جزء من مقال: «كيف صدرت أخبار اليوم»
جزء من مقال: «كيف صدرت أخبار اليوم»


80 عاماً أخبار اليوم| حكاية العدد «زيرو»

أحمد الشريف

الجمعة، 08 نوفمبر 2024 - 09:12 م

من أين بدأت حكاية «أخبار اليوم»؟، وكيف خرجت إلى النور؟ وما التحديات التى واجهت مصطفى وعلى أمين اللذين تمسكا بحلمهما فى جريدة أسبوعية تناطح عنان سماء التميز  والاختلاف.

 هذا ما يرويه الكاتب الصحفى على أمين، فيقول: «كتبت وأنا أدرس إلى أخى مصطفى من لندن، اقترح إصدار جريدة أسبوعية تجمع بين المجلة الأسبوعية والصحيفة اليومية، وبعثت له بتبويبها ووضعت فى أول صفحاتها اسمى بالخط العريض بصفتى المدير العام ووضعت اسمه بالبنط الصغير ومنحته لقب رئيس التحرير، وكان أخى يعمل فى ذلك الوقت بمجلة روز اليوسف وكان لبقاً دبلوماسياً فكشط اسمى واسمه ووضع مكانهما اسمى السيدة روز اليوسف والأستاذ محمد التابعى - أمير الصحافة العربية - وعرض التبويب على الاثنين فرفضاه وقالا تبويب خيالى».

وطويت الفكرة فى سلة المهملات إلى أن تقرر إصدار جريدة «المصرى» فى عام 1936، واجتمعت والفرسان الثلاثة محمود أبو الفتح ومحمد التابعى وكريم ثابت فى فندق مينا هاوس، لنضع تبويب العدد الأول من جريدة «المصرى». واخرجت الفكرة من سلة المهملات وعرضتها على الفرسان الثلاثة فرفضوها بالاجماع، وقالوا إنهم يريدون جريدة فى وقار «الأهرام».

واضطجعت الفكرة مرة أخرى فى سلة المهملات، إلى أن كانت إحدى ليالى صيف سنة 1940 وكنت جالساً فى غرفة انطون الجميل بك «رئيس تحرير جريدة الأهرام»، فسحبنى بشارة تقلا باشا «أحد مؤسسى جريدة الأهرام» رحمه الله من كتفى وقال لى: ما أمنيتك فى الحياة؟! ولم أدهش من السؤال لأنه رحمه الله عودنى على هذه الأسئلة الغريبة فقلت له: إن أمنيتى هى أن أصدر مع أخى جريدة تجمع بين المجلات الأسبوعية والصحف اليومية، وشرحت له أبوابها وطريقة تنسيق صفحاتها.

وكان من عادة تقلا باشا أن يعارض دائما لمجرد التسلية فانتظرت منه أن يعارض الفكرة ويهزأ بها، ولكن عينيه لمعتا فجأة وسألنى: ولماذا لا تحققان الأمنية؟، فقلت: ليست لدينا مطبعة، قال: إننى مستعد أن أطبعها لكما، قلت: ليس لدينا المال.. ولذلك سنفشل!.

وقال: إن الناس لا يخفقون فى الحياة لأن الذكاء ينقصهم أو لأن القوة تعوزهم، بل لأنهم يعملون بعقولهم دون قلوبهم وبأفكارهم دون عواطفهم.. بينما النجاح رهين الحرارة التى تتقد من القلب وتضرم العاطفة!.، فقلت: ولكن الحرارة للأسف ليست عملة محترمة عند بائع الورق وجامع الحروف!، فقال: إننى مستعد أن أقرضكما غدا 10 آلاف جنيه.. فإذا ربحتم استعدتها، وإذا فشلتم فأمرى لله!. فقلت: ولكن الدين هم بالليل وذل بالنهار ، فقال: بل إن الإحجام عن تنفيذ فكرتكما هو الذل والهم بالليل والنهار.. ويضيف على أمين فى روايته لكيف خرجت «أخبار اليوم» إلى النور، قائلًا: استدعينا أخى، وعرضنا عليه المشروع فرفض أن يستدين من صاحب «الأهرام».

وهكذا طويت الفكرة للمرة الثالثة. وعقب إقالة وزارة النحاس باشا اختلف مصطفى مع صاحبى مجلة «الاثنين» على تفسير كلمة واحدة وهى الاستقلال.. وإذا كان شوقى يقول: إنه لا سهل عليك أن تزحزح الجبال وتقذف بها بعيدًا من أن تفلح فى وضع أغلال العبودية فى أعناق الذين يصرون على نيل الحربة.. فقد كان من الصعب أن نضع أغلال الحياد فى أعناق محررى «الاثنين» لأنهم جميعا جمعوا أوراقهم وغادروا دار الهلال

.لم نطلب منه الخروج، ولم نتحدث عن المرتبات.. بل لقد صدر العدد الأول ولا يعرف واحد منهم شيئا عن مرتبه، وجاء معنا الحظ! والحظ هو الذى سخر أصدقائنا فتركوا أعمالهم وراحوا يبحثون لنا عن شقق للإيجار وعن مكاتب ومطابع وحروف! وفى لمح البصر أصبح لنا إدارة وجلس المحررون والمصورون فى مكاتبهم يعدون العدد الأول.

والحظ هو الذى سخر لنا ثقة القراء والأصدقاء، وبمساعدتهم وتضحياتهم استطعنا أن نطبع الجريدة فى أكبر مطبعة وهى «مطبعة الأهرام» ونجمع حروفها فى مطبعة مصر. والحظ هو الذى جعل أصدقاءنا يلتفون حولنا ويباركون عملنا.. فهذا صحفى كبير معارض لسياستنا يفتح لنا صدره ومطبعته.. والحظ هو الذى ساق لنا قارئا يعرض علينا سلفة 50 ألف جنيه دون إيصال فنرفضها شاكرين.. وهذا رئيس تحرير جريدة كبرى يقول لنا إن عنده 10 آلاف جنيه عاطلة فى البنك، ويعرض علينا أن يضعها تحت تصرفنا كسلفة بلا فوائد.. يقول هذا فى خفر وحياء، وكأنه يريد أن يقترض منا هذا المبلغ الضخم

وعشرات وعشرات عرضوا علينا أموالهم دون مقابل، فاعتذرنا شاكرين لكن هذه الثقة العمياء بعثت الحرارة فى أقلامنا وقوة الإيمان فى قلوبنا، جعلتنا نسهر الليالى فى الاستعداد لإصدار جريدة «أخبار اليوم».. والحظ هو الذى جعل أكبر كتاب مصر يقدمون لنا مقالاتهم.. والحظ هو الذى جعلنا نجد فى أزمة المساكن شقة فيها 15 غرفة فى عمارة الرجلين المصريين أحمد شرف والبنا.

والحظ هو الذى جعلنا نتقدم ونطلب إيجارها بملبغ 60 جنيهاً فى الشهر وتتقدم معنا شركة أجنبية تطلب إيجارها بمبلغ 120 جنيهاً فى الشهر.. فيقول صاحبا العمارة: نقبل أن نؤجرها لكم بنصف القيمة لأننا نريد أن نشجع عملاً مصرياً يقوم به شبان مصريون

والحظ هو الذى جعل أصدقاءنا يشترون لنا المكاتب ويدخلون محلاً ويعجبهم «مكتبين» ويسألون عن الثمن فيقول صاحب المحل ثمن الواحد 10 جنيهات فيمكثون يفاصلونه ساعة حتى ينزل عن جنيه واحد.. وعند كتابة الفاتورة ومعرفته أنها لـ«أخبار اليوم» وإنها جريدة سيصدرها فلان إذا به يصر على أن يكون ثمن المكتب الواحد 7 جنيهات!!. والحظ هو الذى أوجد لنا أصدقاء فى كل مكان، المتعهد صديقنا، والعامل صديقنا، وبائع الجرائد صديقنا، والمعلن صديقنا وكل القراء أصدقاء لنا!.. وقال لنا أنطوان الجميل بك، إن جريدة الإكسلسيور الفرنسية صدرت شهراً كاملاً دون أن تباع حتى يعرف أصحابها أوجه النقص فيها قبل أن يتداولها القراء، فأصدرنا تسع طبعات، كان لا يقرأها إلا المحررون، ثم نجتمع ونفند كل طبعة ونحذف منها هذا المقال، وتلك الصورة حتى اجمعنا على التنسيق الذى رآه القارئ فى العدد الأول.

ولقد أفادتنا هذه التجربة فائدة عظمى، فأصلحنا الكثير من الأخطاء الفنية الخطيرة، ولكن كان من نتيجتها أن اختفت الكثير من الحروف من كثرة كبس الصفحات، فظهرت بعض نسخ العدد الأول وقد اختفت منها كل النقط وبعض الحروف!.. وجاء المتعهدون يفاوضوننا فى شراء العدد الأول.. قلنا سنطبع 70 ألف نسخة!.. وضحك المتعهدون من حسن نيتنا وقالوا: 

- كفاية 50 ألفا!.. وقبلنا الرقم وأمرنا لله.. وفى اليوم التالى جاؤوا وطلبوا 80 ألفا.. وفى اليوم الثالث طلبوا 100 ألف فرفضنا! وفى اليوم الرابع طلبوا 165 ألف فوافقنا على طبع 100 ألف ورفضنا أن نزيد نسخة واحدة عن هذا الرقم.. وبدأت المطبعة تدور، وإذا بمدير شركة التوزيع يهدد ويتوعدنا بعظائم الأمور!.. وأمام التهديد وافقنا على طبع آخر فرخ ورق فى المطبعة.. وسجلت مطبعة «الأهرام» 126 ألفا و750 نسخة!.. وحمل الحظ جريدتنا فى السوق وبعد ساعات كانت التليفونات تدق تطلب المزيد!

كنا قد قرأنا فى الكتب أن الحياة امرأة غادرة تستحم بدموع عشاقها وتتعطر بدماء قتلاها .. فإذا بنا نجد الحياة فتاة حلوة تستحم بوفاء الأصدقاء.. وتتعطر بإخلاص القراء.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة