أحمد عبد الفتاح عطية
أحمد عبد الفتاح عطية


أحمد عبد الفتاح عطية يكتب: السلاح الذي لا يُرى«1»

بوابة أخبار اليوم

السبت، 13 ديسمبر 2025 - 07:08 م

في عالم السياسة الدولية، غالبًا ما يُقاس نفوذ الدول بعدد الجنود، وحجم الترسانة العسكرية، وقوة الاقتصاد، والقدرة على فرض الشروط أو تغيير السلوك عبر أدوات الردع والعقوبات، هذه هي القوة الصلبة، القوة التي تخاطب الجسد قبل العقل، وتفرض نفسها بمنطق العصا والجزرة، بالإكراه حينًا وبالإغراء حينًا آخر.
لكن في المقابل، هناك نوع آخر من القوة، لا يقرع الطبول، ولا يطلق الرصاص، ولا يتقدم في تشكيلات عسكرية، ومع ذلك يتسلل إلى العقول بهدوء، ويستوطن الوجدان بلا استئذان، ويعيد تشكيل الاتجاهات والميول، ثم يترجم نفسه في القرارات والمواقف والاصطفافات، إنها القوة الناعمة، السلاح الذي لا يُرى.
هذا المفهوم صاغه المفكر السياسي الأمريكي جوزيف ناي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حين قال إن القوة لم تعد فقط في القدرة على إجبار الآخرين، بل في القدرة على جعلهم يريدون ما تريده أنت، وعرّفها بأنها: "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال."
إنها قوة الإقناع العميق، لا الإكراه العنيف؛ قوة القدوة لا السوط، وقوة النموذج لا الفرض، فهي القدرة على أن تحقّق أهدافك لأن الآخرين انجذبوا إلى صورتك، وآمنوا بقيمك، وانحازوا إلى سرديتك، لا خوفًا من عقابك، بل احترامًا لكينونتك الذاتية الملهمة.
وتقوم القوة الناعمة، في جوهرها، على ثلاث ركائز كبرى:
1.    ثقافة جذابة تشعّ بما تحمله من فن وفكر وإبداع.
2.    قيم سياسية وأخلاقية محترمة تمنح النموذج مصداقية.
3.    سياسة خارجية تُدرَك بوصفها شرعية ومتّزنة لا عدوانية.
وعندما نُسقط هذا المفهوم على خريطة العالم، لا نجد كثيرًا من الدول تمتلك مقومات القوة الناعمة بصورة فطرية ومتجذّرة كما تمتلكها مصر. 
فمصر، في الوعي الجمعي الإقليمي والعالمي، لم تكن يومًا مجرد كيان سياسي بحدود مرسومة على الخرائط، بل كانت دائمًا فكرة، وحالة حضارية، وقلبًا نابضًا لمنطقة كاملة.
منطقة هي مهبط الأديان، ومستودع الحضارات، وجسر العبور بين الشرق والغرب، ففي قلب هذه الجغرافيا وُلد الدور المصري، لا باعتباره خيارًا سياسيًا طارئًا، بل باعتباره قدرًا تاريخيًا متجددًا، ومصر لا تمتلك القوة الناعمة بالتصنيع أو بالاستيراد، بل تمتلكها بالفطرة الحضارية، كما يولد الإنسان بلغته الأم.
فكيف تمتلك مصر هذه القوة بالفطرة؟
أولًا: جاذبية التاريخ والجغرافيا: اسم "مصر" وحده يحمل رنينًا استثنائيًا في الذاكرة الإنسانية، لفظه يستدعي تلقائيًا صورة الأهرامات، ووقفة أبو الهول، وجلال معابد الأقصر، وسحر أسوان، وانسياب نهر النيل الذي علّم البشرية معنى الاستقرار والزراعة وبناء الدولة.
واليوم يعود هذا المجد في صورة معاصرة عبر المتحف المصري الكبير، الذي لا يقدّم آثارًا فقط، بل يعيد تصدير "دهشة الحضارة" إلى أذهان العالم من جديد.
هذا الإرث ليس مجرد حجارة صامتة تُزار للفرجة، بل هو رصيد رمزي هائل يمنح مصر مكانة وجدانية فريدة. إنها حضارة لم تُغلق أبوابها في كتب التاريخ، بل ما زالت حاضرة كأنها "أصل الحكاية"، وكأن العالم، كلما أراد أن يتذكّر أول سطر في رواية الإنسانية، عاد إلى هنا.
أما الجغرافيا، فقد منحت مصر دورًا لا يمكن القفز عليه: بوابة بين آسيا وإفريقيا، إشراف مباشر على شريان عالمي مثل قناة السويس، وموقع جعلها دومًا نقطة تماس بين المصالح والصراعات الحضارية. هذه الجغرافيا لم تكن عبئًا، بل تحولت — عبر التاريخ — إلى مصدر نفوذ ناعم أيضًا، لأن من يمرّ عبر أرضك، يمرّ بثقافتك، ويتأثر بنموذجك.
ثانيًا: الثقافة كقاطرة للتأثير: لعدة عقود، كانت القاهرة — ولا تزال — هوليوود الشرق، من المحيط إلى الخليج، توحّدت المشاعر على صوت أم كلثوم، وذاب الشجن في نبرات عبد الحليم حافظ، وضحكت البيوت العربية مع عادل إمام، وسكنت وجدان الإنسان العربي روايات نجيب محفوظ.
لم تكن اللهجة المصرية مجرد لهجة، بل تحولت — عبر الفن والدراما والسينما — إلى لغة وجدانية مشتركة للعرب، يفهمها الطفل في المغرب كما يفهمها الشاب في الخليج، ويتلقاها الجميع بلا نفور، وهذا وحده إنجاز ناعم لا تصنعه الجيوش ولا تفرضه القوانين.
القوة الثقافية المصرية لم تكن مشروعًا سياسيًا مُدارًا من أعلى، بل نتاجًا طبيعيًا لعبقرية المكان، وخصوبة المجتمع، وتراكم المواهب، وحضور الدولة الوطنية الحديثة كحاضنة للفن والتعليم والإعلام، وخطورة هذه القوة، وجمالها في آن واحد، أنها غير ملحوظة أثناء عملها، لكنها حين تترسخ، تغيّر الذائقة، وتوحّد الوجدان، وتصنع ذاكرة جمعية عابرة للحدود.
ثالثًا: الريادة الفكرية والروحية: على مدار قرون، شكّل الأزهر الشريف منارة للفكر الإسلامي الوسطي، ومقصدًا لطلاب العلم من مشارق الأرض ومغاربها، آلاف الطلاب عادوا إلى بلدانهم وهم يحملون — بوعي أو دون وعي — النسخة المصرية من الإسلام: الإسلام المتوازن، الذي يجمع بين النص والعقل، وبين العبادة والعمران، وبين الهوية والانفتاح.
ولم يكن هذا الدور دينيًا فقط، بل فكريًا وسياسيًا أيضًا، فالجامعات المصرية، والصحافة، ومراكز البحث، والمفكرون، كانوا — لعقود طويلة — مصدرًا للأفكار القومية والتحررية والتنويرية التي شكّلت الوعي العربي في منتصف القرن العشرين، من الاستقلال الوطني إلى العدالة الاجتماعية، ومن الدولة المدنية إلى نهضة التعليم.
وهكذا، لم تكن مصر قوة ثقافية فحسب، بل كانت قوة فكرية وروحية، تؤثّر بالعقل كما تؤثّر بالوجدان، وتبني التصورات كما تبني المشاعر.
رابعًا: الدبلوماسية والذاكرة السياسية: القوة الناعمة لا تُصنع بالثقافة وحدها، بل تستكمل بالمواقف. ومصر، عبر تاريخها الحديث، راكمت رصيدًا رمزيًا هائلًا من خلال أدوارها في قضايا التحرر الوطني، والوحدة العربية، والصراع العربي–الإسرائيلي، وحركات عدم الانحياز، ومحاولات حفظ الاستقرار الإقليمي.
حتى في أكثر لحظات الجدل السياسي، ظلّ اسم مصر مرتبطًا في الوجدان الجمعي بفكرة "الدولة المركز"، و"الميزان الإقليمي"، و"صوت العقل" حين يغيب، و"صمام الأمان" حين تختل الموازين، وهذا الرصيد — حتى حين يتعرض للاهتزاز — لا يسقط دفعة واحدة، لأنه متجذّر في الذاكرة الطويلة لا في الحدث العابر.
إن امتلاك هذه المقومات بالفطرة هو منحة حضارية نادرة، لكنه ليس ضمانًا أبديًا لاستمرار التأثير، فالقوة الناعمة إن لم تُدار بحنكة وعناية، تتحول من مصدر إلهام وجمال يحتذى به إلى عبء مهمل.
والعالم اليوم لا يشبه عالم الأمس، فنحن أمام ثورة في الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل، وصناعة الصورة، وحروب السرديات، والتأثير عبر الخوارزميات، لا عبر الشاشات فقط، والدول التي أدركت ذلك مبكرًا لم تعد تنتظر أن "يحبّها" العالم تلقائيًا، بل صارت تصنع صورتها بعناية، وتسوق قيمها بذكاء، وتبني سرديتها بدقة عسكرية ولكن بأدوات ناعمة.
وهنا يبرز السؤال المصيري الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار والمثقف والمواطن معًا:
كيف نُحوّل هذا الرصيد الفطري الهائل من مجرد إرث تاريخي، إلى قوة استراتيجية واعية، متجددة، مستدامة، وقادرة على المنافسة في عالم سريع التحوّل؟
مصر تمتلك القوة الناعمة بالفطرة، نعم، لكن الفطرة وحدها لا تكفي في زمن تُدار فيه السمعة كما تُدار البورصة، وتصنع الصورة كما تُصنع الصواريخ، وتُخاض المعارك بالسرديات قبل المدافع.
وهذه ليست نهاية المطاف، بل هي مجرد محطة في رحلة أطول، ففي المقالات القادمة من هذه السلسلة، سنقترب أكثر لنرى: كيف يمكن أن تُروى هذه القوة بالإرادة الحديثة؟ وكيف نصنع من هذا الإرث العظيم استراتيجية متجددة تليق بمصر القرن الحادي والعشرين؟
 
كاتب المقال: أكاديمي وريادي في مجال الشؤون الدولية والاستشارات والتدريب

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة