مؤامرات الطرق البديلة
مؤامرات الطرق البديلة


مؤامرات الطرق البديلة.. رهانات خاسرة

محمد رمضان

الأربعاء، 04 يونيو 2025 - 09:37 م

عبر سنوات طويلة، مثلت قناة السويس جسرًا جغرافيًا وتاريخيًا بين قارات العالم القديم، «آسيا، وإفريقيا، وأوروبا»، لكنها لم تسلم من لحظات قاسية، كانت إحداها تلك التى سبقت عام 1973، ثم جاء يوم السادس من أكتوبر، ليحول ضفافها إلى مسرح تزين لسيمفونية العبور، وعقب الانتصار بدأت مصر رحلة تأهيل القناة لإعادة تشغيلها فى الخامس من يونيو عام 1975.


مرت السنوات وقناة السويس تحقق قفزات اقتصادية وبحرية فارقة، إلا أن حرب غزة عام 2023 أزاحت الستار عن أحدث المخططات لتعطيل القناة واستخدامها كورقة ضغط على مصر فى ملف «التهجير»، تارة بـ«شو إعلامى عالمي» يقدم بدائل للقناة وأخرى بخلق «توتر مصطنع» يؤثر فى حركة التجارة البحرية عبر البحر الأحمر وصولا إلى البحر المتوسط.


وفى هذا الإطار، أكد د. حمدى برغوت، خبير النقل البحرى واللوجستيات، أن قرار إغلاق قناة السويس بعد نكسة 1967 لم يكن عشوائيًا، بل جاء بعد أن قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إغراق عدد من السفن داخل المجرى الملاحي، لمنع أى دولة من إجبار مصر على فتح القناة أمام السفن الإسرائيلية، وقال: «قد تبدو هذه الفكرة غير دبلوماسية، لكنها فى حينها كانت وسيلة قوية لمنع الضغط السياسى والعسكرى على مصر».
وأضاف فى تصريحات خاصة لـ«الأخبار» أن إعادة تشغيل القناة فى عام 1975 استلزمت تطهيرها من السفن المُغرقة والألغام ومن بقايا الحروب، سواء الاستنزاف أو حرب أكتوبر، وأشار إلى أن العملية شاركت فيها معدات مصرية وفرنسية، وطائرتا هليكوبتر أمريكيتان، إضافة إلى غطاسين محترفين من هولندا، لافتًا إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات اختار الخامس من يونيو عام 1975 كيوم رمزى لإعادة افتتاح القناة، بهدف محو ذكرى نكسة 1967، مشيرًا إلى أن مصر نظمت احتفالًا عالميًا ضخمًا بهذه المناسبة، دعت إليه زعماء وملوك العالم، من بينهم رضا شاه بهلوي، شاه إيران آنذاك.
وأوضح «برغوت» أن قناة السويس، بعد إعادة تشغيلها، عادت لموقعها الريادى فى التجارة العالمية، وبدأت منذ ذلك الحين محاولات ومخططات خبيثة لخلق بدائل عنها بهدف الضغط على مصر، خاصة فى فترات الأزمات السياسية أو الاقتصادية، لكن هذه البدائل لم تكن سوى «مشروعات دعائية فاشلة»، مشيرًا إلى أن أول هذه البدائل هو طريق رأس الرجاء الصالح، الذى يُعد بديلًا طبيعيًا لكنه طويل للغاية، وتشكو منه كبرى شركات الشحن العالمية بسبب طول المسافة وارتفاع التكلفة.
وتابع: أن هناك من يروج لما يسمى بطريق الحرير الصينى القديم، وهو طريق لم يُستخدم إلا قبل 800 عام من الميلاد، وكان يعتمد على نقل البضائع بحرًا من الصين والهند إلى برديس بجنوب مصر، ثم تُنقل برًا بالجمال إلى المناخ (بورسعيد حاليًا)، ومنها إلى أوروبا، مؤكدًا أن هذا الطريق كان يتوقف تلقائيًا فى حال مرور مصر بأزمات، مما يثبت أن مصر كانت وستظل محور هذا المسار، وأن البدائل كانت تظهر فقط حال الرغبة فى الضغط على القاهرة.
ولفت خبير النقل البحري، إلى أن البديل الثالث هو الطريق الشمالى الذى ينطلق من روسيا إلى ألمانيا عبر المحيط المتجمد الشمالي، وقال إن هذا الطريق لم يكن صالحًا حتى عام 2000 بسبب الكتل الجليدية الهائلة، لكن مع التغير المناخى بدأت موسكو فى تشغيله باستخدام كاسحات جليد متخصصة، إلا أن إجمالى السفن التى مرت خلاله بين عامى 2000 و2015 لم يتجاوز 100 سفينة فقط، وهو رقم هزيل يؤكد فشل الاعتماد عليه، واصفًا ما يسمى بطريق الحرير الجديد بأنه مجرد «بروباجندا»، يبدأ من الهند مرورًا بالإمارات، ثم يتم النقل برًا إلى إسرائيل، ومن هناك إلى أوروبا، مشيرًا إلى أن طاقته الاستيعابية لا تتعدى 35 مليون حاوية سنويًا، وهى نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بما تنقله قناة السويس.
وأوضح أن هناك أيضًا ما يُعرف بالقناة البديلة من البحر الأحمر إلى العقبة، ثم إلى أشدود الإسرائيلية، ومنها إلى أوروبا، لكنه أكد أن هذه الفكرة صعبة التنفيذ علميًا، بسبب الطبيعة الجيولوجية الصخرية للمنطقة، وانتشار الزلازل بها، فضلًا عن وجود شرخ بركانى ضخم، مما يجعل المشروع خطرًا جغرافيًا على المنطقة بأكملها، وكشف أن هناك تفكيرًا فى إنشاء خط قطار لنقل الحاويات بين العقبة وأشدود، لكنه أكد فشله من الناحية اللوجستية، لأن القطار الواحد لا يمكنه حمل أكثر من 75 حاوية، مضيفًا: «حتى لو افترضنا مضاعفة عدد الحاويات إلى 150، وزيادة أيام السنة إلى 500 يوم، وتشغيل 10 قطارات يوميًا، فلن يُنقل أكثر من 750 ألف حاوية سنويًا، وهو ما يُعد لا شيء أمام قناة السويس».
وشدد د. حمدى برغوت، على أن كل هذه المشاريع البديلة «فاشلة ومكلفة»، ولا تظهر إلا عندما تُستخدم كأدوات ضغط على مصر، وقال: «كما يجرى اليوم من توظيف جماعة الحوثيين لتعطيل التجارة البحرية، فى محاولة لخلق أزمات وفرض واقع جديد ضمن مشروع ما يسمى بـ(الشرق الأوسط الجديد)، وهو ما ترفضه مصر تمامًا».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة