أسرار حياة الجرابيع والجرذان في مصر القديمة.. صور

قوارض

الجمعة، 01 أغسطس 2025 - 01:30 م

محمد طاهر

عندما تُذكر مصر القديمة، يتبادر إلى الذهن الملوك، العلوم، التماثيل والمعابد الذهبية ولكن خلف هذه الصورة العظيمة، تتحرك كائنات صغيرة «قوارض» حفرت بآثارها مكانًا في الحياة اليومية القديمة سكنت الزوايا، والمخازن، والحقول، والمعابد، وحتى المقابر. لم تكن مجرد «كائنات مزعجة»، بل لعبت دورًا بيئيًا وثقافيًا واقتصاديًا مهمًا، وربما طقسيًا أيضًا. من الجرابيع إلى الفئران، من الزغبة إلى الشُّصور «الزبابات»، تقول د. رانيا ممتاز دكتورة الآثار الجزئية أن القوارض شكلت أكبر طائفة من الثدييات في مصر القديمة، شملت 6 عائلات، 16 جنسًا، وحوالي 30 نوعًا منها 28 نوعًا توسّعت خارج حدود مصر الحالية هذه الحيوانات الصغيرة لم تكن مجرد آفات بل كانت جزءًا من بيئة مصر منذ آلاف السنين ففي قلب حضارةٍ عظيمة نسجت المعابد والمقابر والملاحم، كانت هناك حياة موازية لا نراها بسهولة حياة تسكن الظل، وتتحرك بخفة، وتترك آثارًا صغيرة لكن عميقة. وتشير د. رانيا ممتاز إلى أن كلمة "فأر" أو "جربوع" ربما لا تثير الكثير من الاحترام، لكنها كانت جزءًا لا يتجزأ من نسيج مصر القديمة سواءا في الزراعة، في البيئة، أو حتى في الفن والأسطورة. فقد وجدت بقايا الأسنان والفكوك التي في بير صحرا «Bir Sahara» غرب أبو سمبل وتعود إلى عصور ما قبل التاريخ «ما قبل العصر الحجري الحديث». وهو ما يدل على وجود القوارض منذ فجر الاستيطان البشري في وادي النيل. وليس ما تم اكتشافه في بير صحرا فقط هو الموجود فهناك اكتشافات مدهشة من مقبرة الصقور المقدسة في قويسنا «الدلتا» كشفت عن وجود عدد كبير من الزبابات والفئران المحنطة. وقد تمّ العثور على 9 أنواع على الأقل من الثدييات الصغيرة في المقبرة، بينها 4 أنواع من الفئران Muridae فضلا عن 5 أنواع من الزبابات Shrews، منها نوعان انقرضا حاليًا من مصر، ما يعني أن الدلتا كانت في الماضي أكثر رطوبة واعتدالًا، إذ لا تعيش هذه الأنواع سوى في بيئات أكثر خصوبة. وتستطرد د. رانيا قائلة: في نصوص الدولة الوسطى، وُصفت الفئران بأنها "سُرّاق الليل الذين يأكلون تعب النهار". وحول أسماء الفأر في مصر القديمة فالكلمة الأكثر شيوعًا للفأر في مصر القديمة هي "pnw"، وقد استُخدمت للإشارة إلى الفئران، والجرذان، واليرابيع، وأنواع أخرى من القوارض الصغيرة. وعلى الرغم من أن هذا المصطلح شمولي، فإن المصريين كانوا على دراية بأنواع مختلفة، ومنها: الفأر الشوكي وفأر المنزل (Mus musculus) وفأر الحشائش النيلي. وقد أثبتت الدراسات الأثرية وجود هذه الأنواع في مواقع مثل تل العمارنة وكوم النّانة وسقارة، في سياقات سكنية أو مخزنية أو دينية. ورغم ذلك، لم يُظهر المصريون القدماء تمييزًا واضحًا بين الأنواع؛ فمصطلحات مثل ḥdqq وḥmt ظهرت نادرًا، وغالبًا كانت مبهمة. أما الرموز التوضيحية التي استخدمت بجانب الكلمة، مثل رمز الفأر أو النبات أو جلد البقرة، فتُشير إلى تنقل الكلمة بين معاني حيوانية ونباتية وحتى بشرية اذ اطلقت على اسماء أطفال في مصر قديما. تشير دكتورة الآثار الجزئية إلى أن الفلاحون في مصر القديمة كانوا يواجهون القوارض كآفة زراعية. إذ كانت الجرذان والفئران تهاجم مخازن الحبوب، ما أدى إلى ابتكار وسائل لحمايتها مثل: حاويات تخزين محكمة الغلق فضلا عن استخدام القطط كوسيلة طبيعية للصيد. وقد وردت نصوص تحذيرية ونصائح وقائية في بعض الوثائق الإدارية من الدولة الوسطى والدولة الحديثة ضد تهديد الفئران للمحاصيل. كانت الفئران مكروهة بسبب اجتياحها لصوامع الغلال وتخريبها للمحاصيل، مما جعلها رمزًا للهلاك الزراعي. في بردية أنستاسي الخامسة، يشتكي كاتب قائلاً: "الفئران كثيرة في الحقول." وهذا يعكس حالة الفوضى بعد الحصاد.  كما تروي لوحة كاوة الخامسة من عهد الملك تهارقا «الأسرة الخامسة والعشرون» تدخل الإله لتطهير الحقول من «الدود»  ỉm.w.tA  و«الهوام»  ḥdkk.w  وهي كلمات ربما كانت تشير للفئران والحشرات وربما الضفادع أيضًا. كانت الفئران تُعد آفات خطيرة، خاصة في صوامع الحبوب. وقد ذُكرت في كتاب الموتى بوصفها: «رجس رع»، أي كائنات تُهدد النظام الكوني «الماعت». لم تُميز النصوص بين الفأر والجرذ، أو بين الأنواع المختلفة، بل اندرجت جميعها في فئة واحدة من الذم والاشمئزاز لقد كان يُنظر إلى الفأر كمجاز للفوضى واليأس والغزو الأجنبي، تمامًا مثل الجراد أو الأعداء الغزاة. القوارض مرآة للتغيرات البيئية القوارض مرآة للتغيرات البيئية عبر الزمن. من خلال فهم أماكن وجودها وانقراض بعضها، نستطيع فهم: التغير المناخي في مصر القديمة والتوسع الزراعي والعمراني والعلاقات بين البشر والحيوانات في الحياة اليومية. على الرغم من أن القوارض ليست من الحيوانات المقدسة الشهيرة كالصقر أو القط، إلا أن تماثيل صغيرة لفئران وجرابيع ظهرت أحيانًا في الفنون الشعبية والألعاب الجنائزية وفي بعض البرديات، رُسمت الفئران وهي تخوض حروبًا خيالية ضد القطط، ربما كرمزية سياسية ساخرة أو تمثيل لصراعات اجتماعية. ويُعتقد أن بعض ألعاب الأطفال كانت على شكل قوارض خشبية، مما يدل على وجود علاقة مألوفة بين الإنسان وهذه الكائنات. القوارض في الفن المصري القديم  في الجانب الهزلي، يظهر الفأر في الأوستراكا الساخرة، خاصة في رسم شهير محفوظ بمتحف المتروبوليتان، يُصور فيه: فأرٌ في دور ملك محارب، يقود عربة حربية ويطارد قطة هاربة.. هذا المشهد يقلب النظام الطبيعي، وربما كان تعليقًا ساخرًا على  الحكام الأجانب، باستخدام الحيوان لتجسيد نقد اجتماعي. تشير د. رانيا ممتاز إلى أنه قد وجد على جدران المقابر وبرديات من العصر المتأخر، رُسمت فئران تقود عربات أو تقاتل القطط يُعتقد أن هذه الرسومات الساخرة كانت نوعًا من النقد الاجتماعي حيث انقلبت الأدوار، وصار "الضعيف" هو السيد وفي بعض مشاهد الأطفال، نجد ألعابًا على شكل فئران، مما يشير إلى تعامل يومي معها. الفأر في الألعاب والفنون رغم جانبه المدمر، يظهر الفأر أيضًا في ألعاب الأطفال، وملاعق التجميل، والزينة. وقد صُورت بعض هذه الفئران في منحوتات خشبية أو عاجية صغيرة، ما يُظهر علاقته الوطيدة بالحياة اليومية، خاصة في السياقات المنزلية والرعاية واللعب. نادراً ما ظهر اليربوع في الفن المصري، باستثناء بعض مشاهد الصيد في الصحراء. كما عُثر على تماثيل طينية صغيرة له، ربما كانت ألعابًا للأطفال وعلى عكس الفأر، فلم يُرتبط اليربوع بأي دلالة سلبية أو رمزية دينية، بل بقي كائنًا محايدًا في الوعي الثقافي المصري. برز الفأر كشخصية في الحكايات الرمزية: "الفأر الوزير": يصعد الفأر لمركز  رفيع ثم يُدان أخلاقيًا ويُحكم عليه بالعيش في الجحور و"الفأر يُنقذ الأسد": ينجو الأسد بعد أن يقضم الفأر حباله. ووفقًا لهيرودوت، أنقذت الفئران مصر حين قضمت أوتار أقواس جيش غازٍ. الفأر كرمز للنحس وسوء الطالع في أقدم كتب تفسير الأحلام في التاريخ وجدت البرديات المصرية القديمة، مثل بردية شيستر بيتي الثالثة، يظهر الفأر كرمز للتشاؤم: "إذا رأى الإنسان نفسه يجلب فئرانًا من الحقل، فإن قلبه تعيس." والمعنى هنا أن الفأر، الذي يدمر المحاصيل، يُشبه الفكرة أو الشعور السلبي الذي يُفسد القلب. من خلال هذا المنطق الرمزي، يصبح الفأر ليس فقط تهديدًا ماديًا، بل أيضًا روحيًا. القوارض كمؤشر بيئي من خلال دراسة بقايا القوارض «العظام، الأسنان، مكونات المعدة»، تمكن العلماء من تتبّع تغير مناخ مصر من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الفرعوني وفهم التنوع البيئي حول النيل والصحراء وأيضا تحديد أنواع انقرضت وأخرى ظهرت لاحقًا بسبب تغير النشاط البشري فمثلًا في واحة الداخلة، وُجدت أنواع من الفئران تدل على وجود بيئة خضراء أكثر بكثير مما هي عليه اليوم. ربما، عندما نُعيد قراءة تاريخ مصر القديمة من منظور الجرذان والفئران، نكتشف أنه لا توجد تفاصيل "صغيرة" في التاريخ.. كل شيء كان له صدى. مصائد الفئران نظراً لأضرارها الجسيمة، لم يكن من الغريب أن تُستخدم مصائد الفئران في مصر القديمة. وقد عُثر على نماذج منها داخل بعض المقابر. بسبب صغر حجمها وسرعة تكاثرها، كان لا بد من مراقبة مستمرة، خصوصًا في مناطق إنتاج الحبوب مثل الفيوم والدلتا. الفأر كعدو رمزي للدولة كانت الفئران تُصور أحيانًا كجيوش غازية في النصوص المجازية، تهدد "الماعت" – أي النظام الكوني. وبهذا، لم يُنظر إلى الفأر كمجرد آفة، بل كرمز للفوضى، والانهيار، والأعداء سواء من الداخل أو الخارج. لم يكن الفأر في مصر القديمة مجرد قارض صغير. بل كان آفة الحقول ورمزًا لليأس والنحس كما كان أيضا علاجًا للأمراض فضلا عن كونه مرآة ساخرة للمجتمع وأيضا زينة ولعبة منزلية واستعارة عن الفوضى والاختلال الكوني. تُظهر هذه الصورة المتعددة كيف أن المصريين القدماء لم يروا في الكائنات الصغيرة مجرد حيوانات ثانوية، بل رموزًا حية تعكس أعمق جوانب النفس البشرية والعالم من حولهم. من مخازن الحبوب إلى تمائم الرقبة، ومن السخرية إلى السحر، كان للفأر مكانه في الذاكرة الأبدية للفكر المصري. اقرا ايضا | اكتشاف بصمة يد تعود إلى 4 آلاف عام على قطعة جنائزية مصرية