زواج النفحة
زواج النفحة


«زواج النفحة».. كارثة جديدة على السوشيال ميديا

نهى رجب

السبت، 11 أكتوبر 2025 - 05:50 ص

في الأسابيع الأخيرة، ظهر مصطلح جديد على الساحة الاجتماعية والدينية، أثار حالة واسعة من الجدل خاصة بين الشباب وهو»زواج النفحة»هذه الصيغة غير المألوفة لعقد الزواج بدأت تنتشر بين بعض الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتم الترويج لها باعتبارها وسيلة “سهلة وسريعة” للارتباط بعيدًا عن التعقيدات المادية أو الإجراءات الرسمية، وبينما يراها البعض حلاً عمليًا لمشكلات الزواج التقليدي، حذر رجال الدين وخبراء القانون والاجتماع من خطورتها، مؤكدين أنها تفتح الباب أمام مشكلات تهدد كيان الأسرة والمجتمع، مزيد من التفاصيل فى السطور التالية.

زواج النفحة هو نوع من العقود غير الرسمية التي يتفق فيها الطرفان على الزواج دون المرور بالإجراءات الشرعية أو القانونية المعتادة، ويقوم هذا الزواج على بعض النقاط مثل:الاتفاق على مقدم ومؤخر رمزيَّين والاعتراف بالأطفال الناتجين عن العلاقة لاحقًا وعدم توثيق العقد رسميًا، وغياب الولي في كثير من الحالات، وإتمام العقد بشكل سري أو غير معلن.

غالبًا يتم هذا الزواج بعيدًا عن علم الأسرة، دون شهود حقيقيين أو إعلان عام، مما يجعله أقرب إلى زواج عرفي غير موثق، لكنه يُسوَّق على أنه «زواج شرعي مبسط»!

مع تصاعد الجدل حول «زواج النفحة» وبعيدًا مؤقتًا عن رأي خبراء القانون والاجتماع، يبقى رأي الشباب أنفسهم هو العنصر الأهم في فهم أسباب انتشار هذه الظاهرة، فهم الفئة الأكثر تأثرًا به، والمستهدفة من الخطاب المنتشر على السوشيال ميديا، فمنهم من يراها حلاً عمليًا للهروب من أعباء الزواج التقليدي، ومن يعتبرها مغامرة غير محسوبة العواقب، تتباين مواقف الشباب بشكل واضح، وتعكس آراؤهم حجم الأزمة والارتباك الذي يواجهه هذا الجيل في مسألة الارتباط وتكوين الأسرة.

على مقهى

في أحد المقاهي بوسط القاهرة، دار نقاش بين مجموعة من الشباب حول «زواج النفحة»، محمد (24 سنة - خريج جامعي) قال: بصراحة فكرة الزواج دلوقتي مرعبة.. شقة ومهر وفرح وشبكة لو في طريقة تخليني أتجوز وأعيش حلال من غير كل ده، ليه لأ»؟!

في المقابل، ترفض مي (22 سنة - طالبة) هذه الفكرة تمامًا وتقول: «أنا شايفه إنه زواج ناقص.. لو هو مش مستعد يُشهر زواجنا قدام الناس ويوثقه على يد مأذون، يبقى مش جاد من البداية مش عايزة ألاقي نفسي في مشكلات بعدين وادوخ السبع دوخات في المحاكم ده غير سمعتي وشكلى قدام المجتمع».

أما يوسف (27 سنة) فأوضح؛ أنه سمع عن الظاهرة على تيك توك: «في فيديوهات كتير بتشرح إزاي تعمل العقد من غير مأذون، وبتقول إنه حلال 100%، وناس بتشجع عليه كأنه موضة جديدة بس أنا بصراحة مش مقتنع بل رافضه تمامًا وشايفه ضد الشرع والقانون».

هذه الآراء تعكس حالة الانقسام بين الشباب، بين من يبحث عن حل سريع يجعله يدخل دنيا بدون مشكلات وتعقيدات، ومن يخشى العواقب الاجتماعية والقانونية.

دار الإفتاء

وفى المقابل أكدت دار الإفتاء المصرية في بيان رسمي أن ما يُعرف بـ»زواج النفحة» باطل شرعًا ومحرم، لأنه يفتقد إلى شروط الزواج الشرعي الأساسية، وهي: وجود الولي، الإشهار، الشهود، والتوثيق. وأوضح البيان أن هذه العقود تؤدي إلى مفاسد جسيمة مثل:ضياع حقوق الزوجة والأطفال، عدم إمكانية إثبات النسب بسهولة وانتشار الزواج السري مما يفتح الباب للفوضى الاجتماعية.

وأكدت دار الإفتاء أن الزواج الشرعي لابد أن يتم وفقًا للضوابط الشرعية والرسمية حفاظًا على الحقوق، وأن أي تحايل على هذه الضوابط لا يغير من الحكم الشرعي.

 

تجاهلها خطأ

أما الدكتورة نجلاء إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة فتقول:تقليعة «زواج النفحة» لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد موضة شبابية أو تصرف فردي عابر، لكنها تعبّر عن تحولات اجتماعية عميقة يعيشها المجتمع المصري، خصوصًا في السنوات الأخيرة، مع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على فئة الشباب.

وتوضح أن الزواج التقليدي أصبح بالنسبة لكثير من الشباب معضلة حقيقية، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف تجهيز الشقة، والمهر، والفرح، وتكاليف الحياة اليومية، بجانب ركن الشباب الى عدم العمل وتأخر فرص الاستقلال المادي كل هذه العوامل تجعل بعض الشباب يبحث عن طرق بديلة لتكوين أسرة أو إقامة علاقة شرعية، ولو كانت هذه الطرق غير آمنة أو غير معترف بها رسميًا.

وترى أن أخطر ما في زواج النفحة هو أنه يبني علاقة أسرية على أسس هشة تمامًا، من دون وجود شبكة أمان اجتماعية أو قانونية، وهو ما يفتح الباب أمام مشكلات كبيرة في المستقبل، مثل:ضياع حقوق الفتيات في حال الانفصال أو الخلاف وتعرض الأطفال لمشكلات نسب وهوية قانونية، والأهم تفكك العلاقات الأسرية بسبب غياب الإشهار والتوثيق.

وتضيف؛ أن هذه الظاهرة تعكس أيضًا تأثير السوشيال ميديا المتزايد على تشكيل وعي الشباب، حيث تسوق هذه الأفكار في فيديوهات ومنشورات على أنها زواج شرعي مبسط أو حل عملي، من دون أي توعية حقيقية بالمخاطر المترتبة عليها، وبسبب غياب التثقيف الأسري والديني، يصبح الشباب أكثر عرضة لتصديق هذه الأفكار وتجربتها.

كما تشير إلى أن انتشار زواج النفحة يمكن أن يؤدي تدريجيًا إلى تشويه صورة الزواج كمؤسسة اجتماعية، لأنه يجعل الزواج يبدو كأنه صفقة مؤقتة يمكن إنهاؤها بسهولة، وليس ارتباطًا مستقرًا قائمًا على الالتزام والمسئولية، المشكلة ليست في الشباب فقط، بل في المجتمع كله عندما تصبح تكاليف الزواج عائقًا حقيقيًا، ويغيب دور المؤسسات في دعمهم، من الطبيعي أن تظهر بدائل شاذة، بعضها خطر جدًا، الحل ليس في تجاهل هذه الموضة أو مهاجمتها فقط، بل في فهم دوافعها ومعالجتها من الجذور، من خلال التوعية وتيسير الزواج الرسمي ودعم الشباب ماديًا واجتماعيًا.

اقرأ أيضا: «الأخبار» تكشف حقيقة مكاتب وصـفـحـــات «مــــأذون عــرفــى» |زواج الظـل

فخ

نهى الجندي المحامية المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، قالت: إن «زواج النفحة» لا يعترف به القانون المصري، ولا تترتب عليه أي آثار قانونية من حيث الميراث أو النسب أو النفقة.

وتضيف: البنت في الحالة دي بتكون معرضة إنها تلاقي نفسها من غير أي حقوق قانونية، لا نفقة ولا مؤخر ولا حتى إثبات نسب والقانون لا يحمي هذه الصيغ لأنها غير موثقة ولا معترف بها كما أن كثيرًا من هذه الحالات تنتهي بمآسي، حيث تُترك الفتاة بلا حقوق، ويضيع مستقبل الطفل وسط نزاعات قضائية طويلة.

تقليعة «زواج النفحة» تبدو للبعض مخرجًا سريعًا من أزمات الزواج التقليدي، لكنها في الحقيقة فخ اجتماعي وديني وقانوني يحمل تبعات خطيرة، الآراء الشبابية المتباينة تعكس حجم الحيرة التي يعيشها هذا الجيل، بينما تتفق الآراء الدينية والقانونية والاجتماعية على رفض هذه الصيغة والتحذير من نتائجها.

الحل لا يكمن في التحايل على الشرع والقانون، بل في تيسير الزواج الرسمي ودعم الشباب بشكل حقيقي لمواجهة الأعباء، مع تكثيف حملات التوعية بخطورة هذه الصيغ غير الموثوق فيها.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة