محمود خليل الحصرى
محمود خليل الحصرى


مصحفه المرتل مرجعاً توثيقياً لا نظير له ..الحصري..القارئ المعلم

اللواء الإسلامي

السبت، 12 أبريل 2025 - 09:35 م

ارتبط اسم الشيخ محمود خليل الحصرى فى أذهان المستمعين بالمصحف المرتل، كما لم يرتبط به اسم قارئ آخر، ولا عجب، فالرجل صاحب أول جمع صوتى للقرآن الكريم، وقد نال هذه المكانة بتسجيله للقرآن كاملا مرتلا عام 1961، وعندما أنشئت إذاعة القرآن الكريم عام 1964 ظلت عدة سنوات تقتصر على إذاعة مصحف الحصرى المرتل، حتى سماها الناس «إذاعة الحصرى».

تميزت تلاوة الشيخ الحصرى بأنها نمط صارم من الوقار والرزانة، والحرص الشديد على أحكام التلاوة ومخارج الحروف، فأصبح الشيخ مدرسة متميزة المعالم مثلت جانبا مهما وجديدا فى صرح التلاوة المصرية، وانتشر صوته فى أرجاء الأرض، عبر تسجيله للقرآن الكريم مجودا ومرتلا برواية حفص عن عاصم، عدة مرات، ثم تسجيلاته للمصحف المرتل بروايات ورش، وقالون، والدورى عن أبى عمرو.

روى الأستاذ لبيب السعيد، صاحب فكرة الجمع الصوتى للقرآن، والمكلف بعد ذلك بتنفيذها، على الرغم من علم الشيخ الحصرى وإجادته وإتقانه، إلى درجة توليه مشيخة المقارئ فى وقت لاحق، وعضويته ثم رئاسته للجنة مراجعة المصاحف بالأزهر، إلا أن اللجنة المشرفة على التسجيل كانت تستوقفه ليعيد بعض المقاطع على النحو النموذجى المستهدف، وكانت هذه اللجنة مكونة من عدد من كبار علماء القراءات، هم المشايخ عبد الفتاح القاضي، وعامر عثمان، وعبد العظيم الخياط، ومحمد سليمان صالح، ومحمود حافظ برانق.. والمهتمون بعلم القراءات يعرفون جيدا المكانة العلمية لهؤلاء العلماء المعدودين فى الطبقة الأولى لأهل هذا الفن فى القرن العشرين.

القراءات السبع
تعد ختمة الشيخ الحصرى التى تبثها إذاعة القرآن الكريم من القاهرة وثيقة دقيقة لرواية حفص عن عاصم، من طريق روضة المعدل، عن الفيل.. فقد التزم الشيخ ومعه اللجنة المشرفة على التسجيل بطريق روضة المعدل فى كل كلمات الخلاف عن حفص.. وكتاب «الروضة» فى القراءات السبع تأليف الإمام الشريف أبى إسماعيل موسى بن الحسين المعدل، المتوفى سنة 480 من الهجرة.. وهو أحد طرق أبى جعفر محمد بن حميد، الملقب بالفيل عن عمرو بن الصباح عن حفص عن عاصم.. فجاءت الختمة محكومة ببعض الضوابط منها:

قصر المد المنفصل - ترك التكبير- يبسط وبسطة والمسيطرون بالسين- بمصيطر بالصاد- آلذكرين وآلآن وآلله بالإبدال- اركب معنا بالإدغام- يلهث ذلك بالإدغام- الإدراج (أى ترك السكت) عوجا قيما، ومن مرقدنا، ومن راق، وبل ران – قصر «عين» فى فاتحتى مريم والشورى- فتح الضاد فى ضعف وضعفا فى الروم- تفخيم راء «فرق»- ترك غنة اللام والراء عند الإدغام فى النون الساكنة والتنوين (وهو خلاف غير مشهور عن حفص، ورد عنه من عدة طرق كلها فى النشر)، كما ترك السكت على الساكن قبل الهمز (وهو أيضا وجه غير مشهور لحفص).

وفى السنوات القليلة الماضية، حيث الإجازات السريعة، والضعف العلمي، والأخذ المباشر عن الكتب دون شيخ عالم، والتعجل فى النقد والاستشكال، اعترض بعض الشباب المهتمين بعلم القراءات زاعمين أن «روضة المعدل» ليست من طرق كتاب النشر للإمام ابن الجزري، وأن طريق قصر المد المنفصل مع توسط المتصل للفيل من النشر يكون من كتاب «المصباح» للإمام أبى الكرم المبارك بن الحسن بن أحمد الشهرزورى البغدادي.. والحقيقة أن هذا حكم متعجل، لم يقف صاحبه على تحريرات العلماء والأئمة على أمهات كتب القراءات، وعلى رأسها النشر والشاطبية.. وفى كتابه «صريح النص فى الكلمات المختلف فيها عن حفص» قرر العلامة على محمد الضباع أن «روضة المعدل» هى من تحريرات الأزميرى زيادة على ما فى النشر، فقال نصا:

اختار ابن الجزرى رواية حفص من طريقى عبيد وعمر وعنه، واختار طريق عمرو من طريقى الفيل وذرعان عنه، واختار طريق الفيل من طريق ابن خليع من المصباح والمبهج، ومن طريق الطبرى من الوجيز والكامل والمستنير، ومن طريق الحمامى من المستنير والكامل والمصباح والتذكار وكفاية أبى العز وجامع ابن فارس وغاية أبى العلاء، وكذا من روضة المالكى وروضة المعدل على ما حرره الأزميرى زيادة على ما فى النشر» .

طريق الروضة
والعلامة الأزميرى المتوفى سنة 1156 هجرية، هو أحد كبار المحررين فى تاريخ هذا الفن، وقد ارتضى تحريراته التى ضمنها كتابه «عمدة العرفان فى تحرير أوجه القرآن» وشرحه «بدائع البرهان فى تحديد أوجه القرآن» كبار أئمة القراءات فى العالم الإسلامى عموما وفى مصر خصوصا، واعتمدوا «روضة المعدل» طريقا من طرق النشر عن الفيل، عن عمرو عن حفص عن عاصم، ومنهم العلامة محمد المتولي، ومحمد خلف الحسيني، والضباع، والزيات، وعامر عثمان، وإبراهيم شحاتة السمنودي.. بل بلغ الأمر بالمتولى أن يقول: «نحن أزميريون».. وإذن، فاختيار «روضة المعدل» لم يكن قراراً فردياً للشيخ الحصرى، وإنما كان قرارا جماعيا للجنة كبار العـلمــاء المشــرفـين على التسجيل.

وفى ظنى أن اختيار طريق روضة المعدل جاء لكون الروضة أحد طرق قصر المد المنفصل لحفص، وهو أمر مهم جدا، وسبب جوهرى لانتشار الختمة، واقتداء الجماهير بها، فى قراءة الحدر، لاسيما فى إمامة الصلوات عموما، وصلاة التراويح على وجه الخصوص، وفى كل موقف يراد فيه ختم القرآن دون إرهاق أو إطالة.. كما أن «الروضة» تعطى وجه قصر المنفصل دون أن ترتب عليه أى وجه غير مشهور قد يستغربه المستمع، مثل الغنة عند اللام والراء، أو السكت على الساكن قبل الهمز كما فى قراءة حمزة... كان اختيار طريق روضة المعدل ينم عن تفكير عميق، ورؤية ثاقبة عند كبار علماء القراءات فى مصر من نحو ستة عقود.

وقد تعجب بعض المشتغلين بعلم القراءات من التزام الشيخ الحصرى بتوسيط المد المتصل، لأن الشيخ الضباع فى «صريح النص» لم يذكر لطريق الروضة إلا الإشباع، أى المد ست حركات كما عند حمزة وورش من طريق الأزرق.. لكن المتعمقين فى هذا الفن ردوا على المعترضين بكلام للضباع أيضا ومن نفس الكتاب «صريح النص» حيث قال فى صفحة 44: «جميع ما ذكرته فى هذا الملخص من التفريع والأحكام مبنى على الأصول التى ذكرها أئمة الأداء فى كتبهم، من غير نظر إلى ما اختاره الإمام ابن الجزرى فى المدين من وضعه رتبة فويق قصر المنفصل إلى رتبة قصره، ورتبة فويق توسطه إلى توسطه، ورتبتى فويق توسط المتصل وإشباعه إلى رتبة توسطه، وقد تبعه على ذلك جماعة من المتأخرين، وهو جائز معمول به، ولا يخفى التفريع عليه لمن تأمل».. كما ردوا بما قرره علماء كبار من أمثال الشيخين عامر عثمان والسمنودي» وغيرهم.

ختمة الحصرى
وبسبب أداء الحصرى الذى بلغ الغاية، وبسبب الدقة الشديدة من اللجنة المشرفة، أصبح مصحف الحصرى المرتل مرجعا معياريا توثيقيا تعليميا لا نظير له فى تاريخ التسجيلات القرآنية، إلى حد أن مجرد الإكثار من الاستماع إليه يرتفع بمستوى التجويد ومخارج الحروف عند المستمع.. فالرجل يقرأ القرآن بحروف واضحة مشرقة قد خلصها من بعضها كأنه يقرأ حرفا حرفا لا كلمة كلمة.

فنيا، بدأ الشيخ الحصرى ترتيله بداية حذرة من مقام الراست، وبمكث طويل مع المقام، قبل أن يرواح بينه وبين البياتي، دون تصعيد صوتى أو درامي.. وأظن أن من يكرر الاستماع إلى ختمة الحصرى كاملة سيرى أن الرجل قرأ الأجزاء الأولى وهو حذر جدا، لا يطلق العنان لصوته.. ربما بسبب الهيبة التى تفرضها جدة التجربة، وشعوره بمسئولية تاريخية وهو يتصدى لأول جمع صوتى للقرآن، أمام لجنة من أكابر علماء القراءات فى مصر.. واصل الشيخ ترتيله الحذر خلال سورة البقرة كلها، وسورة آل عمران كلها، ونحو 25 آية من سورة النساء، أى أربعة أجزاء كاملة.. لكنه –ومع دخوله الجزء الخامس- شرع فى تصعيد صوتى وتعبير هادئ متدرج.. وبمرور الوقت ازداد اطمئنانا، وتلقف مقام النهاوند فارتاح له وتمسك به فى مواضع كثيرة طويلة، وحلق به فى آفاق تعبيرية شديدة الرقة والوقار.


بمعيار الثراء النغمي، يعد المصحف المرتل للشيخ الحصرى محدودا جدا، لاسيما إذا ما قورن بترتيل الشيخين مصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوي.. فالختمة كلها تقريبا دارت فى ثلاثة مقامات فقط، هى البياتى والراست والنهاوند، ولا يجد المستمع فيها مقاطع بمقام الصبا مثلا، أو الحجاز، أو السيكاة.. كما نجد أن الشيخ يمكث مع المقام الواحد فترة طويلة جدا، وكثيرا ما يقرأ أرباعا متواصلة بنفس المقام قبل أن يغادره إلى غيره.. وبالرغم من كل هذا، لا يشعر المستمع معه بالنقص، فقد عوض هذا التواضع النغمى بعدة عوامل، من أهمها صفاء صوته، وهيبة قراره، وجمال تعبيره، وتصعيده المتأنى داخل المقام الواحد، وقبل كل هذا جلاء حروفه ووضوح مخارجه، وإلباس كل حرف صفاته بدرجة بلغت حد الكمال.


وقد اتحدت كل هذه العوامل مع عامل الأولية والسبق، لتعطى ترتيل الحصرى تلك المكانة الكبيرة بين شعوب العالم الإسلامى كله.. وبعد مرور نحو ستة عقود على إنجاز هذا العمل العظيم، ومرور نحو أربعة عقود على رحيل الشيخ محمود خليل الحصري، أمست هذه الختمة المرتلة جزءا من الوجدان الروحى والدينى للمصريين والعرب والمسلمين، وجزءا مهما من صرح التلاوة المصرية العريقة.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة