المخصص لها بعد الأغنام وكان يجرها حصان فتيّ ملقب ب"عنتر", وقد تم اختياره بعناية لمواجهة رفسات الثيران و الجمال لكن مناكب " عنتر " لم تصمد طويلًا أمام تلك المواجهات مع هذه الثيران أو تلك الجمال الغاضبة في هذه الأوقات ، - ولم تستأنس فصائل من تلك الأخيرة حتي الأن-, وكان "عم جرجس" يستحي في الدفاع عن عربته المتهالكة كثيرة الالتواء أو عن خنزيره إذا ما خرج عن العربه في غير الوقت المحدد..
وفي إحدى المرات قرر أحد الخنازير الهرب من ذلك القفص الحديدي علي أن ينضم إلي تلك الماشية التي تسير خلف الصندوق المعتم, وما أن انفلت من العربة، أخذ يعدو في هلع بين بضع طرقات حتى استقر بين المقابر التي تقع خلف مسجد سيدي علي زين العابدين دون أن يطاله الأذى.. حتي شوهد الخنزير الفزع من الدراويش الذين يقيمون حول المسجد، فهرعوا إلى المقابر يحملون الطوب، وفي حضرة البناء الطهور طلب أحدهم إلي إمام المسجد الشيخ عبد الواحد لأن يتدخل ، همّ الإمام من مقعده ، وإذا بالخنزير قد اختبأ في أحد أركان المقابر، ونادي " الشيخ "على صاحب الخنزير ؛ فظهر «عم جرجس» على استحياء شديد، ووجهه يحمل كل آيات الاعتذار عما بدر من خنزيره، حينها وقف الشيخ عبد الواحد إمام المسجد يخطب في الناس قائلًا :
أيها الناس يقول الله تعالي في قرانه الكريم " وَما مِن دابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا طائِرٍ يَطيرُ بِجَناحَيهِ إِلّا أُمَمٌ أَمثالُكُم ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِم يُحشَرونَ".
واستطرد الشيخ: «وعليه، فلو فرضنا أعزكم الله أن معزة أحدكم قد فرت من قطيعها مثل ذلك الخنزير هل ستنصبون الكمائن لقتلها دونما أحل الله"..
انطري الناس من كلمات الشيخ عبد الواحد, حتي بادرة أحد المعلمين ذائعي الصيت :الله يفتح عليك يا مولانا.. هات يا واد الخنزير نرجعه لجرجس..
انتصب "عم جرجس" وقصد سبيلًا إلي الشيخ في استجداء و غوث, لحظه "عم منصور" عامل المسجد فزاحم هذا الحشد حتي وصل إلي الخنزير و حمله علي إحدي عربات اليد, والدراويش من حوله يحرسونه حتي بلغوا عنبر الذبح, وهم يرددون:-
"قل هو الله أحد . االله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوًا أحد "..
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي
«السهنة» قصيدة للشاعر البيومي عوض
«شرع الدبح» قصيدة للشاعرة سهير سليم
«فراشة النيران» قصة قصيرة للكاتب الدكتور صلاح البسيوني
«ستي فاطنه» قصيدة للشاعرة أمل حجاج
«اتجاه العباسية» قصة قصيرة للكاتب الدكتور فراج أبو الليل
«مقاومة» قصيدة للشاعر محمد الدش









