«عين الخراب».. أسرار مدينة سكنية من زمن التحول الديني
الإثنين، 28 يوليه 2025 - 05:55 م
شيرين الكردي
في قلب صحراء الوادي الجديد، وتحديدًا بمنطقة عين الخراب القريبة من مدينة الخارجة، أزاحت بعثة أثرية مصرية الستار عن أحد أهم الاكتشافات الأثرية الحديثة، حيث تم الكشف عن بقايا المدينة السكنية الرئيسية التي صاحبت مرحلة التحول التاريخي من الوثنية إلى المسيحية.
ترأست البعثة الدكتورة سهام أحمد إسماعيل، مدير عام آثار الخارجة، وسط جهود مكثفة لكشف جانب خفي من التاريخ المصري، بالتوازي مع ما تم توثيقه في مقابر البجوات المجاورة.
ويؤكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان أن هذا الكشف يمثل نقطة تحول في فهم البنية العمرانية والدينية لمنطقة ذات أهمية تاريخية وروحية نادرة، تستحق التسجيل ضمن قائمة التراث العالمي.
◄ كشف أثري فريد في عمق واحة الخارجة
نجحت البعثة المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن المدينة السكنية الرئيسية المرتبطة بمقابر البجوات، وذلك بمنطقة عين الخراب، وهي موقع أثري يقع شمال مدينة الخارجة الحديثة بحوالي 5 كم. تأتي أهمية هذا الاكتشاف من كونه يمثل فترة التحول الديني التاريخي من العبادات الوثنية إلى الديانة المسيحية، مما يضفي على الموقع بعدًا حضاريًا وروحيًا خاصًا.
اقرأ أيضا| «مدينة التحول الديني في قلب الصحراء».. أسرار واحات الخارجة
يشير الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن هذا الكشف يعزز من فرص تسجيل الموقع ضمن التراث العالمي الثقافي، خاصةً أنه يلبي المعيار الرابع لليونسكو، والذي يرتبط بالمواقع المعمارية التي تعكس مراحل حاسمة في تاريخ الإنسانية، مثلما حدث مع موقع مارمينا العجائبي عام 1979.
◄ من الوثنية إلى المسيحية: المدينة التي روت قصة التحول
أظهرت دراسة الباحثة رنا محمد بشير رشيدي أن واحة الخارجة شهدت تدفقًا كبيرًا للمسيحيين في القرن الرابع الميلادي، حتى تم تعيين أسقف خاص بها من قبل بطريرك الإسكندرية، مما يؤكد على قوة الحضور المسيحي في الواحة آنذاك.
ووفرت البيئة الصحراوية المنعزلة مكانًا مثاليًا لنشأة الرهبنة القبطية، وللهروب من الاضطهاد الروماني الذي دفع المسيحيين للعبادة داخل المقابر كملاجئ آمنة.
◄ وصف معماري مفصل للمدينة المكتشفة
توصلت أعمال التنقيب إلى شبكة من الحجرات والغرف السكنية، بعضها مربعة الشكل والأخرى مستطيلة، مبنية على امتداد ممرات ضيقة، ومغطاة بقِباب وأقبية، بما يتوافق مع طبيعة البيئة الصحراوية.
عثر داخل هذه المنشآت على مواقد، أفران، أماكن للطهي والذبح، مما يشير إلى حياة مجتمعية متكاملة، المميز في هذه المدينة أن المباني قد أُقيمت فوق أسطح مقابر قديمة، تمت تسويتها بالرمال والطين لتشكيل أساس مناسب.
◄ آثار تدل على قسوة الزمن
احتوت بعض المقابر على جثامين محروقة، وعُثر بجوارها على عملات رومانية تعزز من تأريخ هذه الأحداث إلى فترة الاضطهاد الروماني للمسيحيين. كما تم العثور على مقابر أخرى فارغة، قد تكون نُهبت في فترات سابقة أو استُخدمت في أغراض أخرى.
أسفرت الحفائر عن اكتشاف عدد كبير من الأواني الفخارية، المسارج الزيتية، أدوات طحن، مصنوعات من الفيانس، وجص، وعملات معدنية. وتُشير هذه المكتشفات إلى تعاقب حضاري طويل بالموقع، بدءًا من العصر الروماني حتى الفترات القبطية المبكرة.
◄ تطور معماري باستخدام الطين والرخام
بُنيت المباني بالطوب اللبن المحلي، حيث استُخدم نوعان مختلفان من الطوب لتمييز الوظائف المعمارية. كما استُخدم الحجر الجيري في الأساسات، والرخام في بعض الجدران، بينما تم تكسية الحوائط باستخدام الملاط الطيني والجيري، ما يدل على مستوى فني ومعماري متقدم.
قاد أعمال التنقيب فريق مصري متميز برئاسة الدكتورة سهام أحمد إسماعيل، وضم نخبة من الأثريين المتخصصين، من بينهم الدكتور عصام أحمد آدم، والأساتذة أحمد علي رضوان، وأسماء فايز محمد، الذين شاركوا في عمليات الحفر والتوثيق والمعاينة.
يمثل اكتشاف المدينة السكنية بعين الخراب إضافة استثنائية للتراث الأثري المصري، ليس فقط لأنها تلقي الضوء على مرحلة انتقالية حرجة في تاريخ البلاد، بل لأنها تكشف عن تعايش معماري وإنساني فريد بين الحياة والموت، بين العبادة والاضطهاد، وبين الوثنية والمسيحية. ويُعد هذا الكشف بوابة جديدة لفهم العمارة الدينية والاجتماعية في قلب الصحراء، ويضع واحة الخارجة من جديد في قلب خريطة الحضارة المصرية القديمة.