الهواتف المحمولة| تغر ق فى دماء الضحايا

د. شريف كامل - هالة رمضان - د. محمد عبدالمنعم يوسف

الخميس، 03 أبريل 2025 - 08:17 م

أحمد مصطفى

فيديوهات القتل تستقطب الشباب والنتيجة ارتكاب جرائم طبق الأصل السوشيال ميديا لاعب رئيسى  والأسرة والإعلام على خط المواجهة لم تعد مشاهد دماء الضحايا تثير الرعب، بل تحولت إلى مصدر للمتعة، وتجارة مربحة لبعض الأشخاص الذين ينشرون جرائم القتل على السوشيال ميديا من خلال فيديوهات من أجل الحصول على المال، وجلب أكبر عدد من المشاهدات.. الظاهرة بدأت تنمو فى الفترة الأخيرة، وتستقطب الشباب، ليتحولوا بدورهم من مجرد مشاهدين إلى مصدر للنشر ببث مقاطع القتل البشعة، والانتحار من الطوابق العليا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فى الوقت الذى لا يجدون من يردعهم.. اقرأ أيضًا| تخلص منه وقت الإفطار.. ننشر اعتراقات المتهم بقتل مفتش الصحة بقنا فى هذا التحقيق تستطلع «الأخبار» رأى خبراء القانون وعلم النفس فى ظاهرة انتشار مثل تلك الفيديوهات ومدى تأثيرها على الشباب، والبحث عن حلول حقيقية للحد منها، طرق المواجهة، خاصة بعد أن  أصبح مستخدمو المنصات يبحثون عن «التريند» بأى وسيلة الطرق، ما أثر بشكل كبير على المجتمع وسلوكيات الأفراد. يفرق الدكتور شريف كامل، أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق، جامعة القاهرة بين نقل خبر الجريمة، ونشر التحقيقات بشأنها، موضحا أن القانون يُمنع نشر التحقيق الابتدائي، مشيرا إلى أن ذلك كان مثار جدل فى الصحافة التقليدية، فى حين لا توجد ضوابط حقيقية، الآن فى الإعلام الإلكتروني.. وأضاف كامل: « يجب تجريم عرض الجريمة أو تفاصيلها على الأطفال، والحد من تسابق الناس على التريند، ويتعين على المجلس الأعلى للإعلام إيجاد حلول لتنظيم نشر الفيديوهات على السوشيال ميديا. وتابع: فى السابق، كان هناك ميثاق الشرف الصحفي، وكانت الأمور تُدار بضوابط، أما الآن، فقد أصبح المواطنون أنفسهم وسيلة إعلامية، ولكن لوضع ضوابط، نحتاج إلى نقاش مجتمعى شامل، وتفعيل دور وزارتى الثقافة والتربية والتعليم، وتضافر الجهود الحكومية من الوزارات المعنية.. وأشار أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق أن «نشر الجريمة يسبب أضرارًا نفسية واجتماعية كبيرة، ويجب على المواطنين الذين يمتلكون مقاطع فيديو تتعلق بجرائم تسليمها إلى الشرطة، وأن يكون دورهم إيجابيًا بدلًا من نشرها والترويج للجريمة. وهذا الوضع لا يدخل فى إطار تبادل المعلومات والأفكار، بل هو مضر بالمجتمع». اقرأ أيضًا| «حطوه في 11 كيس».. الحكم على سيدة وعشيقها بتهمة إنهاء حياة زوجها.. اليوم  وأكد على أهمية «النظر إلى الموضوع من زاوية توعوية، والتعرف على حقوق وواجبات استخدام السوشيال ميديا. وإذا زاد الأمر عن حده، يجب على المشرّع وضع ضوابط للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فيجب التدرج فى مواجهة هذه الظاهرة، وفى حال تحولها إلى مشكلة كبيرة، يبقى هناك ضرورة اجتماعية للتصدى لها». وختم حديثه قائلاً: «يمكن لوزارة الاتصالات أن تشترط على الشركات الأجنبية المالكة لوسائل التواصل الاجتماعى تحييد المشاهد العنيفة وغير المتوافقة مع القيم المجتمعية، خاصة فى المجتمع المصري». تحريض على العنف واعتبر الدكتور خالد حنفي، المحامى بالنقض وعضو مجلس النواب السابق، أن نشر تفاصيل خاطئة للجرائم على وسائل التواصل الاجتماعى تحريضًا على العنف، ويُعرّض الناشر للمساءلة القانونية، موضحا أن نشر الخبر فى حد ذاته ليس جريمة، لكن المشكلة تكمن فى نشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الصحيحة، مما يعرض الناشر للمساءلة القانونية، كما أن الموضوع مرتبط بسرية التحقيقات، وضرورة الالتزام بسرية جرائم القتل والسرقة. وقال: «يجب عدم تغطية هذه الجرائم إعلاميًا بشكل موسع، وأطالب بأن تكون هناك سرية تامة فى التحقيقات حتى يتم محاكمة المتهم، حيث أن نشر تفاصيل دموية للجريمة يتم عن طريق تسريبات من عناصر أخرى كالمحامى أو الجهات الأمنية، ولذلك يجب أن تكون هناك سرية كاملة فى الإجراءات ووضع ضوابط، وهذا مكانه فى قانون الإجراءات الجنائية». اقرأ أيضًا| حبس قتلة مسنة الضبعية بالأقصر بعد سرقتها وأشار الدكتور خالد إلى قانون رقم 175 لسنة 2018 الخاص بالجرائم الإلكترونية، والذى يتضمن عقوبات على من يرتكب جرائم مثل نشر أخبار كاذبة والتحريض على العنف، وأوضح أن «بعض الجرائم تؤدى إلى الحبس، وتصل بعض العقوبات إلى 300 ألف جنيه، وهناك عقوبات مشددة فى هذا الشأن». تشريعات صارمة وقال حنفى إن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى شقين: جزء توعوى وآخر قانوني، من خلال ضوابط تشريعية للحد من مشاهدة العنف، وشدد على ضرورة تحديد الفيديوهات المناسبة لكل فئة عمرية، مضيفًا: «يجب أن نحافظ على أمن الناس عن طريق عدم نشر نماذج للجرائم حتى لا يستغلها أصحاب النفوس الضعيفة وارتكاب جرائم مماثلة». تأثير سلبى وحذر خالد من أن نشر تفاصيل الجرائم أدى إلى ظهور جرائم مماثلة، وقال: «على سبيل المثال، هناك عدد من قضايا القتل، تم نشر تفاصيل الجريمة، وكيفية ارتكابها، وكيفية التخلص من الجثة، فبدأنا نرى جرائم مشابهة بنفس الطريقة، وهذا لم يكن يحدث من قبل، بعد أن تحول الوضع إلى تسابق على التريند.، فالناس يتساءلون: كيف قتلها؟ كيف وضعها فى حقيبة؟ أصبح هناك نقل لشكل الجريمة بدلًا من التركيز على العواقب». وشدد حنفي: «على ضرورة وضع ضوابط مثل نموذج الصين أو فى دول أخرى تشترط على شركات التواصل الاجتماعى احترام القيم المجتمعية والالتزام بميثاق العمل الصحفي، نتجنب نشر مثل هذه الجرائم». من جانبها، تقول الدكتورة هالة رمضان، أستاذة علم النفس ومديرة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية: «قمنا بدراسة حديثة حول هذه الظاهرة فى المجتمع المصري، تناولت أبشع الجرائم التى حدثت، بدءًا من حادث الذبح فى الإسماعيلية.، درسنا سبع جرائم لمعرفة نقاط التقاطع بينها، وما الذى يجعل هذه الجرائم تتكرر وتتحول إلى هذا العنف الغريب على المجتمع المصري». وأوضحت الدكتورة هالة أن «وسائل التواصل الاجتماعى كانت فاعلًا رئيسيًا، سواء من حيث طريقة التناول أو التصوير أو نشر الأخبار بسرعة هائلة. هذا أثّر على المجتمع بأكمله، سواء من أهل الضحية أو أهل الجاني، وكذلك على الشباب، وتسبب فى تأثير سلبى وانتشرت الجرائم انتشار النار فى الهشيم بسبب بحث الشباب عن التريند». وأضافت: «درسنا أسباب عدم اتخاذ المارة رد فعل أثناء وقوع الحوادث، ووجدنا عدة أسباب تؤدى إلى هذا السلوك فى المجتمع، بعض الأشخاص يخافون من التدخل، وآخرون بسبب سرعة الجريمة، وهناك من يفضلون التصوير لتحقيق مكاسب مادية على السوشيال ميديا. ونفت د.هالة أن تكون تمثل هذه الجرائم ظاهرة فى المجتمع المصري، فهى نادرة نسبيًا بالنسبة للتغيرات التى نمر بها. فى سياق متصل، يقول د. محمد عبدالمنعم يوسف، استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان والمدير العلاجى لمستشفى العباسية: «نشر الجرائم بهذه الطريقة له عواقب وخيمة على سلوكيات الأفراد، وللأسف، تعرض وسائل التواصل الاجتماعى الجريمة بصورة مغرية، وهذا هو التأثير الخطير، وعرض الموقف نفسه بشرح العواقب والجانب المأساوى فيه يختلف تمامًا عن عرضه بشكل مغرٍ كمغامرة».. وحول الآثار النفسية طويلة المدى يقول الدكتور محمد: «التعرض المتكرر لهذه المظاهر من العنف قد يحوّل الموضوع من مجرد نقل معلومة إلى أن يصبح مجرد مشاهدة العنف متعة، والتعامل مع المجرم كبطل خاصة إذا كان لديه المال والمظهر الجيد والقوة، فيصبح مرغوبًا من النساء». التصدى للظاهرة يقول د. محمد : هناك مسئولية كبيرة تقع على عاتق الأسرة، فيجب تشجيع الأبناء على التواصل الفعال، ومراقبة المحتوى الذى يتعرضون له، وتوجيههم نحو الاستخدام الإيجابى للتكنولوجيا، كما يجب تدريب العاملين فى الإعلام وتوفير دورات تدريبية للصحفيين والعاملين فى مجال الإعلام الرقمى حول أخلاقيات النشر والإعلام، وكيفية تناول القضايا الحساسة دون الإخلال بالمبادئ والقيم.. وكذلك تعزيز الوازع الدينى والأخلاقي، بحيث يتم دعم دور المؤسسات الدينية فى نشر الوعى الدينى الصحيح الذى ينبذ العنف ويدعو إلى التسامح والمحبة بين أفراد المجتمع.. وشدد على أن ظاهرة نشر جرائم القتل والعنف على وسائل التواصل الاجتماعى هى مشكلة معقدة تتطلب تعاملاً جديًا وسريعًا، فالتأثيرات السلبية لهذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع ككل، مما يهدد أمنه واستقراره.. لذلك، فإن التعاون والتنسيق بين الجهات الحكومية والمجتمع المدنى والأسر أصبح ضرورة ملحة للحد من هذه الظاهرة وتعزيز قيمنا الأخلاقية والاجتماعية.