متروكات بالغرفة ٢١٩
الأحد، 19 أكتوبر 2025 - 07:35 م
خالد رزق
لست فى دنيا الأحياء و لا فى عالم الأموات هكذا هو حالى بعد شهرين أمضيتهما على فراش المرض ارتحلت فيهما بعيداً حتى وصلت إلى عند حافة كل الأشياء بعيداً بعيداً عن كل ما فى الدنيا من أشياء وناس كنت فى رقدتى بالمستشفى عاجز حتى عن التنفس أعانى آلامًا مبرحة مع كل شهيق وزفير وخلل بالإدراك مصحوب برؤى وهلاوس عن كائنات غامضة غيبية تحيطنى تزهق أنفاسى وتحاول سحبى إلى الجانب الآخر حيث نهاية كل البشر و مع اشتداد واستمرار الألم كنت ألهج إلى الله بالدعاء طالباً لطفه رحمته بأن يعجل بقبضى إليه لأخلص من كل هذا العذاب.
تسمم بالدم مع التهاب بالغشاء البلورى نتجا عن خراج بكتيرى بالرئة اليسرى غير ورم بالرئة اليمنى كشفت الأشعة عن وجوده، هذا هو التشخيص المبدئى الذى قال به الأطباء الذين كنت أسمع أصواتهم وأنا فى منطقتى الضبابية على سرير المستشفى يناقشون حالتى ويؤكدون صعوبة نجاتى برغم كل ما يبذلونه من جهد فى تطبيبى وكل ما يحقنوه بشرايينى من أدوية لمحاصرة البكتيريا القاتلة بدمى والساكنة برئتى التى راحوا يبذلون ما تجمع فيها من سوائل.
4 أسابيع من العلاج المكثف و عمليات البذل حتى بدأت حالتى بالاستقرار وبدأت تدريجياً وإلى حد ما أدرك ما و من حولى، وأخيراً تقرر خروجى من المستشفى مع استكمال العلاج خارجاً، وبدء مشوار جديد طويل من الفحوص تمهيداً لرحلة مع مرض قررت أن لا أبدأها.
أكثر من أسبوع مر على خروجى من المستشفى لكن الحقيقة أنى لم أغادر أبداً هذه الحافة النائية بعدى بعيد عن كل الأشياء بعدى لا أشعر بأنى فى دنيا الأحياء ولست حتى فى عالم الأموات.. منطقة ضبابية مزعجة لا اٌقدر على مغادرتها ولا أعرف كيف لى أن أغادرها ولا متى.
لحكمة تقديرها عند الله وحده شاءت إرادته عز وجل أن يمهلنى ويمد فى بقائى بهذه الدنيا إلى أجل علمه عنده وحده.. راض أنا بمشيئة الله سبحانه لكنى أعترف أمام العالم بأن الشخص الذى أدخل إلى المستشفى محتضراً.. ليس هو الموجود اليوم، لا الروح هى الروح و لا العقل و الإدراك هو نفسه.. هذه أشياء أخذتها منى الغرفة ٢١٩ بالمستشفى ويبدو أنها لن تعود أبداً.