حين يصبح الطفل قاضيًا.. خطوط حمراء في الحياة الزوجية
الأربعاء، 08 يناير 2025 - 11:08 م
جودت عيد
كانت صورتي في نظره مشوهة، شخص خائن وجبان، غير قادر على تحمل المسؤولية، يهرب من المواجهة، ويترك لسانه «السليط» يلقى قذائف من السب واللعن ليل نهار، حتى يديه كانت تضرب في جسدها، فلا تترك عضوًا إلا وأصابته وتركت فيه شرخًا كبيرًا..
هكذا رسمت والدته فى عقله شخصية من كان فى يوم من الأيام أقرب الناس إليه، أباه الذى طالما سعى إلى أن يكون بجواره دائمًا.
لكن حالت الظروف بينهما، فأصبحا يلتقيان فقط ساعة كل أسبوع بأمر القاضي. ومع مرور السنوات، تغير كل شىء، كبر الصبي ولفظ من عقله كل هذا السواد، الذى لا أنكر أننا كنا نحن الاثنين السبب فيه رغبة فى انتقام أحدنا من الآخر. أصبح المنقذ لأسرته، ساهم فى التئام الجرح، وعودة الاستقرار إلى بيت كان يتغنى الجميع فى يوم من الأيام بأخلاق ساكنيه واستقرار أوضاعهم.
منذ ليلة زفافنا، تعاهدنا على وثيقة المحبة التى طالما سهرنا ليل نهار لتدوين موادها والحرص على أن تكون عهدًا يتحكم فى مصير حياتنا مدى الحياة. كان كل شخص منا مطلوبًا منه أن يدون حقوقه ويتعهد بتنفيذ واجباته كاملة دون إخلال، بل وضعنا عقوبات قاسية لمن يخالف ذلك الميثاق الذى دوناه سويًا فى أشهر وليس في ساعات. كانت زوجتى حريصة على حقوقها كاملة، تعتبرها أمرًا مقدسًا لا طعن ولا هروب أبدًا من أحكامه، وضعت شروطها بتشدد، خطوط حمراء لا يجب أن أتخطاها طالما كنا معًا..
اصبح ليس من حقى السهر أو المبيت خارج البيت، لا أجادل فى أمر يتعلق بأهلها وعملها وصديقاتها، ولا أتراجع عن قرار اتفقنا عليه سويا، لا سب ولا لعن ولا ضرب ولا إهانة ولا طرد، ولا منع من الخروج فى أى وقت، ولا أصدقاء يزورون بيتنا، فقط الكافيهات تكفى لاستضافتهم ولمدة محددة نتفق عليها مسبقا. لم تتوقف، بل وضعت خطوطا حمراء أكثر، جعلتنى مقيدًا، ليس لدى قدرة على أن أتحرك مثل الشباب الذين هم فى عمرى. فقط ذهابى للعمل والعودة منه يكون بوقت محدد، هاتفى مستباح فلا حق لى بالرفض، حتى أحلامى قررت أن تشاركنى فيها، وتضع لى حدودًا لا يجب أن أتخطاها. كانت حريصة على ألا أذهب إلى الأفراح والمناسبات بدونها، حتى زيارة المرضى اشترطت أن تكون معى.
رغم قسوة تلك الشروط، وافقت عليها وأنا بكامل حريتى. كنت أرى أنها تكبلنى لأنها تحبنى وتغار على، تراقبنى لأنها تعتبرنى أمانها الوحيد وسندها فى الدنيا بعد أن توفى والداها وشقيقها. أشاهدها تضع العراقيل أمامى، وأتغاضى، لأننى كنت أحبها، وأتمنى أن أظل معها مدى الحياة. حقيقة، كانت تطلب منى أن أرفض أى قيد لا يرضينى، تركتنى أشهر أفكر قبل أن أوقع على تلك الوثيقة، التى لم أعتبرها فى يوم من الأيام إعاقة لى، بل تنظيم لحياة زوجين اختارا أن يستمرا معًا للأبد. أما أنا فلم يكن لى شروط كثيرة مثلما كانت هى حريصة على حقوقها.
طلبت منها فقط ألا تجادلنى فى أمر يتعلق بأهلى وعملى، أن تحترمنى داخل وخارج المنزل وأمام أولادى، ألا يعلو صوتها مهما كان خلافنا، وألا تعايرنى بضعفى وقلة حيلتى ومرضى فى يوم من الأيام، وأن تصون شرفى وعرضى. اشترطت عليها، إذا شعرت فى يوم من الأيام أنها لم تعد تحبنى، فعليها أن تطلب الانفصال بشكل ودى دون محاكم.
وسأستجيب لها فورًا حتى يظل الاحترام قائمًا بيننا. مر العام الأول من حياتنا، وبنود تلك الوثيقة تُنفذ أولاً بأول. كنت أنا الحريص على احترامها، لم أخالف شرطًا فيها، رغم أنها قيدتنى، وحولتنى إلى طفل يريد التمرد لكنه يخشى غضب والديه.
◄ اقرأ ايضًا | عبدالمعز: الكلمة الطيبة صدقة.. وسليط اللسان لا يدافع عن الحق| فيديو
أما هى، فكانت كذلك، تبحث عن حقوقها، وتنفذ واجباتها جيدًا، هى تخبرنى دائمًا بما اتفقنا عليه، تهددنى يوميًا بضحكة ساخرة عن مصير من يخالف تلك الوثيقة. ومع قدوم العام الثانى، رزقنا الله بطفلنا الذى ملأ حياتنا بهجة وسرور، جعلنى أتمسك بمبادئ تلك الوثيقة أكثر فأكثر.
لقد قربتنى من ابنى، أصبحت أتابع كل ثانية فى حياته، حتى أننى كنت أقرب إليه من والدته. كبر وبلغ الرابعة من عمره، وجدته يتحدث مثلى، يتصرف كما أفعل، يخاطبنى كما أخاطب والدته بلطف ولين. أصبحت ظله الذى يبحث عنه عندما تشتد عليه قسوة والدته وأصحابه. كنت حريصًا على كل شىء، لكنها لم تكن كذلك.
لقد تخلت عن مبادئ كثيرة اتفقنا عليها، أصبح عملها كل شىء، تجاهلت ابننا، ألقت بمسؤوليته على، بدأ صوتها يعلو كلما لُمتها على أمر ما، عايرتنى بعملى، صرخت فى وجهى، طلبت منى أن أترك وظيفتى فى السكة الحديد، وأتفرغ لتربية ابننا.. قالت بكل تكبر: «أنا قادرة على الإنفاق على البيت، راتبى يفوق راتبك عشرات الأضعاف.
أصبحت فى وظيفة مرموقة تتطلب منى أن أتفرغ لها، وعليك أن تختار.» وقتها أدركت أننى يجب أن أمزق تلك الوثيقة التى تربطنى بها، لم يعد هناك مبدأ واحد لم تخترقه، بل إنها أرادت كتابة وثيقة الخنوع والاستسلام.
لذلك قررت التمرد، تخليت عن كل شىء، عدت إلى أصدقائى الذين طالما كنت بعيدًا عنهم بسببها، خرجت إلى الكافيهات والأندية، احتفظت بخصوصيتى، ومارست مسؤوليتى كزوج على أسرة من فردين. أخبرتها أننى لن أقبل مبيتها خارج البيت مهما تطلب عملها ذلك، حذرتها من إهمال ابنها، وصرخت فى وجهها وكدت أعتدى عليها بعد أن استمرت فى إهانتى، بل وتهديدى بالزج بى فى السجن إذا حدث ذلك. لم يستمر الوضع سوى شهور، أصبح كسر المبادئ بالنسبة لها كالهواء الذى تتنفسه. أسرعت إلى المحكمة، أقامت خلعا وتنازلت عن كل حقوقها بعد 5 سنوات زواج.
اتهمتنى بالخيانة، وأحضرت من يشهد زورا لها، جعلتنى لصًا سرق مالها الذى عاهدت نفسى من أول يوم زواج ألا أقترب منه. رغم قساوة اتهاماتها لى، لم أغضب للدرجة التى تدفعنى للانتقام منها. تقبلت الأمر بهدوء، كنت حريصًا على أن يتفهم ابنى ذو الخمس سنوات ماذا حدث ومن المخطئ..
كنت أتواصل معه دائمًا عبر أصدقائه فى المدرسة، أوضح له حقيقة ما حدث ولماذا تركت المنزل؟. لكن فجأة انقطع الاتصال بيننا، حرمتنى زوجتى من ابنى، هددتنى بالسجن، ثم سارعت إلى القضاء وأقامت عشرات الدعاوى ضدى، على أمل أن تجعلنى أتوه فى غيابات المحاكم وأتناسى ذلك الابن الذى هو قطعة منى. مر عام وأنا أجاهد فى ساحات القضاء، أخاطب الجميع أن يرأفوا بحالى، صرخت وأعلنت عجزى واعترفت بأننى لست قادرًا على تحمل قسوة تلك السيدة.
فهى تملك كتيبة من المحامين ينتشرون فى كل ربوع الجمهورية، حتى أننى وجدت نفسى فجأة مدانًا بحكم حبس أشهر فى قضية تعدى وضرب بإحدى المحافظات رغم أننى لم أزرها نهائيًا. وبعد المعارضة على الحكم تبين أنه تشابه أسماء وحصلت على براءة. خضت معارك كثيرة مع هذه الزوجة، لا أنكر أننى تحولت مثلها، شيطان وليس ملاكا كما كانت تريدنى.
كلت لها اتهامات كثيرة لم تكن طرفًا فيها، فقد كنت أبحث عن وسيلة للانتقام منها، بعد أن حرمتنى من رؤية ابنى الوحيد. كان نتاج هذه المعارك حصولى على حكم برؤية ابنى، سارعت وأخطرْت طليقتى، التى فاجأتنى بالموافقة. كنت أعشق يوم الجمعة، حيث سألتقى ابنى ساعتين. أجهز نفسى جيدًا لرؤيته، أحمل قصصًا معى، وصحفًا ومجلات تحكى بطولات آباء ضحوا من أجل أبنائهم.
لقد كان مستمعًا وقارئًا جيدًا، لكنه فى نفس الوقت يواجهنى بأمور غرستها والدته فى عقله اتجاهى. كان ينصب لى محكمة، يكيل لى الاتهامات، ثم يصدر فى النهاية حكم ببراءتى ويتبعه بحضن يزيل عنى هم الدنيا. استمر لقاؤنا عامًا وراء آخر، حتى كبر وبلغ الـ12 عامًا، وأصبحنا صديقين.
نشتاق لتلك الساعة التى تجمعنا معًا، نحكى وكأننا نرى أنفسنا لأول مرة. هو لم يكن ابنى فقط، بل صديقى الذى يرشدنى إلى ضالتى.
انعكست معه عقارب الساعة، أصبحت من انتظر نصيحته، كنت أسير خلفه دون أن أفكر، ليس ضعفًا منى أو تكرارًا لتجربة والدته التى لن أنساها، بل لأنه كان واعيًا وصادقًا وراشدًا وذكيًا استطاع فى ثوانٍ أن يدفع والدته إلى أن تصطحبه بنفسها إلى مكان الرؤية لأول مرة بعد 6 سنوات من الانفصال. لم أكن أعلم أنه كان يخطط للصلح بيننا، حتى أننى عرفت أخيرًا أن المحكمة التى كان ينصبها لى كان يقوم بتسجيلها كاملة، ويذهب بها مسرعًا إلى والدته ليفرغها ثم يطلب منها أن تصفح وأن تقبل بعودتى إليها مرة أخرى. فى الواقع، لم أدافع عن نفسى بمهاجمتها خلال هذه المحاكمة، بل أتعمد الثناء عليها وذكر محاسنها وإلقاء اللوم على نفسى فيما حدث.
هكذا أردت أن تكون صورة والدته فى ذهنه، اخترت أن أقول كفى لبُعد المسافات وأن يظل ابننا حلقة وصل بيننا مهما بلغت المشاكل والعقبات. لقد نجح ذلك الغلام فى أن يعيدنا إلى وثيقة المبادئ مرة أخرى. كان يجلس بيننا فى مكان الرؤية، يضع شروطها، ويحدد خطوطها الحمراء، حتى أصبح هو من يتحكم فينا نحن الاثنين. ومع مرور الوقت، أخبرتنى والدته أنها تنازلت عن كل القضايا، ذهبت إلى محكمة الأسرة بمصر الجديدة وأقرت بالتنازل.
طلبت أن نفتح صفحة جديدة، وأن أعود مرة أخرى إلى المنزل زوجًا له كامل الحقوق، يمارس حياته راعيًا لأسرة لم تنسه يومًا من الأيام.
لاحظت أن زوجتى تغيرت كثيرًا، لقد ألقت وثيقتها خلف ظهرها، تركت عملها بعد انفصالنا بعامين، جلست فى منزلها ترعى ابننا، حتى أصبح متفوقًا فى دراسته. لم أكن أعلم أنها كانت تحرص على أن ألتقى به أسبوعيًا، بل وأتواصل معه يوميًا عبر الهاتف، أقدم له نصائح الأب وأتابع دراسته وحياته الخاصة أولاً بأول. فى نهاية آخر موعد للرؤية تركنا ابننا نتحدث أنا ووالدته سويًا للمرة الأولى، لم يجلس بيننا، ولم يضع خطوطه الحمراء كما كان يفعل.
استلقى على الطاولة المجاورة، كان يراقب نظراتنا وحركاتنا ونحن نتحدث سويًا، وكنا كذلك نراقب ردود فعله كلما علا أو هبط صوتنا.
بعد ساعات من اللوم والعتاب بيننا، اتفقنا على العودة، مزقنا وثائق المبادئ، اخترنا أن نعيش حياتنا كما هى، دون شروط لطرف على الآخر، تلامسنا بأجسادنا وأدركنا بعدها أننا لسنا ملائكة بل بشر نصيب ونخطئ.