محمود علي البنا..صوت رخيم .. وأداء فخيم
الأربعاء، 30 أبريل 2025 - 03:15 م
بوابة أخبار اليوم
بقلم هيثم أبو زيد
تكاد كلمة المهتمين بفن التلاوة أن تتفق على أن الميزات الأساسية فى أداء القارئ المصرى الشيخ محمود على البنا هى الحُنو والرفق، والأداء الهادئ الرصين، والتجويد المنساب فى تؤدة واطمئنان.. فالرجل لا ينتمى إلى أصحاب الأصوات الجبارة، ذات المساحات العريضة، ويخلو صوته بالكلية من أى قدر من المعدنية، كما أن أداءه لا يحمل تلك الدرجة الكبيرة من التعقيد الذى يجده المستمع فى تلاوة الشيخين مصطفى إسماعيل وعبد الفتاح الشعشاعى مثلا.. صحيح أن تسجيلاته القديمة تنبئ بأن صوته كان يتمتع بقدر أكبر من الجهارة واللمعان، لكن تسجيلاته بعد منتصف الخمسينيات افتقدت إلى ميزات القوة، لتحل محلها ميزات الدفء والعمق والاستواء المهيب على دكة التلاوة.
وفى الإجماعات الجماهيرية كذلك، اتفق المستمعون على وصف صوت الشيخ بـ»الرخيم»، حتى تتواتر تلك اللفظة عند الحديث عن الرجل بدرجة استثنائية لا تتكرر مع قارئ آخر. وعلى الرغم من عشوائية الأوصاف الشعبية والجماهيرية، إلا أن هذا الوصف تحديدا، يأتى دقيقا جدا إذا أطلق على صوت محمود على البنا، فالرخيم وفقا لعدد من القواميس العربية هو اللين، السهل، الرقيق، العذب، سهل المنطق، ورخَّم المغنى صوته أى سهله ولينه، وأرخمت النعامة على بيضها، أى حضنته.. كذلك صوت البنا، يضرب بجناحيه على آذان المستمع، ويحتضنه فى رفق ولين، ثم يزداد جمالا واختمارا بتلك «الخنفة» المميزة، التى قد تعد عيبا فى صوت أى مطرب أو قارئ، فصيرها الشيخ ميزة أساسية فى صوته، تحبها الجماهير وتلتذ بها.
الصف الأول
ظهر الشيخ محمود على البنا فى تلك الحقبة الذهبية، المتسمة بالغربلة والفرز، إذ لم يكن ممكنا لقارئ أن يحقق شهرة واسعة إلا إذا كان من تلك الطبقة الاستثنائية المنتقاة عبر «مرشحات» شيوخ القرية، ثم المراكز المجاورة، ثم عاصمة الإقليم، ثم القاهرة، بكل ما تعنيه من هيبة وازدحام بالأصوات الكبيرة، وكذلك بإذاعتها التى لم تكن تقبل إلا بالمستوى الرفيع، من نخبة القراء الكبار المتميزين، حيث كان كل قارئ يمثل إضافة حقيقية مختلفة، وفى حقبة لم تكن قد عرفت التسجيلات الإذاعية، فكان الغناء والإنشاد والتلاوة والأذان كلها على الهواء مباشرة، حيث لا مجال للخطأ والتصويب والمراجعة والمونتاج.. كان أقل قارئ من قراء الصف الثالث فى تلك الفترة، أفضل وأقوى من كل قراء (الصف الأول) الحاليين، وفى هذا المناخ ظهر البنا؛ الشاب الصغير، الذى يحتاج أن يثبت وجوده وشخصيته بين أعلام كبار من طراز الشعشاعي، ومصطفى إسماعيل، وأبو العينين شعيشع، ومحمد عكاشة.. لكنه أجاد وتفوق، وهضم تأثره ببعض معاصريه، لتخرج تلاوته طازجة بلا استنساخ ولا تقليد، رغم ما عرف عنه طوال حياته من قدرة كبيرة على المحاكاة، تلك القدرة التى كان يظهرها أحيانا على سبيل الدعابة فى مجالس خاصة وضيقة، بعد أن تمرس بها صبيا، حتى يقول عن نفسه إنه كان قادرا على تقليد أى صوت يسمعه، ليس من القراء فقط، بل كان يقلد المطربين، وعلى رأسهم أم كلثوم وعبد الوهاب.
وقبل القاهرة، كان البنا قد مر بمرحلة تأسيسية مهمة عندما رسب فى اختبار الرياضيات، فقرر أن يتفرغ تماما للتلاوة، ورحل من قريته شبرا باص بمحافظة المنوفية إلى مدينة طنطا، ليدرس القراءات على يد شيخ شيوخها بالمسجد الأحمدى إبراهيم سلام، وبالطبع كان لهذه المرحلة أثرها فى توثيق علاقة البنا بمدينة طنطا والمسجد الأحمدى وجماهيره الغفيرة.
الاعتماد الإذاعي
امتلك الشيخ خامة صوتية نادرة، وطوعها لأدائه الفريد، فصار أسلوبه فى التلاوة شديد الخصوصية، لا يصلح للتقليد أو المحاكاة، فهو يبدأ تلاوته بقرار يتسم بالدفء والرقة، ثم يتصاعد على مهل إلى الطبقة الوسطى، التى تشكل الجانب الأكبر من تلاوته، قبل أن يصل إلى الجوابات، التى تأتى فى حنو ورفق، لا سيما وأن «خنفته» اللذيذة تزيد كلما تصاعد إلى مناطق أشد حدة، لكن عموم تلاوته تشير إلى أنه يفضل أن تأتى الجوابات متباعدة زمنيا، فالشيخ لم يكن من هواة «الزعيق» ولا الحدة الصوتية أو الأدائية، على الرغم من جمال أدائه فى هذه المساحة، حتى وصفه شيخ القراء أبو العينين شعيشع قائلا: «صوته فى الجواب كأنه ناي». أحب الشيخ فن تلاوة القرآن، وتطلع منذ صباه إلى أن يكون «صيتا» مشهورا، فأخذه طموحه منتصف الأربعينيات إلى القاهرة، حتى يكون قريبا من سهرات كبار القراء، من طبقة عبد الفتاح الشعشاعى ومحمد سلامة ومحمد عكاشة، وكان يتتبع محافلهم فى أحياء القاهرة، وينبهر بالمستوى الرفيع لأدائهم، ثم يعود إلى منزله ليبدأ محاولة استعادة ما سمعه من خلال ذاكرته القوية، وحقق قدرا من الانتشار فى منطقة شبرا، وفى أوساط رواد مساجدها إلى أن التحق بجمعية الشبان المسلمين، وأصبح قارئها المنتظم، ثم أدت المصادفة دورها حين نقلت الإذاعة احتفالا للجمعية عام 1948، فاستمعت الجماهير إلى الشيخ الذى لم يجاوز 22 عاما، فكانت تلك التلاوة فاتحة الطريق إلى الاعتماد الإذاعي، وتحقيق الشهرة الواسعة.
مجلة الإذاعة
لكن الإذاعة المصرية لها تقاليد صارمة، والقراء المعتمدون لديها مرتبين على فئات، أولى، وثانية، وثالثة، واعتماد شاب صغير مثل البنا لا يعنى أن يتساوى فى أوقات البث مع القراء الكبار القدامى، فإذا كانت الجماهير ستستمع إلى الشعشاعى مرة كل أسبوع، فإنها قد تستمع إلى البنا مرة كل عدة أشهر.. وهنا، تلعب المصادفة دورها مرة أخرى، حيث كان القراء الكبار من أمثال المشايخ أبو العنين شعيشع، وعلى حزين، وعبد العظيم زاهر، يتقاضون 6 جنيهات مصرية عن كل تلاوة، وكان الشيخ الشعشاعى - لسنه ومكانته - يتقاضى 12 جنيها، فوجئ القراء بخبر منشور فى مجلة الإذاعة، يفيد أن الشيخ مصطفى إسماعيل قد تعاقد مع الإذاعة، مقابل 16 جنيها عن التلاوة الواحدة، أثار هذا حفيظة القراء، فقرروا مقاطعة الإذاعة، فكانت هذه المقاطعة سببا لتكرار الاستماع إلى صوت البنا عدة مرات فى الأسبوع، لمدة شهر كامل، واتسعت شهرته بسرعة استثنائية. اختصرت هذه المصادفة على الشيخ الشاب مسافات طويلة، وأصبح رقما مهما على خريطة فن التلاوة المصرية، وطار صوته إلى البلاد العربية والإسلامية، فدعى للتلاوة فى المسجد الحرام والمسجد النبوى والمسجد الأقصى والمسجد الأموي، وانهالت عليه الدعوات إلى مختلف بلدان العالم الإسلامي، فقرأ وسط حشود كبيرة فى إندونيسيا وماليزيا والهند، كما زار عددا كبيرا من البلدان الغربية.
الختمة المرتلة
وعلى الرغم من هذه المسيرة الغنية، إلا أن تسجيل الشيخ للمصحف المرتل مثل خطوة مهمة فى تاريخه، وقد جاءت الفكرة بطلب من الرئيس جمال عبد الناصر بعد أن قرأ البنا فى عزاء والد الرئيس، وفوجئ بأن ناصر يطلب أن يستمع إلى تلاوة مرتلة، وهو أمر غير معتاد فى محافل العزاء بمصر، وبعد أسابيع كانت الرئاسة قد رتبت كل شيء، وأتم البنا الختمة المرتلة الخامسة، بعد الشيوخ محمود خليل الحصري، ثم مصطفى إسماعيل، ثم عبد الباسط عبد الصمد، ثم محمد صديق المنشاوي، وصار البنا واحدا من القراء الخمسة، الذين تبث إذاعة القرآن الكريم بمصر ختمتهم المرتلة، بصفة دورية بلا انقطاع لسنوات وعقود، وأصبح جزءا من الوجدان العام، واتسمت الختمة المرتلة للبنا برخامة الصوت، وهدوء الأداء وحنوه، كما تميزت عن نظيراتها بسرعة نسبية فى إيقاعها.. وحرص الشيخ فى تسجيله على المراوحة بين عدة مقامات موسيقية، حتى لا يدب الملل إلى نفس المستمع.
وبعد أن قرأ الشيخ البنا قرآن الجمعة فى عدد من مساجد القاهرة، عين قارئا لمسجد الرفاعي، ثم نقل ليصبح القارئ الأساسى لمسجد السيد البدوى فى طنطا، التى عرفه جمهورها جيدا، وظل لسنوات عديدة يشارك فى إحياء ذكرى أستاذه إبراهيم سلام التى تقام بالمسجد الأحمدي، ثم توجت مسيرته بالتعيين قارئا لمسجد الإمام الحسين خلفا للشيخ محمود خليل الحصري، وبقى قارئا للمسجد الأهم حتى وفاته عام 1985.
مرحلة أولية
فى تجويده وترتيله، غزا الشيخ محمود على البنا قلوب الجماهير، وامتلك وجدانهم بتلاوته المتسمة بالرفق والحنو والدفء والهدوء، مرسيا أسلوبا شديد الخصوصية، لا تستسيغه الجماهير إلا منه، ولا تقبله إلا بصوته.. بدأ حياته بتقليد أداء كبار القراء، لكنه آمن أن التقليد مرحلة أولية، لا ينبغى أن تستمر أو تطول، ثم اختار لنفسه طريقته المتميزة، العصية على المحاكاة فى تلاوة حقيقية وجماهيرية وإذاعية، لا فى مجلس للسمر.. لذلك، لم يبزغ قارئ يقلد طريقته، ولم يصل إلى الإذاعة صوت يحاكى أسلوبه، ليبقى الشيخ وحيدا فريدا، تتوالى العقود، دون أن تنسى الجماهير تلاواته المؤنسة الرفيقة، ولا صوته الذى يغرد كما يغرد الناي.