انتظــار

صورة ارشيفية

الجمعة، 01 أغسطس 2025 - 03:45 م

أخبار الأدب

> بهاء الدين حسن عندما رآه على قارعة الطريق، يقف فى مدخل القرية، دنا منه وسأله:  ـ ماذا تنتظر؟ فدعاه قائلاً:  ـ انتظر معى! فوقف طائعـا بجـواره، حتى مر عليهما شخص ثالث، وسألهما بفضول:  ـ ماذا تنتظران؟ فقال له صاحب الدعوة:  ـ انتظر معنا. كان يحمـل فى يـده كيس خبـز، وتفـوح من آخـر رائحـة الطعميـة، نفــاذة تثير الشهية، وضع مـا فى يـده بجـواره، وانضـم إليهمـا... كانت وقفتهم فى أول الطـريـق، الذى يـربط القـريــة بالمـدينــة، حيث تـوجـــد المدارس والمستشفى العـام وعيـادات الأطبـاء، والمولات التجارية والسوق، تجذب الانتبـاه وتثيـر القلـق، بعـد أن زاد عـددهـم وأصبحـوا تسعــة من الشبـاب يقفــون فى مشهـد لــم تعتــده القريــة! تهيَّبت فتاة كانت عائدة من الـدرس، من تجمعهـم فتقهقـرت، حتى جـاءت عجـوز فاحتمت بها، فقالت العجوز تهدئ من روعها: ـ ربما ينتظرون ميتـاً، ممن يموتون فى الغربة، ثم يعودون جثثاً، ليدفنوا فى القريـة! فقالت الفتاة:  ـ لا تـوجــد بينهـم نسـاء، فلا جنـازة بــدون نسـاء، يعلن بصـراخهـن عن الميت! ـ ربما يشكّلون عُصبـة لحمايـة القريـة من اللصوص! فضحكت الفتـاة وقالت:  ـ لصوص القرية من القرية! وما إن وصلت العجوز القرية، حتى هيَّجت أهلها وقالت:  ـ القرية فى خطر! فسألها الأهالى:  ـ أى خطر يا خالة؟ فقالت:  ـ منذ متى الشباب يقف على قارعة الطريق؟ فتوجـه الأهالى حيث يقف الشبـاب على أول الطـريـق، فى مدخـل القريــة كان عددهــم قـد زاد عن تسعـة، حتى تهيَّب منهـم الأهـالى، ولمــا لاحــظ صاحب الدعــوة ذلك، تقـدم منهـم ودعاهــم، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة لأن ينضموا إليهم، وأن ينتظروا.  كان كل من توجه إليه الدعوة يلبى كالمسحور، لا يستفسر أو ينـاقش، أو حتى يســأل «أنتظــر مــاذا؟»، حتى تعجـب صـاحـب الدعـــوة من هــذا الانصيــاع، وراح يتســاءل: أهى تلبيــة نابعــة من ثقــة فى شخصـه، أم مجاملة له، أم أن الأمر وصل بالمرء إلى عدم الخوض فى التفاصيل،وآثر أن يجنب نفسه عنـاء التفكيـر، واختار أن يلقى بنفسه بين الجميع، يحدق فى المـدى وينتظر مع المنتظرين! صاح أحدهم:  ـ أنا جائع. ففرد الرجل كيس الخبز وقرطاس الطعمية، الذى كان يضعه بجواره وقال:  ـ تفضل. وانضم رجل آخر للأكل، وهو يقـول: ـ ربما يطول الانتظار! وجلس معهم جماعة للأكل، وهم يرددون: ـ ربما ننتظر طويلاً! ـ ننتظر ماذا؟ نظـر بعضهم إلى بعض فى حالة استفهام، ينتظـرون من يجيب، لكنَّ أحـداً لم يجب، فانهمكوا فى الأكل؟! تحـول مدخـل القريـة إلى مجلس للمسامـرة، والتحـاور لقتـل الوقت، حتى تتكشف الأمور، ويظهر الشىء المنتظر! انقسـم الأهالى إلى فريقين، فريق يشكو من المعيشـة وتكاليفهـا، وفريق يتبـاكى على ما يـدور فى الكون، من فتن ودسـائس، وحروب تشنهـا دول الشر، فوقف واحد من بين الجميع، وقال بحماس:  ـ لن يهدأ العالم إلا بزوال أمريكا وإسرائيل. ـ الله أوجدهما، كما أوجد إبليس والإنسان، ولن يزيلهما من الأرض.  ـ أزال الله قوم عاد وثمود. ـ لن يترك الله الأرض بدون شر. ـ لماذا أوجد الله الشر؟ ـ قيمة الخير تظهر فى وجود الشر. ـ الشر يزداد! ـ يهزمه العدل. ـ أمريكا لا تعدل! ـ تعدل بالردع. وراح العجائز من أهالى القرية يرفعـون أيديهـم إلى السمـاء، يطلبون من الله أن يخسف الأرض بكل ظالم جبار، يفسد فيها ويسفك الدماء. بـدأت الشمس تلملـم خيوطهـا وترتفـع، وأقبـل الليـل ملقيـاً بستـائـره على القرية. قلقت النسـاء على الرجـال، والأمهـات على الأبنـاء فخـرجـن، حتى كـانت القريـة برجالهـا وشبابهـا ونسائهـا، تقف على أول الطريـق تنتظر! طال الانتظار وطال الترقب، فصاحت عجوز:  ـ إلى متى ننتظر؟ فعقبت شابة من فتيات القرية على سؤالها بسخرية قائلة:  ـ لقد مضى زمانك، فماذا تنتظرين؟ لم يعجب كلام الفتاة امرأة من القرية فقالت لها: ـ سيمضى زمانك أنتِ أيضاً، وأنت تنتظرين! ـ أنا أنتظر.. أنتظر.. أنتظر؟ ـ فضحكت المرأة وقالت:  ـ تنتظرين ماذا؟ تلعثمت الفتـاة، فعقبت امرأة أخـرى، وهى تتنهـد: ـ دخـل الليـل، ونحن ننتظـر! ـ ننتظر ماذا؟ تفاجأت المـرأة بالسـؤال، ولم تعـرف بمـاذا تجيـب، فتسللت وراحت تتفقـد الجميع، تحاول أن تقرأ فى وجوههم إجابة!  بدأ الضجر يظهر على الجميع، فتذمر أهل القرية وصاحوا جميعاً:  ـ إلى متى ننتظر؟ فجأة صاحت امرأة وصرخت: ـ الرجل مات! توجه الجميع نحو الجهة القادم منها الصوت واقتربوا منه، كان الرجل قد فارق الحياة، فقالوا:  ـ ندفنه فى مكانه، ونكتب على قبره شهيد الانتظار! وقال رجـل:  ـ نسمِّى القرية باسمه.  ومن جديد صكت آذانهم صرخة أخرى:  ـ ماء... ماء، المرأة تموت! وبدأ الجميع يهمهم ويحوقل بأسى:  ـ يبدو أننا جميعا سنصبح شهداء الانتظار!  فتوجه الجميع نحو صاحب الدعوة، وسأله أحد الأهالى: ـ ماذا ننتظر؟ فرد عليه بهدوء: ـ إسأل نفسك! ـ أنت صاحب الدعوة! ـ كان يجب عليك أن تسـأل، قبل أن تلبى الدعوة! فانصـرف الرجـل، وعـاد إلى القريـة يجـرجـر فى قدمى الخيبــة، وعندمـا سألـه فى الطـريق أحـد الرجـال: ـ كنت بجوارك أنتظر. قال له: ـ كنت مشغولاً بالانتظار! ـ انتظار ماذا؟ سكت الرجل، ثم صاح كمن أفاق من غفوة فى وجه الرجل، وهو يرد بحـدة:  ـ كان يجب عليـك أن تسـأل، قبـل أن تلبى الدعـوة!