محمد عدوي يكتب: كنز الرحلة ورصيد الدراما الكبير
السبت، 05 أبريل 2025 - 01:52 ص
محمد عدوي
هم كنز الرحلة، هم ثرواتنا، وقوتنا، هم سبب فرحتنا واطمئنانا، القادم أفضل بحاضر ولا أروع وماض يعرفه القاص والداني، هؤلاء الذين نسجوا وشكلوا وصنعوا دراما رمضان، هؤلاء الذين أبهرونا وأسعدونا وأكدوا لنا أن الدراما ممكنة، أن الصنعة باقية والأمل باق، والمتعة حاضرة في كل وقت ومضمونة .
أنتهى الموسم الدرامي الأهم وبقى الآثر، ما تبقى في مشاعرنا ووجداننا من أعمال تستحق أن نفرح بصناعها.
من النهاية إلى البداية
يقولون أن لكل بداية نهاية، ونقول أن لكل نهاية بداية جديدة.. بداية يبنى عليها ونؤسس من خلالها.. لهذا سوف أبدأ بنهاية الدراما من الأعمال التي أنتهت مؤخرا.. سوف نبدأ بعلامة من علامات الموسم، مسلسل “لام شمسية”، تلك الصرخة التي أطلقتها مريم نعوم وكريم الشناوي، والتي استقرت في الوجدان، وسوف تبقى طويلا، “لام شمسية” ليس مجرد عمل درامي عادي، صناعه ليسوا مجرد مخرج ومؤلفة، لكنهم سحرة بالمعنى الحرفي للكلمة، يسحرون وينسجون عالم سوف يظل لفترة طويلة مثارا للجدل الطيب، الجدل الذي يبني ويوسع الآفاق ويترك الباب مفتوحا للبوح والحديث عن المسكوت عنه، بابا للحرية والأمل.. سحرة يروضون المشاعر ويستخرجون ورودا من أداء أبطالهم بخفة وسهولة حتى تكاد أن تصدق إن “نيللي” هي أمينة خليل، و”وسام” هو محمد شاهين.
يخطئ من يظن أن “لام شمسية” مقصورا على قضية الطفل “يوسف” التي أداها موهبة الحاضر والمستقبل علي البيلي، يخطئ من يظن أن قضية “وسام” هي فقط التي طرحها كريم ومريم، الموضوع أعمق والمسكوت عنه كثير، واقتحام “سرد” له محل إعجاب وتقدير.. “سرد” ومريم وكريم سحرة لديهم مشروع حقيقي يجب البناء عليه وتدعيمه.
عدل الدراما
يقولون “ظلم المصطبة ولا عدل المحكمة”، ونقول “عدل الدراما هو الأهم”.. عدل الدراما بناء محكم، صلب، يسر من يراه، هكذا كانت مباراة “ظلم المصطبة”، المباراة التي أدارها هاني خليفة ومحمد علي، وبدأها أحمد فوزي صالح ومحمد رجاء، هؤلاء هم البنائون الذين وضعوا لبنة وأساس عمل مهم وناضج يكشف الكثير من المعتقدات المتوارثة التي تجعل الظلم قاعدة، عملا أدعي أنه سوف يغير الكثير من المفاهيم، عمل يضعك أمام أفكارا كثيرة، وأمام تحديات صعبة، تنتصر فيها الدراما وتسقط الأفكار العقيمة، “ظلم المصطبة” والذي شهد أداء متفردا من نجومه فتحي عبد الوهاب وريهام عبد الغفور وإياد نصار وكل من مر أمام كاميرا علي وهاني، عملا سوف يبقى كثيرا، وسوف تتذكر كل تفصيلة فيه وأنت مطمئن وسعيد أن هذا البناء مشيدا لدينا وفي تاريخنا.
وتقابل الأحباب
ربما يكون هو المسلسل الأكثر تشويقا طيلة أيام وليال رمضان، “وتقابل حبيب” الذي قابلنا فيه مع مؤلفه عمرو محمود ياسين ومخرجه محمد الخبيري، الأحباب ياسمين عبد العزيز وكريم فهمي وأنوشكا ونيكول سابا وخالد سليم وصلاح عبد الله، في دراما مشوقة وممتعة تؤكد أن العمل الجيد يمكن أن يجعلك متسمرا في مكانك، منتظرا كل جديد في أحداثه التي تشعر أنها غير متوقعة، لكنها حقيقية ومنطقية.. “وتقابل حبيب” متعة درامية بأداء مختلف من كل نجومه، بكتابة متعوب عليها كما يقولون، لا تعرف الاستسهال، وأن كانت سهلة، لكنها ممتعة وعميقة، وبإخراج أجبرنا على الإنتظار حتى اللحظات الأخيرة.
قهوة الحياة
الأديب عبد الرحيم كمال والمخرج إسلام خيري، أسمان ربما لم تراهما يجلسان على “قهوة المحطة”، لكنك تشعر بهما في كل لحظة، تشعر بأثرهما وجهدهما وبراعتهما مع كل مشهد.. “قهوة المحطة” التي حملت حلم مؤمن الشاب الموهوب حتى النخاع، أحمد غزي، ونجوم المحطة الذين رأيناهم في ثوب مختلف كلية، وبحلة جديدة تماما، وروحا شابة يافعة، بيومي فؤاد وهالة صدقي ورياض الخولي، والاكتشاف فاتن سعيد، وغيرهم، قهوة مضبوطة لا تشعر فيها بأي خطأ، لا تشعر فيها بأي مرارة، فقط حلاوة وطراوة في رحلة الإنسان بتناقضاته وأحلامه وطموحاته، لا تهتم فيها بمن قتل “مؤمن”، بقدر ما تهتم بحلم “مؤمن”.. عبد الرحيم كمال وإسلام خيري صنعوا حكاية تحكى وتتداول لسنوات.
صالحة لكل الأوقات
شخصيا معجب بالتطور المهم في تفكير وإصرار المخرج تامر نادي.. تامر الذي أعرفه منذ سنوات، وأعرف إصراره ورغبته أن يقدم شيء يصبح قيمة مضافة له وللدراما والفن عموما، لم يكتف بالكتابة، وكان ناجحا فيها، ولم يكتف بالإخراج وكان ناجحا فيه، لكنه أراد أن يصبح علامة مهمة كل عام فاخترق قضايا مهمة، ومازال، هذا العام ومعه المؤلف الذي لا يختلف عن تامر كثيرا، محمد هشام عبية، كان لديهما هم واحد، ورؤية واحدة لسرطان ينهش في البيوت، عن طريق هاتفك المحمول، المراهنات الإلكترونية التي انتشرت بصورة مخيفة في أماكن كثيرة، فصنعوا مسلسل “منتهي الصلاحية”، وراهنوا على توليفة جديدة مختلفة، فصنوا حالة مع كل ممثل في العمل، حتى أننا رأينا محمد فراج وحسن مالك وتامر نبيل ومحمود الليثي كما لم نرهم من قبل.. “منتهي الصلاحية” عمل صالح على الدوام.
“حسبة” روجينا
تؤمن روجينا أن الممثل ليس مجرد مؤدي، تؤمن أن هناك شعرة بين أن تكون هذا وأن تكون نارا تشعل مفاهيم كثيرة وتعيرها، في “حسبة عمري” ومع مي ممدوح روجينا، تشعل قوانينا وتقتحم مفاهيما لتضع أمامك مفهوما لنور يسعى ليضيء ويصحح المفاهيم.. “حسبة عمري” أكثر من مجرد عمل، لكنه مثلا لمن يتحدى الظروف والمجتمع لينصف أطرافا مظلومة.. “حسبة عمري” يحسب لجراءة روجينا التي تخطو كل يوم خطوة مهمة، ولتثبيت أركان مي ممدوح التي تدخل في حسبة المبدعات التي نفخر بهن.
قلبونا و”مفاتيح” تامر
لم يعد سرا أن المخرج تامر محسن أصبح “براند” حقيقي، أن ترى اسمه على عمل ما ـ حتى دون أن ترى هذا العمل ـ فأنت أمام ضمانة نجاح وشهادة جودة حقيقية، تامر يغزل بكاميرا شديدة الحساسية خيوطا من الأحاسيس والمشاعر التي لا تنبض، يملك مفاتيح القلوب والعقول، يخطو بثقة العارف وجهد العامل وهو يدرك أن البذرة التي يزرعها في الدراما سوف تثمر وتنبت ورودا تفوح رائحتها وتدوم.. في مسلسله الأخاذ “قلبي ومفتاحه” صنع حكاية ورواية حقيقية مست الجميع، كتبت مها الوزير معه قصائد تجعلنا نقول أن الحب بعض من تخيلنا إذا لم نجده، وأن كنا وجدناه بالفعل لاخترعناه، وجدنا حبه وحب آسر ياسين ومي عز الدين ودياب وأشرف عبد الباقي، وجدنا عملا أسرنا، ووقعنا في براثن حكاياته وتفاصيله.. تامر ومن معه علامة مضيئة ومهمة.
محمد.. نحن الشاكرين
محمد شاكر خضير، لست في حاجة أن أقول الجملة المعتادة.. “اعرفوا هذا الاسم وتذكروه”، فشاكر الشاعر والمخرج الذي تبدو ملامحه طفولية، لكن الحقيقة أن النضج فيما يقدمه ومنذ سنوات أكبر من أن نتجاهله، محمد شاكر خضير رزق حقيقي للدراما، منذ ظهوره الأول وهو يترك أثرا نحمد الله على وجوده بيننا، ويجلعنا شاكرين لمجهوده وفكره، محمد ومعه نجم الموسم مهاب طارق نسجوا “إخواتي” من خارج كل الصناديق، بصحبة حبات كريز الدراما وفاكهتها، نيللي كريم وروبي وكندة علوش وجيهان الشماشيرجي وحاتم صلاح، قدموا وجبة “إخواتي” المشبعة الطازجة التي ألتهمناها بشغف وحب، الكوكتيل الدرامي والموسيقي والتمثيلي الذي يجعلنا في سعادة ومحبة.. محمد.. نحن الشاكرين لإخواتك وفنك ومجهودك.
ولادنا
من كان يدرك أنهم يعيشون بيننا؟، من كان يدرك أن ما يحدث لهم حقيقي؟، من كان يدرك إن “ولاد الشمس” جزء مننا؟، لهم أحلامهم وطموحاتهم، إنجازاتهم ومشروعاتهم، من كان يدرك أن أبناء دور الرعاية بشر مثلنا، وربما أقوى مننا؟، مهاب طارق وشادي عبد السلام وأحمد مالك وطه دسوقي أدركوا ذلك، وأكثر.. طارق وشادي ومالك وطه لم يطرحوا قضاياهم فحسب، لم يعرضوا صورهم فحسب، بل كانوا مثلهم وأكثر، حتى شعرنا أنهم فعلا.. حتى شعرنا بكل من في العمل، وكل من في دور الرعاية، شاهدنا حكاياتهم وشعرنا بهم وعرفناهم، عرفنا “عبيد” و”مفتاح” و”ولعة” في حضن الكبير محمود حميدة، أحببنا “قطايف” وأمينة وغيرهم، أحببنا “ولاد الشمش”.. ولادنا.
صناعة نسائية
80 باكو، صنع بأياد نسائية بإمتياز، وبإخلاص أنثوي بإمتياز، صنع بفكر غادة عبد العال وإدارة كوثر يونس، بأحساسهن وشغفهن، بحماسهن وروحهم، فخرجت هدى المفتي ودنيا سامي ورحمة أحمد من رحم إيمان هذا الثنائي المدهش، وظلت انتصار “جوكر” الطريقة الدرامية على الدوام، 80 باكو حالة مهمة وشهادة حقيقية بوجود جيل قادر على التعبير عن المرأة وظروفها وأحلامها وطموحاتها في مجتمع قاس ومزعج، حالة مبهجة حقيقية تلمس القلوب وتربط على كتف كل حالمة ومهمومة، حالة افتقدتها الدراما بكل هذا العمق والتفاصيل التي لم يكن لها أن ترى النور إلا بوجود كوثر وغادة.
أشغال كوميدية شاقة
أن تخرج الضحكة من مصري مرة فهذا إنجاز، وأن تخرجها منه كل مرة، فهذا إعجاز، ربما لا يقدر عليه إلا “آل دياب”، شيرين وخالد، الثنائي الصادق المبهر الذي قدم لنا العام الماضي تجربة ظن البعض أنها سوف تكون النهاية، وليست البداية، “أشغال شقة” مسلسل يستمر ولا تمل منه، الكوميديا التي تحيي القلوب وتنعش العقول ليست سهلة، ولا يمكن إعتبارها مجرد كوميديا تنزع الضحكات ، هي ليست نكتة عابرة، أنما عمل شاق وحقيقي، متعوب عليه ويتم التحضير له بعناية فائقة، “أشغال شقة” كوميديا من نوع خاص، راقية و”مضبوطة على الشعرة”، مع هشام ماجد ومصطفى غريب وأسماء جلال وأحمد عبد الوهاب، وضيوفهم صاروا جزء من مائدة رمضان، الحلو الذي لا تستغني عنه ولا تشبع منه ولا تمل، الحلو الذي تتناوله قبل النوم لتسعد وتشفى من يوم شاق، دراما حقيقية وجذابة ومنعشة، وأن كانت شاقة على صناعها.
نص كامل
“النص من قال أنه نص؟”، المسلسل الذي خرج به المخرج حسام علي إلى النور بكتيبة من الكتاب المبدعين، وبإستراتيجية مدروسة في عالم مختلف وديكورات مختلفة وزمن مختلف وموسيقى مختلفة، هو عمل كامل متكامل، عمل حقيقي وغير مدع، عمل يستحق “نص” آخر، و”أنصاص” أخرى، أحمد أمين يعرف متى يضرب، وكيف، وضرباته تصيب دائما الهدف، هو ليس ممثل عادي، لكنه مفكر ومبدع يختار بعناية ويهتم بما يقدمه ويفعل ما يحلو له، لا ما يملى عليه، لا يعرف السهل ولا يلعب على المضمون، ما يعرفه أنه فنان حقيقي، وعليه فهو يعمل وفقا لكونه فنان حقيقي، يعمل وفقا لآليات عمل الفنان ومسؤولية الفنان، فلم يضبط بعمل مبتذل أو تم على عجل، يعطي العمل حقه، ويعطي كل من معه حقه، فكان صدقي صخر غير، وأسماء أبو اليزيد غير، وحمزة العيلي غير.. العمل الحقيقي الذي يجعلك تكتشف الكثير من تفاصيله خلفه بالتأكيد يعتمد على مخرج غير.. وحسام علي غير.
كتاب جودر
حكايات “جودر” وإسلام خيري وأنور عبد المغيث، هي كتاب درامي يمكن أن يصحبك في سفر طويل ليشغل تفكيرك ويقصر مسافاتك ويهون عليك المسافات، “جودر” يملأ فراغ السحر والتخيل، يملأ فراغ “ألف ليلة وليلة” ويصبح طبقا رمضانيا لا يمكن أن تستغني عنه بسهولة، لا يمكن أن تبعد نظرك عنه أو حتى تبتعد عنه لفترة قصيرة، كتاب دسم وضخم ومثالي لعالم لا تعرفه ولا تعلم عنه شيء، كتاب يفتح مدارك العقل ويشغل الروح بأداء مثالي لنجومه ياسر جلال ونور وأحمد بدير وياسمين رئيس ووليد فواز وغيرهم، “جودر” يؤجر أصحابه على متعته وخياله وكل تفصيلة فيه.
العدد المفتوح
“كامل العدد”، واحد وأتنين وتلاتة، والقوس مفتوح، دراما الحياة اليومية التي نسجها خالد الحلفاوي ويسر طاهر ورنا أبو الريش، أصبحت جزء من الحياة المصرية اليومية التي لا يمكن أن تبعد نظرك عنها، مستمرة بجديد يحدث كل يوم ولا تنضب ولا تشعر أنها غريبة، أو مقحمة ودخيلة، حكايات تنتظرها وتتمنى أن تطول.. “كامل العدد” مسلسل يمكن ان يستمر طويلا.. وليته يستمر.
كنوز حقيقية
كنوز الدراما المصرية كثيرة ومتنوعة أمام الكاميرات، نجوما لن تجد مثيلا لهم وخلف الكاميرات، مؤلفون ومخرجون نفخر بهم ويرفعون الرأس، لكن هناك أيضا كنوز ربما أقل شهرة، لكنها كنوزا حقيقية، من أصغر عامل في منظومة الدراما والفن المصري، إلى أكبر عنصر.. كلها كنوز حقيقية، في المونتاج كمال الملاخ وسلافة نور الدين ومرام جنيدي، وغيرهم، فىي الموسيقى كريم الوايلي وأشرف الزفتاوي وعادل حقىي، وغيرهم، في كل تفصيلة بكل مسلسل.. هناك كنز.
اقرأ أيضا: أحمد فهيم: أصبت بجلطة بعد مشهد الخناقة مع عمرو سعد في "سيد الناس"|خاص