أشهرهم «جسور» و«عبد العزيز»| «فنانو الأفيش».. فخر السينما المصرية
السبت، 12 يوليه 2025 - 03:06 ص
رشيد غمري
تعرض الأفلام السينمائية معتمدة على عدد من فنون الكتابة والأداء والتصوير والإخراج وغيرها، إلا أن هناك فنا آخر يرتبط بها، ولا يظهر على الشاشة، وهو «الأفيش»، تلك اللوحات الدعائية التى داعبت خيال الجماهير لأكثر من قرن، كانت الدافع المباشر لمشاهدة الأفلام، من خلال تقديم خلاصاتها ومواطن الجذب فيها، ونفِّذت على أيدى رسامين موهوبين، نادرًا ما يُلتفت إليهم، رغم أنهم شكلوا جانبًا مهمًا من المشهد البصرى لشوارع مدننا، وعكست أعمالهم الكثير من جوانب المجتمع.
◄ فاسيليو وراغب وعبدالرحمن أهم فناني الجيل الأول
◄ الأخوان «شاكر وعناني» والفيومي تشكيليون قدموا أفيشات ناجحة
■ أفيش أحمر شفايف بريشة الفنان الرائد جسور
عرفت مصر أول عرض سينمائي في يناير من عام 1896 بمقهى «زواني» بالإسكندرية، بعد شهر من أول عرض على مستوى العالم في باريس.
وبدأ المصريون ارتياد دور العرض منذ مطلع القرن العشرين، زمن السينما الصامتة، كما تم إنتاج أفلام مصرية منذ العشرينيات ومنها «برسوم يبحث عن وظيفة» (1923) لمحمد بيومى، وهو فيلم كوميدى اجتماعى قصير و«ليلى» (1927) لعزيزة أمير، الذى يعتبر أول فيلم سينمائى طويل. وكان الأفيش هو أهم وسيلة للدعاية، وأخذت فكرته من هوليوود.
■ أفيش باب الحديد بتوقيع ستيماتوس فاسيليو
◄ البداية
عالميا بدأ الأفيش مع المسرح. ويرجح أن أول أفيش سينمائى ظهر مع فيلم «رحلة إلى القمر» عام 1902. وخلال العصر الذهبى لهوليود فى الثلاثينيات ازداد الاهتمام بالأفيشات، وشهدت الستينيات دمج الرسم بالصور الفوتوغرافية. وفى مصر كان تأثر البدايات بالأوروبيين، خصوصًا فرنسا وإيطاليا. وكلمة «أفيش» فرنسية، وتعنى ملصقا. وبدأ هذا الفن فى مصر على أيدى رسامى ومصورى فوتوغرفيا يونانيين.
■ أفيش فيلم إغرء من مقتنيات مكرم سلامة
وكان الخواجة «نيكولا» أول من عمل به من خلال ورشته للدعاية والإعلان بالإسكندرية، وتخرج على يديه أجيال من الفنانين، وفقا لمذكرات المخرج محمد كريم. كذلك اشتهر من اليونانيين «استماتوس فاسيليو» الذى وُلد عام 1920 فى عزبة النخل بالقاهرة.
■ أفيش فيلم الكيت كات للفنان إيهاب شاكر
واتجه للفن بتشجيع من والده رسام المناظر الطبيعية، وأيقونات الكنائس. وكان «استماتوس» يعمل بالأهرام فى الثلاثينيات، واستمر فى رسم الأفيشات حتى تطوع فى جيش بلاده خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب استقر فى روما لعامين، قبل أن يعود إلى مصر عام 47. وواصل العمل فى رسم الأفيش حتى غادر مصر عام 63.
■ أفيش فيلم موعد على العشاء للفنان جسور
وكان يرسم أفيشاته ويطبعها بنفسه منذ فتح مكتبه الخاص فى شارع أحمد عرابى بالقاهرة. ومن أعماله «الهوى والشباب» و«لحن السعادة» و«ليلة من عمرى» و«وا إسلاماه» و«بين إيديك» و«المتهم» و«مفيش تفاهم» و«إسماعيل ياسين فى بيت الأشباح»، و«موعد مع السعادة»، و«قيس وليلى»، و«الخطايا» و«نهر الحب»، و«الخرساء».. وقام برسم أفيشات خمسة أفلام يونانية نُفذت فى مصر، وتعتبر من كلاسيكيات السينما اليونانية. وبسبب حنينه إلى مصر عاد مجددا عام 1984 وأقام معرضا لأفيشاته فى النادى اليونانى بميدان طلعت حرب، ورحل عام 1999.
■ أفيش للفنان جسور
◄ التمصير
بدأ الأفيش يدويا وبأحجام صغيرة حوالى (60×90 سم). ومع افتتاح استوديو مصر فى الثلاثينيات، وانتشار شركات الإنتاج بالقاهرة، انتقلت صناعة الأفيش من الإسكندرية إلى العاصمة. وكان الرسام يشاهد الفيلم قبل تصميم «الأفيش» ليعبر عن عالمه وأجوائه ومضمونه، مستخدما الإثارة والتشويق لتحقيق الجانب الدعائى.
■ الحب الخالد أفيش للفنان جسور
وسرعان ما دخل المصريون إلى عالم صناعة الأفيش. ويعتبر الفنانان «راغب»، «عبد الرحمن» أول مصريين يدخلان المجال. وكلاهما تعلم الفن من اليونانيين. رسم «راغب» أفيشات أفلام مهمة مثل «يحيا الحب»، و«شاطئ الغرام»، و«قطار الليل»، و«سلو قلبى».
ورسم «عبدالرحمن» أفيشات «الجريمة والعقاب»، و«النمرود»، و«قلبى يهواك»، و«الهاربة»، و«ثمن الحرية»، و«غصن الزيتون»، و«الأشقياء الثلاثة»، وفقا لكتاب «فن الأفيش فى السينما المصرية» لمؤلفه سامح فتحى. ويمكن النظر إلى بدايات الأفيش فى مصر كشاهد على أحوال المجتمع المصرى فى تلك الفترة.
■ خلي بالك من زوزو بريشة الفنان مراد
◄ العصر الذهبي
دخل فن الأفيش عصره الذهبي في الأربعينيات واستمر طوال العقود التالية. ويعتبر الفنان «جسور» أحد أهم فنانى تلك الحقبة، واسمه الحقيقى حسن مظهر. وهو خريج كلية الفنون الجميلة، وتتلمذ فى فن الأفيش على يد فنان الجيل الأول «راغب». ومن أشهر الأفلام التى رسمها «أحمر شفايف»، «بيومى أفندى»، «أنا الماضى»، «المنزل رقم 13»، «ليالى الحب»، «سمارة»، «السفيرة عزيزة»، «ثورة اليمن»، «وكالة البلح»، «دائرة الانتقام» و«المجد» و«لقاء فى الغروب»، و«بحبوح أفندى»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و»السكرية».
■ كتاب الأفيش في السينما المصرية والعربية
وتميز برسم الأشخاص بطريقة تتجاوز مجرد التصوير لإبراز المشاعر الداخلية وروح الشخصية. كما جمع عناصر متناقضة فى مساحة واحدة ببراعة، مما جعل أعماله تمثل مدرسة خاصة فى رسم الأفيش. كذلك برز الفنان «محمد عبد العزيز» الذى بدأ كخطاط، وتعلم الرسم، وعمل مع «بابلايزيان» و«ديمترى» اليونانيين فى مجال الإعلانات، ثم مع «عبد الحميد شهاب» فى مجال الأفيش. وكان يهتم بمساحات الخط لإجادته له. وبدأ بالتنفيذ لتصميمات الآخرين قبل أن يصبح أحد أهم مصممى الأفيش فى مصر. وبلغت ذروة عطائه فى الستينيات، حيث كانت الدولة تنتج ما يقارب 70 فيلما فى السنة.
■ الفنان جسور
ويعتبر رائد التيار الواقعى فى فنه، وكان مجددا، في أفيش فيلم «الغريب» ليحيى شاهين، كما أبدع فى أفيش «الشموع السوداء»، وعمل مع يوسف شاهين فى فيلم واحد هو «فجر يوم جديد» ويرجح البعض أنه لم يكرر التجربة بسبب تدخلات المخرج.
ومن مميزات أسلوبه أنه كان يترك مساحات بيضاء لتكملها العين. ويعتبر الفنان «وهيب فهمى» أحد أهم كبار الفنانين فى المرحلة المعتمدة على الرسم اليدوى وأتقن تنفيذ الأفيش على الزنك. ونفذ أفيشات أفلام مثل «هاربة من الحياة» و«الحقيقة العارية» و«ميرامار» وعرف عنه العمل بتفانٍ. كذلك برز الفنان «أنور على» خلال الفترة من السبعينيات إلى التسعينيات، فى أفيشات مثل «الناصر صلاح الدين»، و«الهلفوت»، و«إعدام ميت»، و«الوحل»، و«السلخانة»، و«التخشيبة»، و«الهروب»، وغيرها. وكان بارعا فى التعبير عن طبيعة العمل.
■ ليلى أول فيلم مصري طويل زمن السينما الصامتة
وتزامن معه الفنان «مرتضى أنيس» الذى كان تلميذا لعبد العزيز، وأبدع أفيشات أفلام «السادة الرجال»، و«ميت فل»، و«اللعب مع الكبار»، و«رسالة إلى الوالى»، و«الباشا» وحصل على أكثر من جائزة عن أفضل أفيش سينمائى. وتميز بأن أفيشاته تثير التساؤل. وهو أيضا تتلمذ على يد «محمد عبد العزيز»، وهو من أكثر رسامى الأفيش المصريين غزارة (أكثر من 400 أفيش). ولا يمكن إغفال أسماء مهمة مثل: مصطفى مراد، ومصطفى درويش، وأحمد فؤاد، ومرسيل، وعزيز، ممن وقعوا عددا من أروع أفيشات السينما المصرية.
وكذلك «محمد مفتاح» صاحب أفيش «لحن الوفاء»، أول بطولة لشادية وعبد الحليم حافظ، الذى ساهم فى نجاح الفيلم.. وهناك أيضا «محمود خليل» صاحب أفيشى «هذا الرجل أحبه» و«أجازة نصف السنة»، وظهر فيهما تأثير عمله كرسام كاريكاتير.
■ مراتي مدير عام للفنان عدلي
◄ اقرأ أيضًا | فن«الأفيش».. يحكي تاريخ السينما المصرية
◄ تشكيليون
بعد الفنان جسور، يمكن رصد تيار فى صناعة الأفيش اعتمد على فنانين تشكيليين، لهم أعمالهم الفنية ومعارضهم، وهو ما منح أعمالهم صبغة خاصة ولغة بصرية مختلفة. أحد هؤلاء هو الفنان الكبير الراحل «ناجي شاكر» الذى كان أستاذا بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، وهو مصمم عرائس الليلة الكبيرة الشهيرة.
■ من أرشيف الراحل مكرم سلامة
ورسم أفيشات أفلام مهمة مثل «إسكندرية ليه؟» ليوسف شاهين. وشاركه الشغف بالأفيش شقيقه الفنان الكبير أيضا «إيهاب شاكر» الذى رسم أفيش فيلم «الكيت كات» للمخرج داود عبد السيد، وفاز عنه بجائزة أفضل أفيش عام 2001. كذلك عمل الفنان عمر الفيومى فترة مع الفنان حسن جسور بورشة «مطابع السينما العربية» بعد تخرجه مباشرة فى كلية الفنون الجميلة.
■ من أرشيف مكرم سلامة أفيش معبد الحب
وقام برسم أفيشات «العذراء والشعر الأبيض»، و»ثلاثة على الطريق»، و«المجهول»، وفضل لاحقا، التفرغ للفن التشكيلي، كذلك الفنان التشكيلي صلاح عناني، الذى استعان به يوسف شاهين لأجل أفيش «اسكندرية كمان وكمان»، أما المخرج «رضوان الكاشف»، فاستعان بالفنان «محمد نادى» لأجل أفيش فيلم «ليه يابنفسج».
■ أعمال من الفنون جسور
واستعان «محمد خان» في فيلمه «موعد على العشاء» بالفنان «حسن جسور» نجل الفنان «جسور». كما رسم الفنان الكبير «مصطفى حسين» أفيشات عدد محدود من الأفلام مثل «سوبر ماركت» «إلى المأذون يا حبيبي» و«شيلني واشيلك».
■ من افيشات اليوناني فاسيليو
◄ مرحلة جديدة
ومع رحيل الرواد الأوائل تراجع الأفيش اليدوي، وحلت الصورة الفوتوغرافية قبل أن يسود التصميم الرقمي فى أغلب الأفلام الحديثة مثل «الجزيرة» و«عمارة يعقوبيان» و«ليلة البيبى دول». كما عانت الصناعة من ظاهرة الأفيش المقتبس عن أفيشات عالمية، كنوع من الاستسهال فى بعض الحالات.
■ من مقتنيات مكرم السلامة
وهناك جهود مشكورة لتوثيق وجمع أفيشات السينما المصرية قام بها البعض مثل الراحل مكرم سلامة، الذى جمع أكثر من 2000 أفيش، والناقد محمود قاسم بكتابه «أفيش السينما المصرية»، والباحث سامح فتحى بكتابه «فن الأفيش فى السينما المصرية» ورسالة ماجستير للباحث « مينا أشرف مقار فهيم» بكلية الآداب، جامعة عين شمس عن فن الأفيش للسينما المصرية، وغيرهم. إلا أن الأمر يحتاج إلى جهد مؤسسى لجمع كل تلك الجهود معا، وربما إقامة متحف لهذا الفن الذى يشكل ذاكرة السينما الأهم عربيا، التى تشكل جانبا مهما من الذاكرة الوطنية والشعبية.