عودة ظاهرة «المخرج المؤلف» :فقر فى النصوص أم تكامل يصب فى مصلحة العمل؟!

لقطة من فيلم «آل شنب»

الأحد، 04 مايو 2025 - 05:00 م

الأخبار

على حلبى وأحمد عدوى لم تكن ظاهرة «المخرج المؤلف» غريبة أبدًا على السينما المصرية،  فعلى مدار تاريخها تومض هذه الظاهرة ثم سرعان ما تنطفئ،  كان هذا فى العصر الذهبى للسينما المصرية وأبرز التجارب كانت مع المخرج يوسف شاهين الذى قام بكتابة معظم أفلامه التى قام بإخراجها ومنها على سبيل المثال «عودة الابن الضال»، «الناصر صلاح الدين»، «حدوتة مصرية»، «المهاجر» و«المصير» وغيرها من الأعمال،  أيضا المخرج داوود عبد السيد كانت له بصمته فى هذه الظاهرة فكتب وأخرج «الكيت كات» و«أرض الخوف» و«رسايل البحر» و«مواطن ومخبر وحرامى» وغيرها من الأعمال، ولم تتوقف الظاهرة هنا بل شملت مخرجين آخرين منهم هنرى بركات ويسرى نصر الله ورأفت الميهى وصلاح أبو سيف وعدد آخر من المخرجين. ورغم أن هذه الظاهرة قد توارت قليلًا واقتصرت على عدد قليل من المخرجين مثل شريف عرفة الذى قدم من تأليفه وإخراجه أفلامًا مثل «اللعب مع العيال» و«الممر» و«الجريمة» ومحمد أمين الذى قدم «ليلة سقوط بغداد» و«بنتين من مصر» و«فبراير الأسود» إلا أنها عادت مع المخرج بيتر ميمى الذى قدم عددًا من الأعمال من تأليفه وإخراجه مثل «الهرم الرابع» و«القرد بيتكلم» و«حرب كرموز» و«موسى»،  وأيضا المخرج عمرو سلامة الذى قدم من تأليفه وإخراجه عددًا من الأعمال منها «زى النهارده» و«أسماء» و«مصور قتيل» و«شيخ جاكسون» و«بره المنهج» و«شماريخ». اقرأ أيضًا| للمرة الخامسة..  كريم عبد العزيز وبيتر ميمي يجتمعان في فيلم «المشروع X»  وفى العامين الماضيين أقدم عدد من المخرجين على كتابة أعمالهم بأنفسهم ليخوضوا تجربة المخرج المؤلف ومنهم المخرج وليد الحلفاوى بفيلم «وش فى وش» لمحمد ممدوح وأمينة خليل والمخرج عمر هلال بفيلم «فوى فوى فوى» لمحمد فراج ونيللى كريم والمخرجة آيتن أمين بفيلم «آل شنب» لليلى علوى والمخرجة هبة يسرى بفيلم «الهوى سلطان» لأحمد داود ومنة شلبى والمخرجة جيلان عوف بفيلم «الفستان الأبيض» أيضا المخرج عبد الرحمن محمد بفيلم «استنساخ» لسامح حسين وتنتظر السينما خلال الأيام المقبلة فيلم «المشروع إكس» لكريم عبد العزيز من تأليف وإخراج بيتر ميمى وأيضا فيلم «أسد» للفنان محمد رمضان ومن تأليف وإخراج محمد دياب. ومع عودة ظهور فكرة المخرج المؤلف من جديد هل يصب ذلك فى مصلحة العمل السينمائى عملًا بمبدأ أن المخرج المؤلف يستطيع التعايش مع كل مشهد مما يصب فى مصلحته!! أم تعد هذه الظاهرة جائرة على عمل المؤلف؟! يرى الناقد الفنى طارق الشناوى أن ظاهرة قيام المخرج بكتابة السيناريو الخاص بالفيلم الذى يقوم بإخراجه ليست ظاهرة طارئة أو جديدة على الساحة الفنية، بل تمتد جذورها إلى تاريخ طويل فى صناعة السينما العالمية، فقد شهدت السينما الأوروبية والأمريكية، منذ منتصف القرن الماضى، نماذج عديدة لما يسمى بـ«فيلم المؤلف»، وهو مصطلح يشير إلى سيطرة المخرج على كل عناصر العملية الإبداعية، بدءًا من الفكرة، ومرورًا بكتابة السيناريو، وصولًا إلى تنفيذ الرؤية الإخراجية الكاملة. ويضيف الشناوى موضحًا وجهة نظره قائلاً: «علينا أن نتحلى بالصبر وألا نستبق الأحداث، فالحكم الحقيقى على أى تجربة سينمائية لا يمكن أن يكون نظريًا أو مسبقًا، لا بد من مشاهدة العمل الفنى، وتحليله على أرض الواقع، وفهم تفاصيله، حتى نتمكن من تقييمه بإنصاف وبالتالى فإن إصدار أحكام عامة الآن حول هذه الظاهرة دون أن نرى نتائجها على الشاشة يعد أمرًا غير دقيق». ويرى الشناوى أن التجربة قد تنجح أو تفشل بحسب الموهبة الفردية للمخرج وقدرته على التوفيق بين مهارات الكتابة والإخراج. من جهتها، ترى الناقدة السينمائية خيرية البشلاوى أن الجمع بين التأليف والإخراج فى عمل واحد يمثل مخاطرة فنية كبيرة، تحتاج إلى قدر عال من الوعى والتمكن، وتقول: «فكرة أن يكون المخرج هو نفسه مؤلف الفيلم الذى يقوم بإخراجه هى تجربة محفوفة بالتحديات، فليس من السهل الجمع بين الدورين بنجاح، لأن لكل منهما أدواته ومنهجيته المختلفة»، وتضيف: «قد ينجح البعض فى هذه المغامرة ويخرجون لنا أعمالاً مبهرة، بينما قد يتعثر آخرون ممن يفتقدون الحس الكتابى العميق أو القدرة على بناء سيناريو متماسك دراميًا». وتتابع البشلاوى: «على الرغم من هذه التحديات، فإننى أرى أن هذه الظاهرة يمكن أن تكون فرصة لإنتاج أعمال شديدة الخصوصية، تعبر عن وجهة نظر المخرج بشكل أكثر تكاملًا وصدقًا، لذلك، أتمنى بالفعل أن نرى فى المستقبل القريب أفلامًا ذات جودة عالية ومستوى فنى راق، تنجح فى تحقيق التوازن بين الجانبين الإبداعى والتقنى، وتسهم فى دفع عجلة السينما المصرية والعربية إلى الأمام». أما الناقد والكاتب السينمائى محمود قاسم، فقد عبر عن رأيه بشىء من التحفظ والقلق تجاه هذه الظاهرة، مؤكدًا أن هناك فجوة واضحة بين قدرات بعض المخرجين ومهارات الكتابة المطلوبة لابتكار سيناريو محكم، مع التأكيد على أن هذا الأسلوب كان رائجًا بين كبار المخرجين، مثل الفرنسى فرانسوا تروفو، والروسى أندريه تاركوفسكي، وغيرهما ممن اعتبروا أن الفيلم يجب أن يعبر عن رؤية مخرجه الشخصية بشكل شامل خلال القرن الماضى. ويقول قاسم: «الكثير من المخرجين الذين قرروا أن يكتبوا أفلامهم بأنفسهم ليست لديهم الخلفية الأدبية أو الأدوات الفنية الكافية التى تؤهلهم للقيام بمهمة كتابة السيناريو بالشكل المطلوب، مما يؤدى فى كثير من الأحيان إلى خلل واضح فى البناء الدرامى للفيلم». ويضيف قاسم محذرًا: «أخشى أن يستمر هذا الاتجاه دون مراجعة نقدية صارمة أو تقييم موضوعى للتجارب السابقة، مما قد يؤدى إلى انخفاض مستوى الأفلام التى تطرح فى السوق، ويفقد السينما شيئًا من توازنها الفنى»، ويؤكد أن التجربة فى مصر حتى الآن لم تثبت نجاحًا حقيقيًا، على العكس، فقد أظهرت بعض الأفلام الناتجة عن هذا الأسلوب ضعفًا فى السيناريو وتكرارًا فى الأفكار، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة المنتج السينمائى ككل. ويختم قاسم حديثه بالتأكيد على أهمية التخصص، قائلاً: «التعاون بين المؤلف والمخرج هو الضمان الحقيقى لإنتاج عمل متماسك ومبدع، فكل منهما يكمل الآخر، ويسهم فى خلق فيلم ناجح وقادر على جذب الجمهور وتقديم قيمة فنية حقيقية».