«عظمة على عظمة يا ست»
الأربعاء، 25 ديسمبر 2024 - 06:57 م
الأخبار
صوتها شىء فريد لا يوجد فى مطرب آخر فى العالم لا من حيث الإمكانيات الذاتية ولا من حيث حسن انتقاء الكلمة والنغمة
أكتبها اليوم ونحن فى ذكرى ميلاد معجزة الغناء العربى كوكب الشرق أم كلثوم، فرغم مرور مائة وسبعة وعشرين عامًا على ميلادها، إلا أنه لم يظهر طوال هذه السنوات ـ وأعتقد أيضا أنه لن يظهر ـ من يضاهيها فى قوة الصوت وجماله ليس فى مصر فقط بل فى العالم أجمع، لقد منّ الله على أم كلثوم بصوت فريد من نوعه ليس كصوت الرجال وليس كصوت النساء..
صوت كرنين الذهب رخيم قوى عذب يحمل كل الأحاسيس والمشاعر فى آن واحد ويستطيع أن يصل إلى أذن المستمع وإلى قلبه بكل سلاسة سواء كانت الكلمات المغناة حبًا أو لومًا أو عتابًا أو شكوى أو حنينًا، صوت ينفرد بقدرات لا حدود لها على أداء جميع الألحان مهما كانت صعبة أو تحمل مقامات عالية..
أداء على أعلى مستوى من الإتقان وبمنتهى الإحساس لدرجة يهيأ لى فيها أن صوتها يتغلغل إلى الجهاز العصبى.. شهد بهذا العديد من الأعلام كالدكتور طه حسين عندما قال إن أم كلثوم بصوتها النادر فى امتيازه سواء فى الجمال أو فى سلامة نطق اللغة العربية ساهمت عندما غنت القصيدة فى إثبات جمال اللغة وطواعية تلحينها حتى فى أصعب الكلمات وكان لصوتها فضل فى انتشار الشعر العربى على ألسنة العامة والخاصة، كذلك تحدث الموسيقار محمد عبد الوهاب عن سر عظمة أم كلثوم وقال إن صوتها شىء فريد لا يوجد فى مطرب آخر فى العالم لا من حيث الإمكانيات الذاتية ولا من حيث حسن انتقاء الكلمة والنغمة، ويصعب بل يندر أن يتكرر هذا الصوت لا فى زماننا ولا فى الأزمان القادمة لأن المعجزات لا تتكرر، وقال أيضا إن لأم كلثوم فضلين، فضل كمطربة وفضل كمساهمة رئيسية فى بناء النهضة الموسيقية الحديثة فى مصر وفى الشرق كله..
أما فضلها كمطربة فقد جمعت كل مواهب المطرب التى يجب أن تتوافر فيه، ليس هذا فقط بل جمعت كل ما يمكن للطاقة البشرية أن تجمعه، وإذا كان شرط مفروض على المطرب الناجح يتعيّن أن يتوافر فيه وهو أن يغنى فى حفل فى سرادق يسمعه ألوف المستمعين وبغير الاستعانة بميكرفونات، وأن تكون لديه قوة احتمال وقدرة على أن يغنى ساعتين أو أكثر غناء متواصلًا، وأن يتمكن من التنويع والتلوين وتغيير المقامات، فإن أم كلثوم قد جمعت فى صوتها كل هذه المواهب، وهذا هو سر عظمة أم كلثوم والتى يندر أن يتوافر فى عصرنا الحالى فى أى مطرب آخر.. (طبعًا عبد الوهاب كان يتحدث فى تسعينيات القرن الماضى ولم ير البلاوى التى ابتلينا بها بعده)..
أما عن أم كلثوم التى ساهمت فى الطفرة الفنية الحديثة فيقول عبد الوهاب إن هذا ليس محل شك بعد أن استوعبت بعقليتها وإحساسها الواعى أن الرأى العام، وإن كان قد تقبل قبل ظهورها على الساحة الغنائية الأغانى الخليعة والطقاطيق المبتذلة، إلا أنها أرادت أن يكون المستقبل للفن الراقى شكلًا ومضمونًا..
وبالفعل فقد احتضنت فنيًا فارس الكلمة المعبرة الشاعر أحمد رامى وغيره من كتّاب الكلمة الراقية وكذلك عباقرة التلحين محمد القصبجى وزكريا أحمد ورياض السنباطى وكونت مع كل منهم ثنائيًا فنيًا رفيع المستوى نهض بفن الغناء فى مصر لدرجة يصعب أن تتكرر..
وبذكائها المفرط لم تسمح لنفسها أن تتجمد عند ألوان موسيقية محدودة فغنت بعد ذلك من ألحان عبد الوهاب والطويل وبليغ والموجى لتواكب أجيال الشباب بنغم جديد كان له أكبر الأثر بالفعل فى الاستحواذ على ملايين المستمعين من الخليج إلى المحيط لتتحقق على يديها وحدة منشودة للوطن العربى طالما تمنيناها فى كل المجالات وليس على صوت أم كلثوم فقط.. رحمها الله وغفر لها بقدر ما أسعدت الملايين..
ما قل ودل:
مهما حصل ما تسمحش لحد أبدًا أنه يبوظ لك يومك، ده يومك إنت بوظه بنفسك..