ياسر عبدالحافظ
من نحن؟
الأحد، 23 نوفمبر 2025 - 01:02 م
من نحن؟ سؤال قديم يتجدد مواكباً لأحداث وهموم كل زمن قبل ما يقرب من تسعين عامًا طرح طه حسين هذا السؤال في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» محاولاً رسم ملامح الشخصية المصرية، وأثيرت حول إجاباته معارك لم تهدأ واليوم، وعلى ذات الدرب الشائك، يعود السؤال ليلح علينا بصور مغايرة، متطلبًا إجابات أكثر جرأة وأكثر فهمًا تتناسب والمتغيرات المتلاحقة.
ومن بين الإجابات عن السؤال يأتي كتاب «مصر الخالدة مهد الحضارة» الذي صدر مؤخرًا عن سلسلة كتاب اليوم، التي أشرف برئاسة تحريرها، تزامنًا مع افتتاح المتحف المصري الكبير، وفي مقدمته يقول مؤلفه، د. فكري حسن: «في عالم تهب فيه تيارات عنيفة تهدد ثبات الشخصية المصرية وتقحم فيها مفاهيم وعادات ضارة تشتد الحاجة إلى تأكيد عظمة مصر ودورها الحضاري، وإلى تفهم دورها في نمو الفكر الإنساني، وجدير بنا أن نكون على دراية ومعرفة بأمجاد أجدادنا لنثبت أقدامنا في عالم مضطرب، ولنساهم في صياغة المستقبل في وحي من الأصالة التاريخية والثقة بالذات.»

تبدو مسألتا الدراية والمعرفة هنا ركنين أساسيين في المعادلة التي يصيغها فكري حسن، أو عنصرين شرطيين لتأكيد: 1- عظمة مصر ودورها الحضاري. 2- المساهمة في صياغة المستقبل.
فهل نملك ذلك؟ ما الذي نعرفه حقًا عن الحضارة المصرية القديمة بخلاف التماثيل والمسلات والتوابيت والمومياوات والأهرامات والأقنعة الذهبية؟ ما نوعية الأفكار والمعتقدات التي أنتجت آثارًا تفيض بها متاحفنا، ومتاحف العالم؟ أي علم قاد إلى خروجها إلى الوجود بتلك الدقة القياسية؟ وما النظرية التي تم بواسطتها الدمج بين العلم والإيمان وبين السماء والأرض؟

الحضارة المصرية القديمة ليست لغزًا، ولا هي نتاج السحر، ولا علاقة للفضائيين (إن كان لهم وجود) بها، هي منجز لأجدادنا ولهذا ففي إمكاننا فهمها والإحاطة بها عبر التمعن في رموزها وأنساقها الثقافية، والبحث عن القواعد والبنى التي وجهت تكامل إنتاجها المادي والروحي.
ما يدعو إليه د. فكري حسن، عبر كتابه المشار إليه، أمر مشترك بينه وبين علماء مصريات آخرين بينهم د. مونيكا حنا التي أصبحت خلال الأيام الماضية صوتًا محوريًا في حوار واسع حول الحضارة الفرعونية، وهو النقاش الذي أطلقه حماس جماهيري مؤيد ومتفاعل مع الأسئلة المثارة حول كل ما هو فرعوني، مرتكزًا على المتحف الكبير وما يمثله من قيمة مضافة للثقافة المصرية والعالمية، قبل أن ينحو النقاش في اتجاه ما يبدو أنه رغبة جماعية في إعادة بحث مسألة الهوية والانتماء المصري، وفيما يبدو أيضًا أنه سعي لإعادة تأسيس العلاقة مع الذات ومع الآخر.

وأهمية سؤال «من نحن؟» وحساسيته، تتطلبان بداهة الإحاطة الكاملة بالمرتكزات القائم عليها، وتوسيع مساحة النقاش الجاد حول تلك المرتكزات، سواء كانت نظرية أم نصًا أم حضارة سابقة، لاختبار قابليتها للاستخدام في الحاضر، وعلى النقيض فإن تسطيح الأفكار وتسفيه الآراء والنزوع إلى الرأي الواحد، يعني مباشرة المخاطرة بإعادة إنتاج مشاريع مشابهة لأخرى منبوذة سياسيًا ومجتمعيًا وثقافيًا كانت قد أوجدت لنفسها المساحة عبر الترهيب، وباستغلال جهل الناس لصياغة مانفيستو لا يلبي سوى طموحاتها.
في السجالات الموسعة الدائرة حاليًا حول الحضارة المصرية القديمة والرؤية بأنها الأساس للهوية ومن ثم تحديد الانتماءات وأشكال العلاقات، تغيب المرجعية التي تشكل أرضية النقاش، فتلك الحضارة لم تكن قطعة واحدة، خلف معروضات المتاحف جرت حيوات مختلفة بما يعنيه ذلك من تقلبات وصراعات، ساد النظام في أوقات مثلما مرت مراحل من الفوضى، فأي تاريخ من هذا نستدعيه، أي قيم فنية وجمالية يمكننا استلهامها، ما الفلسفات الرئيسية التي بقدرتها التماشي مع حاضرنا؟ وفي هذا وغيره فإننا في حاجة إلى دليل يساعدنا في فتح كتاب الحضارة المصرية القديمة، خطط مقترحة للقراءة والمعرفة كي لا نتوه وسط هذا التاريخ الطويل والمعقد.
ما ينبه إليه فكري حسن ومونيكا حنا وأصوات أخرى عدة أنه لا بد من إنهاء حالة القطيعة المعرفية التي فصلت المصريين المعاصرين عن رموز حضارتهم، لأنها هي نفسها التي سمحت لمشاريع الاستشراق القديم باختزال الحضارة في الثلاثية التجارية: مقبرة وكنز ولعنة، كما أنها سمحت لمشاريع التسطيح الحديث بربط الحضارة بالخرافات ونزع إنسانيتها عنها.
هذه المشاريع المرفوضة، كما تنادي د. مونيكا حنا، هي نتاج لـنسق ثقافي استعماري قدم التاريخ المصري كـ «شيء غربي» معروض في متاحف أوروبا، وليس كـ «سردية ذاتية» يمتلكها المصريون أنفسهم، لهذا تطالب د. مونيكا بتحرير علم المصريات من هيمنة السردية الأجنبية، ويطالب د. فكري حسن باستغلال المتحف الكبير للعمل مجددًا على استكشاف أسس حضارتنا. ونقطة الالتقاء الجوهرية بين الرأيين هي ضرورة إعادة تملك المصري لتراثه. فكل منهما يرى أن المعرفة هي مفتاح الأصالة،كلاهما يسعى لإنهاء القطيعة وتحويل الآثار من مجرد كنوز مادية إلى أنساق ثقافية مفهومة.
يذهب فكري حسن ومعه آخرون إلى أن النسق الثقافي المهيمن في مصر القديمة لم يكن مجرد منظومة دينية، بل هو نظام اجتماعي كوني يفرض على الجميع، بمن فيهم الفرعون، عبر الالتزام بالحق والعدل والنظام والتوازن (ماعت). الأهرامات والمعابد والتحنيط هي تجسيد مادي لهذه القيمة: بيان مذهل لضرورة الانتصار على الفوضى وإقامة العدالة لضمان استمرار الحياة على الأرض وفي العالم الآخر. هذا الإيمان بالتجانس والاتساق هو ما جعل الحضارة المصرية فريدة في صمودها، وإعادة تأسيس علاقتنا بالتراث تعني استرداد هذا النسق القيمي، والتحرر من النظرة السطحية للفرعونية بوصفها قصصاً عن الكنوز والمومياوات فحسب.

النقاش الموسع حالياً، المدفوع بحماس افتتاح المتحف الكبير، يمثل فرصة لتجاوز السجالات العقيمة والتركيز على الجوهر: كيف يمكن للمعرفة التاريخية أن تخدم الهوية الحالية؟ السؤال ليس هل نحن ورثة الفراعنة بيولوجياً، بل هل نحن قادرون على قراءة الأنساق الكبرى التي خلّفوها بوعي وإدراك؟ والإجابة تتوقف على تلبية نداء د. فكري حسن وتلبية متطلبات نقد د. مونيكا حنا في تحويل الآثار من مادة للانبهار إلى مصدر للمعرفة بالذات وعندما نتمكن من أن تثبيت أقدامنا في عالم مضطرب ونحن على وعي بجوهر نظامنا القيمي الثابت والتاريخي، سنكون قادرين على الإجابة بثقة ووعي على السؤال الأهم: من نحن؟
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
مدونات «الخوانم»
مقال مرفوض لأنه... غير بشرى!
برقيات كويتية
رحلةُ الأسطح ما تقوله الطوابق العلوية عن الكتابة
رسالة إلى الروائيّة السوريّة نجاة عبدالصمد
سؤال الثقافة.. من القاهرة إلى الكويت
الدورة 57 لمعرض القاهرة للكتاب.. على أعتاب المستقبل
أزمة جائزة ساويرس: سلطة الحجب.. ووصاية المعرفة!
مصطفى نصر |حكاء الإسكندرية









