هل تحررت سوريا؟!
الثلاثاء، 17 ديسمبر 2024 - 10:53 ص
علاء عبدالكريم
في الحالة السورية؛ نشهد أغرب المفارقات التي لا تصدقها العقول المتعددة بتنوع أنماط تفكيرها، مفارقات تندفع بسرعة تفوق الصواريخ؛ جاءت أنباء سقوط حكم بشار الأسد، الذي كان يتوعد قبل نحو أسبوع «بسحق الإرهابيين» ليأتي بعدها الانهيار مباغتة للجميع؛ فلسنا أمام مجرد شيء خارج عن المألوف بقدر ما هو بكاء على جرح غائر أراه لن يندمل حتى على المدى البعيد، جريمة خيانة كبرى لن نعرف من المتسبب فيها، هل ما حدث في سوريا نكتة نضحك عليها ساخرين مرة وأثنتين وثلاث أم هو بكاء يطول العمر كله، هل هذه سورية أرض التاريخ والحضارات الإنسانية القديمة؟!
رحل السئ ليأتي الأسوأ..،
رحل المستبد ليحل بدلًا منه الأكثر استبدادًا..،
أتى من يرديدون أن يضعوا الشعب السوري على حافة السكين..،
أتى من طبقت شهرته في الإرهاب الآفاق، من رصدت الولايات المتحدة الأمريكية 10 ملايين دولار لمن يأتي برأسه حيًا أو ميتًا، لكنها الآن – أي أمريكا - ترحب به نكاية في روسيا وإيران وحزب الله ولصالح تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، فكل مشهد ردئ لهذه الجماعة التي تزعم أنها المعارضة السورية يشدنا لآخر أكثر رداءة منه، ليس صحيحًا أن تكون الوسيلة الوحيدة للشفاء من جروحنا هي التصالح مع الشياطين.
نعود ونسأل مرة أخرى: هل ما حدث في سوريا بداية أم نهاية لدولة كانت يومًا اسمها سوريا؟!، الحقيقة المؤلمة أن ما نراه الآن ليس النهاية، بل بداية مرعبة لمذابح دموية تنتهي حتمًا إلى دويلات وتفتيتها إلى كيانات طائفية وعرقية تتناحر فيما بينها؛ ليظل السؤال ما أسباب انهيار قوات الجيش السوري بهذه السرعة المذهلة - وكأننا نعيش أجواء إحدى ألعاب الحروب أو ما تعرف بألعاب الفيديو جيم، وانسحابها من معركة تلو الأخرى حتى وصول هذه الفصائل المسلحة إلى العاصمة دمشق؟!، ما هي العوامل التي أسهمت في ذلك؟!، هل وصل الأمر بهذه الفصائل المسلحة إلى درجة عالية من التكتيك والتخطيط لإرباك الجيش السوري واختفاء قاداته وأفراده ومعداته وعتاده العسكرية؟!
هل هذا هو الجيش السوري الذي يأتي في المرتبة السادسة عربيًا والستين دوليًا من حيث القوة العسكرية، وذلك وفق مؤشر Global Firepower (جلوبال فاير باور) لعام 2024، والذي شمل 145 دولة، ويأخذ هذا التصنيف بعين الاعتبار عددًا من العوامل، من بينها عدد أفراد القوات المسلحة والمعدات والمصادر البشرية والعوامل اللوجستية؟!
لعل هذه الواقعة تقربنا أكثر من فهم وحقيقة هذه الفصائل المسلحة التي تدعي أنها المعارضة وقائدها الذي عرفناه مرة باسم «محمد الجولاني» بجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي ثم تمرده عليها وتكوين جماعة جديدة باسم «جبهة تحرير الشام»، ومرة ثانية باسمه الفعلي «أحمد الشرع» وظهوره ببزة خضراء تشبه تلك التي يرتديها الرئيس الأوكراني الذي تخوض بلاده حربًا مع روسيا مخاطبًا حشدًا من المصلين في الجامع الأموي بدمشق من أجل إعلان «النصر»، في مشهد يعكس تحولًا جذريًا في صورة الرجل الذي سبق أن عرضت واشنطن ملايين الدولارات للقبض عليه، ليعود إلينا هذه المرة بعد مقابلات إعلامية آخرها مع الـ سي إن إن، أعود وأقول أن هذه الواقعة سجلها الصحافي الأيرلندي الشهير باتريك كوكبيرن منذ عدة سنوات قليلة وهو المراسل الحربي لصحيفة الإندبندنت في الشرق الأوسط، وعمل سابقًا مع صحيفة الفاينانشال تايمز، وكتب ثلاثة كتب عن تاريخ العراق الحديث يقول: «فـ بينما هؤلاء المسلحين الذين ينتمون إلى هذا التنظيم الإرهابي يقفون حول بركة الدم الجافة التي خلفتها آياديهم، بعدما صوروا فيلمًا مرعبًا مدته خمس دقائق يظهرون فيه وهم يوقفون ثلاث شاحنات كبيرة على ما يبدو أنه الطريق الدولي الذي يربط بين سوريا والعراق؛ حيث يقوم رجل مسلح ملتحِ قوي البنية يتفحص بطاقات الهوية الخاصة بالسائقين الذين يقفون أمامه مذعورين، قال لهم مهددًا: «أنتم جميعًا من الشيعة»؟!، فرد السائقون قائلين بعدما أصابتهم نوبات الهلع والخوف الشديد صاحبها أعراض جسدية نتيجة لخوفهم: «كلا، نحن من حمص.. الله ينصركم»، قالوها بصوت منخفض ولهجة يائسة.
وزاد أحدهم قائلًا: «نريد فقط أن نعيش، نحن هنا لكسب لقمة عيشنا»، لكن الرجل الداعشي المتعطش للدماء لم يعجبه هذا الكلام، فأراد أن يختبرهم لمعرفة ما إذا كانوا فعلًا من السنة أم الشيعة وسألهم: «صلاة الفجر كم ركعة»؟!، فتراوحت إجاباتهم بين الركعتين والأربع ركعات.
ثم عاد الرجل المسلح يسألهم بالفصحى: «ماذا يفعل العلويون بشرف سوريا»؟!، سكت السائقون وعجزوا عن نفض غبار العجز، كان السؤال الذي وقع على آذانهم كوقع الصاعقة، فهم لا دراية لهم بالسياسة وبحورها لكنهم أجابوا إجابة ظنوها سوف ترضي هؤلاء القتلة قالوا: «إنهم يغتصبون النساء ويقتلون المسلمين»، فقال لهم المسلحون: «يبدو من كلامكم أنكم مشركين»!، واقتيد السائقون الثلاثة إلى جانب الطريق وتم إطلاق النار عليهم وقتلهم».
هكذا بكل بساطة تنجست أياديهم بالدم بعدما تحركت أرجلهم تجري إلى الشر وتُسرع إلى سفك الدماء الزكي.
التجربة وتاريخهم المظلم يؤكد ومنذ إنشاء جماعة الإخوان التنظيم الأم لكل هذه الجماعات الإرهابية المسلحة من 96 سنة؛ أنهم دائمًا وابدًا شركاء لما آمنوا به.
السؤال: هل تحررت سوريا؟!
alaaabdelkreem1@gmail.com