ابتعدوا عمّن يكنزون وديعة اليأس داخلهم!

عاطف محمد عبد المجيد

السبت، 07 يونيو 2025 - 11:17 م

الأخبار

لا يدركون كم من الكوارث التى قد تُرتكب بسبب نشر خبر كاذب وملفق لأحدهم. من المقولات التى لا أنساها للكاتب والروائى العراقى الأصل فرنسى الجنسية جبار ياسين ما قاله لى ذات يوم: الإنسان الذى لا يُناضل من أجل أخيه الإنسان لا يستحق الحياة، ولا يساوى إلا صفرًا. الجميل فى هذه المقولة أنها تحدد قيمة الإنسان بقدر ما يقدمه لبنى جنسه، بقدر ما يفيدهم وينفعهم، وإذا ما انعدم نفعه وفائدته للآخرين بات بلا قيمة، وبهذا فهو ليس مفيدًا، بل أصبح عالةً يقتات على حيوات الآخرين، وربما لم يكتفِ بعدم نفعه لهم، بل راح ليتحول إلى مصدر مُشعٍّ للأذى، يتجنبون وجوده ورؤيته. بالتأكيد ليس النضال هنا معناه أن يخوض أحدنا حربًا من أجل آخرين، وقد يحدث هذا إذا استدعى الأمر، إنما هناك صور متعددة للنضال، أبسطها الشد من أزره وقت تعرضه لمشكلة ما، مواساته حال مروره بظرف صعب، وجعْله يشعر دائمًا أنه ليس وحيدًا فى عراكه مع الحياة، بل هناك من يقف معه كتفًا بكتف، من هو مستعد لنجدته فى أى لحظة. «مثل يابانى» «ابحثْ سبع سنوات قبل أن تُصدّق خبرًا»، هذا ما ينصحنا به المثل اليابانى خاصة فى هذا الزمن الذى ساهمت فيه وسائل التواصل الاجتماعى فى سرعة انتشار الأخبار، حتى قبل التأكد من صحتها وتَحرّى دقتها. الآن يقوم كثيرون من رواد الفيسبوك تحديدًا بمشاركة العديد من الأخبار على صفحاتهم، ليس قبل التأكد من صحتها، بل حتى قبل أن يُكملوا قراءتها، وكم نشر بعضهم أخبارًا لا أظن أنهم قرأوا محتواها أو فهموا معناها. هؤلاء لا يعرفون مدى تأثير ما يفعلون على المجتمع وعلى أفراده، ولا يدركون كم من الكوارث التى قد تُرتكب بسبب نشر خبر كاذب وملفق لأحدهم. هؤلاء أيضًا لا يقدّرون قيمة الكلمة وحجم تأثيرها، وكأنهم يحملون فوق ظهورهم أسفارًا لا يعرفون عن مضمونها شيئًا، وهم بهذا يستسهلون ما يفعلون، ظانين أنهم لا يفعلون شيئًا ضارًّا، أو أنهم يفعلون هذا من قبيل التسلية وإضاعة الوقت، وأن الأمر سيمر هكذا دون أن يُحاسبوا على كل لفظة نطقت بها ألسنتهم، حتى ليَصدق فيهم قوله تعالى «وتحسبونه هيّنًا وهو عند الله عظيم». «سرقة السعادة» فى عبارة بسيطة للغاية، غير أنها تحمل الكثير من الحكمة والتعقل ينصح أحدهم قائلًا: لا تدعْ حزن الماضى ولا الخوف من المستقبل يسرقان سعادة الحاضر.. وحين نقرأ هذه العبارة بهدوء نتأكد بالفعل أن الحزن أو الندم على ما فات لن يُغير فى الأمر شيئًا، خاصة أننا ندرك، تمام الإدارك، أن الماضى انتهى ولن يعود مرة أخرى، كذلك ما جدوى خوفنا من المستقبل الذى لا نعرف عن تفاصيله شيئًا؟، وهل سيحدث ما نتوقعه حرفيًّا، أم سيحدث غيره، أم لا هذا ولا ذاك من الأساس؟ إذن تتطلب الحكمة من الإنسان أن يعيش حاضره وواقعه بكل ما فيه وكما هو، وعليه فقط أن يستفيد مما حدث فى ماضيه حتى لا يُعيد أخطاءه أو يتعثر فيها، وعليه ألا يشغل باله كثيرًا بالتفكير فى قادمٍ اللهُ وحده هو الذى يعلم ما الذى سيكون فيه. «الملكة» ربما يظلم كثيرون المرأة، مقللين من دورها وعِظم مجهودها، رغم أن هناك نساء كثيرات يبذلن مجهودات خارقة، يصعب على أعتى الرجال أن يبذلوها، من أجل أن يحمين حياة أسرهن ويجعلنها تستمر. تعمل المرأة فى البيت، تقوم بفعل كل شيء، تجهيز طعام، غسيل ملابس، ترتيب ما فى البيت وتنظيفه، اهتمام بالأطفال، مساعدتهم فى المذاكرة، أداء متطلبات الزوج، وغير ذلك الكثير. كما تضطر، فى حالات كثيرة، للعمل خارج البيت كى تساعد فى تكاليف المعيشة، وحتى لا ينقص أسرتها شيء ولنا أن نتخيل امرأة تعمل فى اليوم أكثر من ثمانى ساعات خارج بيتها، ثم تعود إليه، وقبل أن تبدل ملابسها، تنخرط فى إعداد الطعام لأفراد أسرتها والقيام بشئونهم الأخرى. شخصيًّا أتعاطف مع كل امرأة هذه حالتها مثمنًا دورها وجهدها، داعيًا الله لها بالعون وبتقوية الظهر لتؤدى مسئوليتها كما يحلو لها. ولأننى أرى بعينيَّ تعب المرأة فى العمل، وعناءها فى وسائل المواصلات، أتوجه إلى كل رجل يستطيع، وحده، أن يكفى أسرته، بأن يرحم زوجته من العمل خارج البيت، إذ يكفيها العمل داخله بكل ما يجره عليها من تعب ومشقة، وما دام الله قد أكرمك عزيزى الزوج وفتح لك، فكن كريمًا مع زوجتك وهيئ لها سُبل الراحة والأمان، ممتنًّا لها ولما تقدمه لك ولأبنائك طيلة حياتها، فهى ملكة تستحق أن تجلس على عرش الراحة، وليست جنديًّا كُتب عليه أن يظل فى ساحة الكفاح حتى الممات. «التعاقد مع اليأس» تبدو الحياة جميلة ورائعة حين تجد من يغرس فيك أشجار الأمل الدائم، من يجعلك تشعر ببرودة الجو لحظة وصول مؤشر الحر إلى أقصاه، من كلما رآك حزينًا أو مكتئبًا نفخ فيك من روح أمله فإذا بك تُبعث من جديد لتواصل مشوارك فى الحياة، من يُعادى اليأس والإحباط ويكره أن يراهما أو يسمع أحدًا يتلفظ بهما. فى وجود مثل هذا الشخص فى حياة أحدنا يصبح للحياة مذاق مختلف، لأنه كلما سقط أرضًا أنهضه الأمل الذى يقطن داخله، مُصرًّا على التشبث بكل ما يبث فيه الحمية والنشاط للتقدم إلى الأمام، دون أن يلتفت لحظة إلى الوراء. فى الجهة الأخرى هناك أشخاص لا ينبغى إلا البعد عنهم لأن وجودهم فى محيط حياتك يمثل خطرًا شديدًا عليها وعلى سلامتك النفسية. هؤلاء هم الذين تعاقدوا مع اليأس والإحباط مدى الحياة، ومهما حاولتَ معهم لتفك وديعة اليأس التى يكنزونها داخلهم فلن تفلح، بل إن إصابتك مثلهم، عن طريق العدوى، أمر ليس مُستبعدًا. «نفحات العزلة» فى كتابه الصغير «نفحات من العزلة»، الذى كتبه فى فترة انتشار فيروس كورونا فى العالم، ينشر الكاتب والروائى الكبير إبراهيم عبد المجيد عددًا من المقولات القصيرة التى تنحاز إلى فكرة أن «ما قلَّ دلَّ»، ناقلًا لنا من خلالها خلاصة فلسفته وتجربته الحياتية، ورؤيته التى تكونت لديه على مدار سنوات وسنوات، منها:  ● كل الإمبراطوريات التى قامت ذهبت. تذهب الانتصارات والهزائم، وتبقى الفنون والآثار فقط تذكّرك بمعنى الحياة، وجدوى أن تعيش. ● كتبنا نحن البشر آلاف الكتب لفهم هذا العالم، وكتبت الحيوانات جملة واحدة: لن يكون هناك عالم حقيقى إلا إذا اختفى منه البشر! ● أعظم القصور تبنيها الموسيقى بالفضاء. ● الحجرة التى تجلس فيها لها باب واحد. لكن الحب يجعل لها عشرات الأبواب! ● كلما اتسع العالم حولك اتسعت رؤيتك لله ورأيته فى كل شيء. ● لا يدفعك إلى الشيطان إلا الذين يُضيّقون العالم حولك. «حجْب السعادة» مع تسليمى التام بأننا لمْ نُخلق أبدًا لنعيش رعاةً، أو رحمًا ولودًا، للحزن، وأنه من حق كل منا أن يبحث عن سعادته، أن يشد الرحال إلى البعيد ليحصل عليها ويعيشها، لكنى لست مع أن تكون سعادة أحدنا مصدرًا لألم الآخرين، بل الأولى أن يحجبها إن ظن، للحظةٍ، أنها قد تفعل هذا. ● شاعر ومترجم