«الصُفة» ملجأ المساكين والغرباء وطلاب العلم وأبو هريرة وبلال بن رباح.. أشهر أهل الصفة
الجمعة، 10 يناير 2025 - 04:18 م
اللواء الإسلامي
كتب: حسين الطيب
فى رحاب المسجد النبوي، وتحديداً فى زاوية مباركة تُعرف بالصُّفَّة، نجد قصة من قصص السلف الصالح التى تحمل دروساً عميقة عن الإيثار والعلم والإخلاص. لقد كانت الصُّفَّة ملجأً للمساكين والغرباء من المسلمين، الذين تركوا أوطانهم وأهلهم ليعيشوا قرب نبى الله صلى الله عليه وسلم. هنا، كان يُؤوى من ليس له مأوى ويُعلَّم من جاء لطلب العلم، ليعود معلماً وناشراً لنور الإسلام فى قومه.
ولم يكن أهل الصفة مجرد أفراد يعانون الفقر، بل كانوا جزءاً من جيلٍ نذَر حياته للعلم والجهاد، وتجسدت فيهم آيات القرآن الكريم التى تحث على التفقه فى الدين ونقل الهداية إلى الآخرين. فقد عاشوا تحت ظل النبي، وكان يحنو عليهم ويجلس معهم، وكانوا يبذلون أوقاتهم فى العلم والذكر، حيث أصبحوا قدوة فى الإيمان والعمل.
نجد فى حياتهم قدوةً عظيمة فى التواضع، وتفانياً فى طلب العلم، وصبراً على الفقر. وقد تركوا بصمات خالدة فى سيرتهم، لتظلّ الصفة رمزاً للمعرفة والورع والبساطة، ولتكون ملهماً لكل من يسعى إلى تحقيق الإيمان العملي، بعيداً عن مظاهر الدنيا وزخرفها.
ولقد جاء فى كتاب بيوت الصحابة حول المسجد النبوى للباحث محمد إلياس عبد الغني أن الصفة كانت فى مؤخر مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، كانت ملاذًا للمساكين والغرباء، وقد اشتهر أهل الصفة بمكوثهم هناك للتعلم والتفقه فى الدين، ولأنهم كانوا غرباء عن المدينة المنورة، ولديهم حاجة إلى مكان يؤويهم.
وكان الصحابة من المهاجرين ينزلون عند معارفهم من الأنصار فى المدينة، أما من لم يكن له معرفة سابقة فقد كان يلجأ إلى المسجد النبوى الشريف، ومنهم من جاء لتعلم الشرائع ليعود إلى قومه معلمًا وناصحًا، فيتحقق بذلك قول الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
روى طلحة البصري: «كان من جاء إلى المدينة وله عريف نزل عنده، ومن لم يكن له عريف نزل بالمسجد»، وقد اتفق المؤرخون الأوائل على تحديد موضع الصفة، إلا أن المتأخرين اختلفوا فى ذلك، فرأى بعضهم أن دكة الأغوات فى المسجد النبوى هى مكان الصفة. قال القاضى عياض: «لما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أمر النبى صلى الله عليه وسلم بعمل سقف على الحائط الشمالي، وعرف هذا المكان فيما بعد بالصفة».
تشير الروايات إلى أن أهل الصفة كان عددهم يقارب السبعين شخصًا فى الظروف العادية، لكنه يزداد إذا ورد ضيوف وافدون، وينقص إذا غادر البعض للسفر أو تزوج أو توفي. وقد جمع أبو نعيم فى «الحلية» أسماءهم. وروى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: «لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما فيهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوه فى أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته». وقال ابن حجر: «هؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة بئر معونة، وقد استشهدوا قبل إسلام أبى هريرة».
اقرأ أيضًا | مدارس التأسيس العسكرى تغرس قيمة الانضباط بالمدارس
من أشهر أهل الصفة:
1. أبو هريرة رضى الله عنه
2. أبو ذر الغفارى رضى الله عنه
3. كعب بن مالك الأنصارى رضى الله عنه
4. سلمان الفارسى رضى الله عنه
5. حنظلة بن أبى عامر رضى الله عنه
6. حارثة بن النعمان رضى الله عنه
7. حذيفة بن اليمان رضى الله عنه
8. عبد الله بن مسعود رضى الله عنه
9. صهيب بن سنان الرومى رضى الله عنه
10. سالم مولى أبى حذيفة رضى الله عنه
11. بلال بن رباح رضى الله عنه
12. سعد بن مالك أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه
العلم والعبادة
كان أهل الصفة ينشغلون بالعلم والعبادة، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يجالسهم ويعلمهم، ويحظون برعايته واهتمامه. وقد اعتاد الصحابة على العناية بهم، فأخذوهم إلى بيوتهم ليأكلوا معهم، وكانوا يعلقون أقناء التمر فى سقف المسجد ليأكلوا منها.
وعن مالك بن أنس رضى الله عنه قال: «أقبل أبو طلحة يومًا فإذا النبى صلى الله عليه وسلم قائم يقرئ أصحاب الصفة، وكان على بطنه حجر من الجوع ليقيم به صلبه، وكان شغلهم تفهم الكتاب وتعلمه، ونهمتهم الترنم بالخطاب وتردده».
وأثنى الله عز وجل على أهل الصفة فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا...). قال السدى ومجاهد وغيرهما إن هذه الآية نزلت فى فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم الذين لم يكن لهم أهل أو مال فى المدينة، فبنيت لهم الصفة ليقيموا فيها.
الصحابة وأهل الصفة
وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم العديد من الأحاديث التى تظهر عناية الصحابة بأهل الصفة. قال أبو هريرة رضى الله عنه: «والله الذى لا إله إلا هو، لقد كنت أضع كبدى على الأرض من شدة الجوع، وكنت أشد الحجر على بطني». وروى أنه كان يجلس على طريق الصحابة، ويسألهم ليدعوه إلى الطعام، حتى مرّ به أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فعرف ما فيه فأخذه إلى بيته، وكان هنالك قدح لبن، فأمره النبى أن يدعو أهل الصفة، فأخذ القدح وأعطى كل رجل منهم حتى شبعوا جميعًا، ثم شرب النبى صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أبا هريرة أن يشرب حتى شبع هو الآخر.
كان الصحابة ينظمون خدمات مستمرة لأهل الصفة، وقد عُرف محمد بن مسلمة رضى الله عنه بحرصه على تنظيم هذه الخدمات. فقد اقترح على النبى صلى الله عليه وسلم أن يُعلّق فى المسجد أقناء الرطب ليأكل منها الوافدون، فوافقه النبي، وأصبحت الأقناء تُعلق بين الساريتين ليأكل منها أهل الصفة.