سعيد الخولى
كلمة والسلام
حكاية الغلاء والوباء والبلاء!
الخميس، 11 ديسمبر 2025 - 08:20 م
عند ظهور السينما فى الغرب كان للخط الأخلاقى نصيب فيها وكان الشارع الغربى يتسم بنوع من الحشمة والوقار فى ملابس النساء، وقد شاهدت مؤخرا تسجيلا سينمائيا نادرا لشارع فى لندن نهاية القرن التاسع عشر مدته دقائق قليلة مع ظهور الصورة المتحركة سينمائيا، وكان ما يلفت النظر واسترعى انتباهى أن الأزياء الحريمى كان فيها برقع وإسدال للملابس حتى قرب كعب القدم، وبطبيعة الحال كان هناك توجس من الصبية والرجال والنسوة وهم يتهربون من الكاميرا هربهم من شيطان يطاردهم، مثلما يحكى عمنا الجبرتى عن الحملة الفرنسية واستغراب المصريين لما شاهدوه من تقدم كانوا يظنونه نوعا من المس الشيطانى. كان هذا الشارع اللندنى تلخيصا لحالة اجتماعية وأزياء غربية محتشمة لم تعجب بنى صهيون وهم يضعون أيديهم على صناعة السينما فى هوليوود، حيث مصنع الأحلام السينمائية الكبرى فى العالم، وحيث كان أحد أهداف بروتوكولات حكماء صهيون بالتحكم فى الإعلام بجوار الاقتصاد والذهب فى العالم.
كانت السينما الحصان الجامح الذى قطع المسافة من الغرب إلى الشرق بسرعة البرق وكان لا بد لليهود من السيطرة عليه وتوجيهه، حيث يطمحون فى السيطرة على وجدان الجماهير وأفكارهم، ولم تعجبهم لقطات لندن المتحفظة ولا البعد الأخلاقى للسينما الأمريكية فى البداية فكانت صرعة العرى والقبلات الساخنة والاستعراضات المبهرة والأزياء الزاعقة المثيرة.
ولم تختلف الصورة بالطبع على شاشة السينما المصرية التى دخلت الساحة مبكرا ضمن أقدم سينمات العالم، ونطقت السينما المصرية مع العالمية وشهدت فى بداياتها الأعمال المأخوذة عن أعمال أدبية هادفة ـ فيلم «زينب» نموذجا ـ حتى خلعت هى الأخرى برقع الحياء بفعل المخرجين الأجانب فى البدايات والاستعراضات من تصميم يهود مصريين قبل أن يتركوا مصر، ولعل من تابع الأعمال القديمة فى الأربعينيات يلمح نزعة متحررة فى الملابس والاستعراضات بتلك الأعمال التى شارك بها يهود تمثيلا أو إنتاجا أو إخراجا أو تصميما للرقصات.
السينما كانت نورا ونارا حملت فى طياتها بعض التنوير وكثيرا من الوباء الذى هتك كثيرا الغلالة الشفافة أو الخيط الرفيع بين الصراحة والوقاحة وبين الجمال المعنوى المحسوس والعرى الكاشف الملموس، وتاهت فى أغلب أحوالها رسالة وقيمة تحملها وسط بهارات الصنعة المتكلف فيها ومغازلة شباك التذاكر وغرائز الشباب والفتيات، وتفرق صانعوها بين مبدأ الفن للفن أم الفن للناس والمجتمع، واسترسل أصحاب الفن للفن فى تفريغ كبت نفوسهم ليملأوا منه فراغ نفوس الصغار، وما بين حرية مطلقة فى الغرب وحرية ثلاثية القيود فى الشرق بين السياسة والجنس والدين وتسلط الحكام كان طبيعيا أن يسود وباء الأخلاق تحت دعوى حرية الإبداع ويسيطر على متلقيها من المحرومين من حرية الرأى والإبداع ليصفقوا دائما لكل الوارد من الغرب رغم أن كثيرا منه لا يسر القلب، وسادت موجات البلطجة والمخدرات والجنس فيما يرد إلينا من فن موجه لنا ومصنوع على مقاسنا، وضج الشاكون واشتكى الضاجون ولكن هيهات فالفأس كثيرا ما كانت تقع فى الرأس.
ونفس الأمر جرى مع فرض نمط من الملابس بدعوى الموضة، ولعل كثيرين منا يتذكرون كيف هجمت موضة البنطلونات المقطعة بشراسة بدءا من الأعمال الفنية ثم البرامج المستضيفة لنوعيات منفلتة من مدعى ومدعيات الفن وهم يتباهون أمام المشاهدين بتلك الموضة المزرية، حتى بات الناس مرتعبين من أن يصبحوا فيجدوا أولادهم وبناتهم جميعا على تلك الدرجة من الوقاحة وازدراء الاحترام والاحتشام.. وبعدها تهدأ الأمور قليلا لتقل الرقع والثقوب وتبتعد قليلا عن مواضع الإثارة ويتقبلها بعض الناس بعد مقارنتها بما أرعبهم، وتتحول البنطلونات ذات الثقوب الهادئة إلى صرعة مبلوعة.
ألأ تلاحظون أنه نفس نهج فرض الغلاء: أسعار فجائية ملتهبة يصرخ منها الناس، تراجع طفيف بعد ضغوط يقبل معه الناس بأكثر مما كانوا يتأذون منه!
إنها نظرية الغلاء والبلاء والوباء. اللهم ارحمنا.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة
وقفة في ذكرى رحيل أحمد سعيد.. «صوت العرب» الذي واكب ثورات التحرر
الجميع يكرهونك !
هدنة على الورق..!
مليون عضة فى السنة.. «مش كفاية»؟..
تنمية الصادرات البستانية
العدالة المكانية









