صورة تعبرية
دراسة مهمة لمركز البحوث الجنائية تكشف ثقافة المخدرات في الساحل الشمالي
السبت، 16 أغسطس 2025 - 09:56 ص
ليالي صاخبة، موسيقى لا تنام، شواطئ مضاءة بألوان الحفلات الفاخرة، لكن وسط هذه الأجواء، يختبئ وجه مظلم.. وهو انتشار المخدرات بين شباب بالساحل الشمالي على كل شكل ولون؛ هذه كانت فحوى دراسة جديدة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تدق جرس إنذار صريح.. التعاطي لم يعد حالة فردية، بل تحوّل إلى «ثقافة» تسري بين أروقة الفيلات والنوادي الليلية.. بل أنه تحول إلى وجاهة اجتماعية بين الشباب ومصدر للفخر.. السؤال الأكثر خطورة: هل أصبحت شواطئ الساحل الشمالي بوابة للتعاطى والإدمان تحت قناع الرفاهية؟! ولماذا الساحل؟!
الدكتورة سعاد عبد الرحيم، مديرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، شرحت أن الهدف من الدراسة هو فهم «ثقافة المخدرات»، أي منظومة الأفكار والعادات التي تحيط بعملية التعاطي، من نوع المواد المخدرة، وأوقات وجلسات التعاطي، وصولًا إلى دوافع التجربة.
وأشارت الدراسة للاجابة فيما يتعلق بالسؤال الثاني لماذا الساحل الشمالي؟ حيث أن ثقافة المخدرات تختلف باختلاف المكان، والدليل على ذلك اهتمام المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والمجلس القومي لمكافحة وعلاج الادمان بثقافة المخدرات فى أماكن متعددة منها ثقافة المخدرات فى العشوائيات، ثقافة المخدرات فى مراكز الشباب والأندية، ثقافة المخدرات والريف؛ ويمثل الساحل الشمالي ظرفا مكانيًا له خصوصيته، ولرواده ثقافتهم الخاصة ومن المهم التعرف على ثقافة المخدرات فى الساحل الشمالي خاصة فى فصل الصيف للوقوف على طبيعة الممارسات المرتبطة بالإدمان والتعاطي، وأنواع المخدرات، وطرق الحصول عليها، والخبرة والمعرفة بالتعاطي بها، وجلسات التعاطي وغيرها من الممارسات والتصورات المرتبطة بتعاطي المخدرات فى الساحل الشمالي.
اعتمدت الدراسة أيضًا وكما تقول الدكتورة سعاد عبد الرحيم: على مرجعيات التحليل فى الدراسة الراهنة على أربع مرجعيات للتحليل؛ تمثلت المرجعية الاولى فى الدراسة على الهدف الاساسى فى البحث فى معرفة الثابت والمتغير فى ثقافة المخدرات، وتمثلت المرجعية الثانية فى التحليل على الملاحظات الميدانية للباحثين، حيث شارك جميع من كتب فى التقرير النهائي للبحث فى العمل الميداني، الامر الذي تعد فيه ملاحظات الباحثين إحدى مرجعيات تحليل نتائج البحث الحالي، وتتمثل المرجعية الثالثة فى التحليل على المقابلات المتعمقة؛ فقد أجريت مجموعة من المقابلات مع مجموعة من المدمنين والمتعاطين للمخدرات، وقد أصر فريق البحث أن تكون هذه المقابلات حاضرة بشكل أفقي فى البحث ولم يفرد لها فصلا مستقلا ولكن حضورها يكون بين دفتي النتائج، وتتمثل المرجعية الرابعة فى الدراسات السابقة، حيث هناك حصيلة من البحوث والتراث النظري حولها.
واختيار الساحل الشمالي كميدان للدراسة لم يكن صدفة؛ المكان نفسه بات يرمز للترف والسهر حتى الصباح، ومع تدفق آلاف الشباب صيفًا، تتحول المنتجعات إلى بيئة خصبة لتجارب المخدرات، بعيدًا عن رقابة الأسر أو المجتمع.
أما عن نوع الدراسة فهي «تتبعية» تعتمد على الصياغة السوسيو أنثروبولوجية حول تجربة ساحل شمالي نموذجي وأشارت الدراسة إلى أماكن التركيز الجغرافي (مارينا، الحمام، سيدي كرير) وشملت فئات عمرية مختلفة من شباب المنطقة بين 18 و35 سنة) وطرحت عدة أسئلة منها: هل تغيرت ثقافة المخدرات لهؤلاء الشباب المتعاطي؟ هل تغيرت أنواع المواد المستخدمة فى التعاطي؟.. هل اختلف الشباب المتعاطي من حيث مستوى التعليم والأعمار والمهن المختلفة؟.. هل تغيرت أشكال وطقوس جلسات التعاطي؟ ولعل هذه الفكرة من خلال الاسئلة المطروحة يمكن أن تنطلق الدراسة خاصة وأنها تتناول ثقافة التعاطي فى ضوء فترتين زمنيتين عبر الدراسة التتبعية التي تمت الاشارة إليها فى المقدمة.
ستار الترف
الدراسة رصدت أبرز الأسباب التي دفعت شباب الساحل للتعاطي:التدخين كبوابة أولى: 58% من المشاركين أكدوا أن البداية كانت مع السجائر والشيشة، ثم الانزلاق إلى البانجو أو الحشيش.
الفضول وحب الاستطلاع: جاء في المرتبة الثانية بنسبة 61%. أحد المتعاطين قال للباحثين: «كنت أريد فقط أن أجرب ما يتحدثون عنه في السهرات.. لكن التجربة تحولت إلى عادة.»
تأثير الأصدقاء: 49% ذكروا أن جلساتهم مع رفاق مدمنين كانت السبب المباشر لتقليدهم.
الهروب من المشكلات: 8% فقط ذكروا هذا السبب، لكنه كان الأكثر خطورة، لأن هؤلاء غالبًا يستهلكون مواد أقوى وأخطر.
بوابة مظلمة
أخطر ما كشفته الدراسة أن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لعب دور «الدليل السري» لشباب الساحل، من خلال مجموعات مغلقة على «فيسبوك» أو «واتساب»، يتم تبادل طرق الحصول على المخدرات وأساليب التعاطي.
بعض المستخدمين نشروا صورًا ومقاطع فيديو يتفاخرون فيها بتجربتهم، وهو ما وصفته الدراسة بـ»ثقافة التباهي»، نعم لقد قرأت الجملة بشكل صحيح.. هذا الجيل المدمن يتباهى بقدراته على الوصول للجديد في عالم الكيف، حيث تتحول المخدرات من كونها محظورة إلى علامة «وجاهة اجتماعية» وسط بعض الدوائر.
مشهد ليلي وأرقام
في ليالي الساحل وكما تقول الدراسة؛ تعكس الحفلات الكبرى صورة ليلية مبهرة، لكن خلف هذه الأجواء، تدور جلسات تعاطى منظمة، هناك من يبدأ بسيجارة بانجو، وآخر يمرر حبوبًا ملوّنة أو ترامادول، وكل ذلك تحت أصوات الموسيقى المرتفعة التي تخفي صخبها آثار المخدرات.
عينة الدراسة شملت 501 شاب وشابة أعمارهم بين 18 و35 عامًا، في قرى: مارينا وسيدي كرير والمنطقة الساحلية لمرسى مطروح.. الذكور يمثلون80% والإناث 20% فقط، نتيجة رفض بعض الفتيات المشاركة بسبب حساسية الموضوع.
الفئة الأصغر من 25 عامًا شكّلت 60% من العينة، وهو ما يكشف أن الشباب الصغير هو الأكثر تعرضًا.. ومتوسط العمر 24 عامًا.. كما أجرت الدراسة مقابلات متعمقة مع 50 متعاطيًا، لتوثيق تجربتهم مع المخدرات.
موضة أم وباء؟
الدراسة تساءلت: هل أصبح التعاطي «موضة موسمية»؟
فمنذ بداية الصيف، تتحول بعض شواطئ الساحل إلى ملتقى لتجار السموم، حيث تُعرض أنواع جديدة من المخدرات كجزء من أجواء الترفيه.
يقول أحد المتعاطين في شهادته: «أول مرة جربت الحشيش كانت في حفلة مع أصدقائي. قالوا لي إنه يرفع المزاج ويجعل السهرة أحلى. لم أتوقع أن يصبح جزءًا مني كل ليلة»!
ومن بين أبرز نتائج الدراسة أن الضغوط الاجتماعية تدفع بعض الشباب للبحث عن الهروب السريع ويتحول إلى ثقافة الاستهلاك والتفاخر، حيث يرى البعض أن التعاطي يضيف «رونقًا» لصورتهم الاجتماعية.
أما مضاعفة الإنترنت للظاهرة، عبر نشر طرق استخدام ومعلومات عن أنواع المخدرات، يجعل الوصول إليها أسهل من أي وقت مضى.
روشتة علاج
أكدت الدراسة أن هناك روشتة علاج لإنقاذ هذا الجيل من الانهيار.. بداية من حملات توعية شاملة في القرى السياحية، وعلى الشواطئ، تستهدف المراهقين والشباب.. إبراز بدائل ترفيهية مثل أنشطة رياضية وفنية تنظمها الشركات والجهات السياحية لملء أوقات قراغ الشباب .. دعم نفسي مبكر عبر إنشاء مراكز استشارات نفسية في الساحل لمواجهة القلق والاكتئاب.. تفعيل الرقابة المجتمعية وتسهيل آليات الإبلاغ عن أماكن التوزيع والمروجين بسرية تامة أخيرا تفعيل دور الإنترنت إيجابيًا بإطلاق محتوى توعوي مضاد، واستهداف جمهور «السوشيال ميديا» بمقاطع تحذيرية قصيرة.
تعزيز الرقابة المجتمعية وتشجيع البلاغات بشكل أمن ضد مروجي المخدرات أو الاماكن المشبوهة، إنشاء مراكز دعم نفسية للشباب داخل الساحل لمعالجة دوافع التعاطي المبكرة، استخدام الإنترنت إيجابيًا بنشر محتوى توعوي ورقابي ضد ثقافة التعاطي من خلال السوشيال ميديا.
اقرأ أيضا: بسبب المخدرات| يعذب ابنه حتى الموت في الإسكندرية
بؤرة خطر
في الختام، حذرت الدراسة من أن الساحل الشمالي قد يتحول إلى «قنبلة زمنية» إذا استمرت ثقافة المخدرات في الانتشار بلا رادع.
«الخطر ليس في المادة المخدرة بحد ذاتها، بل في العقل الذي يتصور أن الأمر تجربة مؤقتة أو تسلية صيفية»، كما تقول الدراسة، الساحل الذي يُفترض أن يكون وجهة للراحة والمرح، قد يصبح مسرحًا لصراع خفي بين رفاهية زائفة وأزمة مجتمعية حقيقية، ما لم يتحرك المجتمع والأسرة لاحتواء الكارثة.
نتائجه
الدكتور محمد عبد الفتاح، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، يرى أن هذا ليس مجرد انحرافات فردية بل انعكاس لأزمة قيمية حيث يؤكد.. «شريحة من الشباب ترى أن التعاطي نوع من التمرد أو إثبات الذات أمام الأصدقاء. ومع وجود شبكات توزيع منظمة تستغل هذه التجمعات، يصبح الانتشار أسهل بكثير. الحل يحتاج تدخلًا ثقافيًا، وليس أمنيًا فقط.
الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، يعلق على الدراسة المهمة قائلا: «بعض الشباب يعتبر المخدرات تجربة صيفية أو مجرد كسر للروتين، لكن العقل يتعود بسرعة، وما يبدأ كموضة قد ينتهي بإدمان حاد.»
وأضاف فرويز؛ أن المخاطر النفسية تمتد إلى الاكتئاب المزمن.. اضطرابات الشخصية.. فقدان السيطرة على الانفعالات واحتمالية الإصابة بهلاوس سمعية وبصرية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية
ياسين .. أصغر ضحية المــراهنـــات
بعد إحالة الحكومة مشروع قانون الأسرة للنواب.. نفقة مؤقتة ورؤية فورية خلال أسبوع من إقامة الدعوى
بسبب المخدرات.. أب خلف القضبان ينتظر مصيره وأم قتيلة وأبناء يدفعون الثمن
مسكن الحضانة.. وألاعيب بعض الأزواج
شهادة محامي الأسرة من داخل ساحات المحكمة
نواب البرلمان.. عمل مستمر لإقرار قانون الأسرة









