على طريق الحرير: رحلة إلى مهد الحضارة الصينية

صالون الشعر العالمي والرقص والموسيقى والفنون البصرية

الإثنين، 15 ديسمبر 2025 - 10:26 م

منصورة عز الدين

فى حلم قديم، رأيتُ نفسى على طريق مغبش بضباب زمنٍ غابر على الطريق كان ثمة قوافل تحمل ما لا أعلم من بضائع وأسرار وفى الفضاء ترددت أغنيات بلغاتٍ لا أعرفها، لكنها لمست قلبي. أغنيات حولتنى نغماتها إلى فراشة يتلاعب بها النسيم ويغويها الضوء.  لم أسأل: هل أنا امرأة حلمت بأنها فراشة؟ أم فراشة حلمت بأنها امرأة؟ لأننى لم أفكر سوى فى الطريق: ما يعد به وما يُخبئه بين ثناياه. حركته الدائبة أبعدت عنى البلادة، ومنحتنى لحظة بصيرة. وأنبأتنى قوافل المسافرين بأننى لستُ وحدي، ففى داخلى يعشش آخر خطرت لى أسماء مدن مثل هانغتشو، بخارى، سمرقند، مرو، أصفهان، مشهد، حلب، الإسكندرية وفينيسيا، فأدركتُ أننى على طريق الحرير، ذلك الطريق الذى لم يقتصر على كونه وسيلة للتبادل التجاري، بل مَثَّل مختبرًا لتلاقح الأفكار واللغات والثقافات والأديان والأنماط المعمارية لقد جعل العالَم عالَمًا، وليس مجرد جزرٍ منعزلة أو بلدانٍ متنافرة تحتمى خلف الأسوار والحدود.  ربط طريق الحرير بين حضاراتٍ متباعدة، فوضع مرتادوه يدهم على القواسم المشتركة بينهم وبين الآخر، فلم يعد مخيفًا أو مهدِّدًا، وارتحل الرحالة القدامى من أدنى الأرض إلى أقصاها، ودونوا ما رأوه من غرائب وعجائب، وحكوا عن طبائع شعوب بعيدة، فرأى القراء فى تلك الحكايات جزءًا من أنفسهم، وعرفوا ضمنًا أن الذات لا تكتمل إلّا بوجود الآخر، فهو جزء منها، مُتضَمَّن فيها والفن طريق نلتقى فيه بالآخر، ومسار يقودنا إليه، وفى خضم هذا، يقودنا إلى أنفسنا ويبصِّرنا بها. مَرَّت السنوات، وتطورت وسائل السفر وطرائق التجارة والتبادل الثقافي، لكنَّ استعارة طريق الحرير ظلت معنا، ماثلة بيننا ومذكرةً إيانا بأنها لو لم تكن موجودة لاخترعناها، وبأن لكلٍ منا طريق حريره. عن نفسي، كانت الكتب، وما زالت، طريق الحرير الخاص بي؛ الخيط الرابط بينى وبين بلدان وثقافاتٍ بعيدة، آلة الزمن الكفيلة بنقلى إلى عصور قديمة وعوالم مستقبلية عبر القراءة. وكانت الصين واحدة من البلدان التى قربتنى منها القراءة ذلك البلد الثرى الذى لطالما نُظِر إليه أنه يمثل آخر الدنيا وحدها الأقصى، بات أقرب كل مرة قرأت فيها عنه، سواء فى مؤلفات الرحالة القدامى أو فى متون الطاوية التى فتحت لى أفقًا لرؤية العالم بعينين جديدتين ثم اقتربتُ أكثر من الصين وثقافتها حين أقمتُ لشهرين فى شنغهاى بدعوة من اتحاد كُتّابها فى خريف 2018، قبل أن أزور بكين وجوهاي، فى العام التالي، بدعوة من مركز مو يان الدولى للأدب بجامعة بكين وفى هذه الزيارة الثالثة، جاء الدور على هانغتشو للمشاركة فى الدورة الثالثة لمنتدى ليانغتشو العالمي، الذى أُقيم يومَى 17 و18 أكتوبر الماضي.  بدأ هذا المنتدى الساعى لاستعادة ميراث طريق الحرير، حين أعلن الرئيس الصينى شى جين بينج، خلال فعاليات منتدى «الحزام والطريق» فى أكتوبر 2023، عن تأسيسه لتعزيز التبادل الثقافى والتواصل بين الحضارات المختلفة وهو بالفعل يمثِّل أرضية مشتركة، ومساحة للتحاور والتفاهم، بحيث يمكن وصفه بِطَريق حرير مجازي، يشيِّده ويشكله منظموه والمشاركون فيه لإيصال رسالة مفادها أن ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم، وأن التنوع والاختلاف، لا يعنيان العداوة والشقاق، بل هما بهار الحياة ودليل غِناها وتعدد طبقاتها. وقد اُختيرت ليانغتشو، وهى جزء من مدينة هانغتشو، لاحتضان هذا المنتدى، لأنها مهد حضارة ليانغتشو القديمة التى تعود لخمسة آلاف عام مضت، وأُدرجت أطلالها الأركيولوجية على قائمة التراث العالمى لليونسكو عام 2019.  هذا بخلاف أن مدينة هانغتشو كانت مركزًا تجاريًا رئيسيًا على مسار طريق الحرير، وورد ذكرها فى كتابات الرحالة العرب القدامى باسم “الخنساء”، لتشابهه مع نُطقها بالصينية: “خانسو”.  ويمتاز هذا المنتدى، الذى تزامن هذا العام مع الذكرى الأربعين لانضمام الصين إلى اتفاقية التراث العالمى والذكرى العشرين لاتفاقية اليونسكو للتنوع الثقافي، بأنه يجمع كتّابًا وموسيقيين وفنانين تشكيليين ومطربين ومصممى رقصات ومسرحيين وشعراء، وبهذا لا ينحصر الحوار والتبادل الثقافى بين حضاراتٍ مختلفة فقط، بل يمتد ليصبح حوارًا بين فنون وأجناس أدبية متنوعة فيلتقى الشاعر بالفنان التشكيلى والعازف ويتعرف الراقص على الشعر والأدب على نحو أعمق. فى اليوم الأول، وخلال جولة فى أكاديمية فنون هانغتشو - أقدم أكاديمية فنون فى الصين، تأسست عام ١٩٢٨ وتخرج فيها فنانون صينيون مهمون - أضاء الفنانون التشكيليون المشاركون معنا فى المنتدى رؤيتنا للّوحات المعروضة بتعليقاتهم الذكية وعيونهم الخبيرة فى هذا الحقل، مما أتاح لنا وضع ما نراه من لوحات وأعمال فنية فى إطار تاريخ الفن التشكيلى بمدارسه ومراحله المختلفة. وخلال الحفل الموسيقى الذى دُعينا له بعد انتهاء أنشطة المنتدى، بدت تجربة الاستماع إلى موسيقى كلاسيكية وأغنياتٍ أوبرالية برفقة متخصصين مختلفة، إذ لفتتنى طريقة انفعالهم بالموسيقى وتجاوبهم معها. تكلم حتى أراك    فى يومنا الأول، وخلال جولاتٍ ترفيهية هادفة لتعريفنا بطبيعة المكان وفنونه وثقافته، تعرفنا نحن المشاركين فى المنتدى على بعضنا البعض فى الأثناء. نمت بهدوء صلات بين كتّاب وفنانين وموسيقيين من مصر ونيجيريا وتنزانيا وسنغافورة وأيرلندا والفلبين واليونان ونيوزلندا وغيرها من الدول. قامت هذه الصلات بالأساس على حكى طرائف وإشباع فضول أحدنا تجاه الثقافة التى ينتمى إليها آخر، أو مجرد ثرثراتٍ هادفة لتزجية الوقت وكسر الجليد كى لا يشعر أحد بأنه معزول عن الآخرين، لكن ما حدث فى اليوم التالي، حين تحدث كل منا فى جلسة من الجلسات النقاشية عارضًا أفكاره حول العلاقة بين الثقافات المختلفة، وكيفية توطيدها عبر الفن والثقافة، وكيف تعامل فى إبداعه مع ثقافته الأم واستلهمها ووظف موتيفاتها وعناصرها، وحين غنى آخرون أو عزفوا أو قدموا رقصاتهم وعروضهم الفنية، بدونا كأنما نتعارف بطريقة أخرى أعمق، أقصد بها طريقة اكتشاف فنان لفنان آخر. هكذا تجد نفسك أمام مشارك لم يسبق لك محادثته منذ وصولك يقدم نفسه لك معربًا عن إعجابه بكلمتك ومناقشًا إياك فى بعض نقاطها. وتقترب أنت من آخر مطريًا على عزفه أو صوته أو رؤيته الفنية، وقد اكتشفت ما يحوله من مجرد شخص لطيف أو متحدث لبق إلى فنان استثنائى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.  ذاكرة جمعية للبشر    تحدثت فى كلمتى عن الطابع الروحى العميق للحضارة المصرية القديمة، وعن إيمان المصرى القديم بوحدة الوجود وبأن كل الموجودات متصلة؛ حبة الرمل لا تقل أهمية عن الإنسان، والنباتات والحيوانات ومظاهر الطبيعة جديرة بالتقديس والتقدير. وكيف كان لكل إله من آلهة المصريين القدماء معادل حيوانى ومعادل نباتي. وأضفت: “هذا الاحترام للطبيعة منعكس فى كتاباتي، إذ أهتم كثيراً بالنباتات وبطبوغرفيا الأماكن وكذلك بالحيوانات، ويحظى الماء مُمثلًا فى نهر النيل بمكانة مركزية فى أعمالي. لقد وُلدتُ ونشأتُ فى دلتا نهر النيل وتشبعت بالحكايات الشعبية عنه والأساطير المنسوجة حوله. تظهر الأساطير والميثولوجيا المصرية القديمة فى معظم أعمالي، خاصة أسطورة اختراع الكتابة على يد الإله تحوت التى تجلت بوضوح فى كتابَيّ “مأوى الغياب” و”جبل الزمرد”. ثمة أيضاً تأثيرات غير مباشرة لها علاقة برؤية الواقع وتوظيف الأسطورة، لكن أهم ما تعلمته من الحضارة المصرية القديمة تمثَّل فى عدم الانغلاق على الذات، وفى الانفتاح على الحضارات الأخرى واحترامها. فى قراءاتى عن أى حضارة أخرى، أراها فى مرآة الحضارة المصرية القديمة، أتتبع نقاط التقائها معها واختلافها عنها. حين تعرفت على الحضارة الصينية القديمة مثلًا، لفت نظرى مركزية الماء فيها هى الأخرى، وتقديس زهرة اللوتس التى كانت زهرة مقدسة فى مصر القديمة وكذلك احترام الطبيعة والإيمان بوحدة الوجود”. وتحدث الفنان التشكيلى الصينى والباحث فى تاريخ الفن شن لينفينج بدوره عن نقاط الالتقاء بين الحضارات المختلفة، وكيف لاحظ هيام طلبته بالجداريات المصرية القديمة على وجه الخصوص، مؤكدًا على أن الحضارات الإنسانية لا تتنافس، بقدر ما تتكامل حتى وإن تباعدت المسافات بينها وتكلم الشاعر الإسبانى خوان كارلوس ميسترى عن الذاكرة الجمعية للبشر وكيف تتصادى فيما بينها، وعن إيمانه بها أكثر من إيمانه بالبصمة الجينية الخاصة بكل شعبٍ على حدة.  واستعرض الفنان التشكيلى المصرى فريد فاضل أوجه التشابه والاختلاف بين موتيفات الحضارة المصرية القديمة وحضارة ليانغتشو الصينية القديمة، إذ توقف أمام البساطة التامة فى منحوتات اليشب الصينية، كأن الفنان يصل إلى جوهر الشكل عبر إزالة كل الضوضاء غير الضرورية والتفاصيل الزائدة كى يضيء حضور الجماليات الأساسية. وعن الموتيفات والأنساق المصرية القديمة تحدث عن موتيفات الحيوانات فى تمثيل الآلهة وأبو الهول الذى يحمل رأس إنسان وجسد أسد، والعكس فى حالة سخمت. والموتيفات الحيوانية فى رءوس الأعمدة فى كل من مصر واليونان، وموتيفات الطيور فى نقوش المنزل النوبي. أما اليونانية أرتميس إجناتيو، مديرة مسرح الرقص الفنى فى اليونان، ومصممة رقصات مراسم تسليم الشعلة الأولمبية، فتحدثت عن تأثرها بالأساطير الإغريقية واستلهامها الرقصات التى تصممها منها ومن التماثيل الإغريقية. وفى جلسة النقاش التى شارك فيها مصمم الرقصات الفلبينى رونى ميرابوينا، تكلم عن كيف يتحول الرقص إلى لغة معبرة عن المكان وثقافته، واستولى على انتباه الحضور بتأدية حركات راقصة كل منها يعبر عن منطقة بعينها فى الفلبين ذات خصوصية ثقافية وطبقية واجتماعية، وكيف يحاكى الرقص الطيور وغيرها من المخلوقات وعناصر الطبيعة، وامتلك ميرابوينا المسرح تمامًا فى نهاية كلمته حين طلب من الحضور الوقوف والتفاعل معه وهو يرقص بترديد عبارة بعينها، فقاموا أولًا على استحياء، ثم سرعان ما انسجموا معه.  وقدم عازف البيانو اليوناني، المتخصص فى الموسيقى الكلاسيكية، نيكولاوس لاريس مشاركة لافتة تحدث فيها عن دور العازفين كوسطاء بين الموسيقيين الكلاسيكيين وبين المستمعين، وقد بدأ كلمته بمقارنة مثيرة للتفكير بين الكلمة والنغمة الموسيقية، جاء فيها: “الكلمات تجرح. فالإدراك الذاتى لمعنى الكلمة قد يخلق انقساماتٍ عميقة بين شخصين، بل وحتى بين أمم بأكملها. أما الإدراك الذاتى للموسيقى، فمن الصعب أن يُحدث انقساماتٍ بين الناس، إلا ربما بين بعض الأكاديميين. فكل إنسان يشعر بطريقته الخاصة، وبطريقة غالبًا لا يمكن التعبير عنها بالكلمات ليست الكلمات دائمًا قادرة، ولا حتى ضرورية، لوصف المشاعر التى تولّدها أعمال فنية خالية من اللغة، مثل: الموسيقى أو الرقص. يمكن للإنسان أن يتأثر بعمق من عمل فنى كهذا دون الحاجة إلى استخدام اللغة. وهكذا، فى قاعة حفلات موسيقية، يمكن لآلاف الأشخاص، من قارات مختلفة، أن يشعروا بمشاعر متشابهة فى الوقت ذاته. وقوة هذا الشعور الجماعى المشترك هائلة بطبيعتها. ببساطة، الموسيقى توحّد الناس على مستوى الإحساس، وعلى مستوى الإدراك غير اللفظي.” وعرضت الراقصة ومعلمة الرقص السنغافورية يان شوونغ ليان على خلفية المسرح خلال كلمتها رقصة صممتها وشاركت بها فى مهرجان فنى بكوريا الجنوبية، موضحة عبرها اختلاف الرقص الآسيوى جذريًا عن نظيره الغربي، وشارحة كيف تصبح الألوان والثياب التقليدية والثقافة الأم وعلاقة الجسد بالفراغ جزءًا أساسيًا فى التصميم، وليس فقط حركات الرقص والحقيقة أن الرقصة التى عرضتها كانت رائعة ومختلفة بالفعل عن أى عرض راقص سبق لى مشاهدته، خاصة أنها وظفت الألوان والأقمشة والتفاصيل الآسيوية بمهارة فى تصميمها. وبين الجلسات قدمت فرق رقص صينية رقصاتٍ من صميم بيئتها الخاصة ومعبرة عنها، وقدم فنانون من البرازيل وتونس وغيرها فقرات عزف وغناء تعبر عن التنوع والثراء الهائلين للتراث الثقافى والفنى العالمي. أم كلثوم عابرة للزمن والثقافات    كاى ميشيل بيكر مطربة من نيوزلندا متحدرة من شعب الماوري؛ السكان الأصليين لبلدها. بدت دومًا متحمسة ومجاملة تجاه الجميع. ما إن عرفت أننى مصرية حتى لمعت عيناها، وحدثتنى بولهٍ وحماس بالغ عن أم كلثوم قائلة: إنها مطربتها المُفضلة فى العالم كله حين لاحظت اندهاشي، بادرت بقول “إنت عمري” بعربية سليمة قبل أن تترجمها للإنجليزية. سألتها إن كانت تجيد العربية، فردت بالنفي، موضحة أنها فقط تحفظ كوبليهات من هذه الأغنية التى تحبها كثيراً، وبدأت تترنم بها دون نشاز. أخبرتنى لاحقًا أنها تعرفت عليها من صديقة لها تُدعى نهلة، كانت أشهر راقصة شرقية فى نيوزلندا، ومن بعدها وقعت فى غرام أم كلثوم. لم تتوقف هذه المطربة، التى أسرت الجميع بغنائها الرائع فى عرضها الخاص، عن الحديث عن كوكب الشرق طوال يومَى المنتدى، وقد فاق حماسها حماس أى درويش كلثومى سبق لى مقابلته. وأثبتت بهذا، من حيث لا تقصد، أن الفن العظيم قادر على التغلب على كل الحواجز بما فيها حاجز اللغة والمسافة، سواء زمنية أو مكانية كلما رأيت كاى ميشيل أو تحدثت معها، كدت أسمع صوت الست يلفنا معًا، منبعثًا من عالم آخر، متغلبًا على الموت ذاته. التناغم مع الطبيعة    فى الحفل الموسيقى الذى دُعينا إليه فى ختام فعاليات المنتدى، استمتعتُ على وجه الخصوص بالسيمفونية السادسة لبيتهوفن وأغنية أوبرالية صينية بالغة الرهافة مأخوذة من قصيدة لشاعر صينى قديم، عُرِضَت لنا كلماتها مُترجمة إلى الإنجليزية على شاشة جانبية. تأثرتُ برقة القصيدة والأغنية، وبانغماس الشاعر فى الطبيعة ممثلة فى النهر والقمر المطل عليه والمنعكس فوق صفحته، وشوق المغترب إلى حبيبته وتذكره إياها متخيلًا أنها تشاركه مراقبة القمر والنهر وهى تفكر فيه. كانت قصيدة عن العاطفة والحنين والشوق والانتظار، وقد نجحت الموسيقى وأداء المطرب والمطربة فى نقل حالة الرقة والتماهى مع الطبيعة ببراعة. لفت نظرى فى القصيدة تعبير sweet sorrows وهى بالفعل الحالة التى خلفتها الأغنية فى نفسي: أسى حلو وسعادة ممزوجة بالشجن. أعادتنى الأغنية إلى ما أشرت له فى كلمتى بالمنتدى فيما يخص التقاء الحضارتين المصرية القديمة والصينية القديمة فى تقديس الطبيعة بكافة عناصرها والإيمان بوحدة الوجود. كما بدت الأغنية أيضًا خير تمثيل لما ذكرته خبيرة الفن الصينية الأمريكية كلارا شينغ فى كلمتها عن اختلاف الثقافات الشرقية فنيًا عن الغربية فى أن مصدر الإلهام الأساسى للأولى هو الطبيعة فيما مصدر إلهام الثانية الإنسان، خاصة المرأة. حضرت الطبيعة بالمثل على نحو بارز فى اللوحات الفنية المعروضة فى أكاديمية الفنون فى هانغتشو لفنانين صينيين وعالميين، إذ اتسم معظمها بملمح أركيولوجى متصل بالبيئة حريص عليها، لكن هذا لا يعيدنا فقط إلى الارتباط العميق بين فنون شرق آسيا وبين الطبيعة، بل يدلنا على أن نزعة الاهتمام بالطبيعة واستلهامها فى أعمالٍ داعية للحفاظ عليها صارت اتجاهًا عالميًا فى ظل الوعى البيئى المتنامى فى عالم اليوم.  موعد مع الأسلاف    لم يكن ممكنًا زيارة ليانغتشو دون رؤية أطلالها الأركيولوجية، بل كانت هى وجهتنا الأولى. بدأنا بمركز الواقع الافتراضي، وبعد التجول فيه، خضنا مُقسمين على مجموعات تجربة لا تُنسَى تنقلنا فيها بين مراحل حضارة ليانغتشو من نشأتها حتى اندثارها، عبر تقنية الواقع الافتراضي. اتسمت هذه الجولة بدرجة من الواقعية أشعرتنى أننى أتحرك بالفعل بين ربوع ليانغتشو القديمة، وأتعرف على تخطيط مدنها وقراها وعلاقة الإنسان فيها بالماء، وكيف نجح فى مقاومته وترويضه من مرحلة لأخرى بالقنوات والسدود حتى جاء الطوفان النهائى الذى قضى عليها. فى لحظة معينة انتقلنا افتراضيًا على متن طائر عملاق مسافرين فى الزمن من مرحلة إلى أخرى، وتملكتنى حينها دوخة كأننى أحلق فى الجو فوق طائر بالفعل. حدث هذا رغم معرفتى التامة بأن الأمر غير حقيقي. فى تلك الجولة الافتراضية اقتربنا من طبيعة ليانغتشو القديمة بنباتاتها وجبالها وسمائها المرصعة بالنجوم ويتصدرها القمر، واستمعنا إلى الكلمات الحكيمة لملوك ليانغتشو المؤمنين بقدرة البشر على المقاومة والتغلب على الصعاب وترك آثار حضارية خالدة. بعد هذه الجولة الافتراضية، اتجهنا إلى أطلال ليانغتشو، وسط غابات وحقول أرز قاربت على الحصاد وأشجار متنوعة ونباتات لوتس وقنواتٍ مائية. كانت الحرارة مرتفعة نسبيًا ومعدل الرطوبة عاليًا، لكننا قطعنا مسار حج موجياوشان مُحاطين بالأشجار والنباتات حتى وصلنا إلى موقع التراث العالمي، ونظرنا من علٍ إلى المكان الذى جئنا منه. مركزية الماء    تعنى كلمة ليان باللغة الصينية جميلة، بينما تشير كلمة غتشو إلى جزيرة صغيرة، وبالتالى فمعنى اسم ليانغتشو هو “جزيرة جميلة فى النهر”. لقد عاش أسلاف ليانغتشو وسط المياه واعتمدوا عليها للبقاء على قيد الحياة.  أقاموا فى سهل تايهو، وخلال موسم الرياح الموسمية اعتادت السيول التدفق على جبل تيانمو غرب السهل، لتغمر منازل سكان المدينة القديمة، فشيَّدوا السدود لمقاومة الفيضانات، وخططوا نظامًا مُعقدًا قوامه التحكم فى الفيضانات وتنظيم الرى وتخزين المياه.   قيل لي: إذا رغبتِ فى التعرف على الحضارة الصينية القديمة، فليانغتشو هى الباب الذى عليكِ طرقه. لم أكذِّب خبرًا، وطرقتُ أبواب ليانغتشو راغبةً فى معرفة كل شيء عنها رغم أنف ضيق الوقت. منذ لحظتى الأولى فى ليانغتشو لفتت الرموز والموتيفات القديمة انتباهي، خاصة رمز متكرر موسوم بالطرافة. رأيته فى الصور والملصقات وعلى الحقيبة القماشية الخاصة بالمنتدى. ظننته فى البداية بومة مرسومة بطريقة مُبتكرة، ثم عرفتُ أنه وجه لكائن أسطوري، حضر فى ثقافة ليانغتشو القديمة بكل مراحلها، ويُعتقَد أنه أحد الآلهة التى آمن بها أبناء تلك الحضارة. وإلى جانبه رمز آخر على هيئة عينين كبيرتين يُعتقد أنهما تعبران عن آلهة الشمس، ومنهما اقتبس منتدى ليانغتشو شعاره، ويُطلَق على هاتين العينين لقب “عين الحضارة”، المأمول منها رؤية الماضى والحاضر والمستقبل.  نهر تشيان تانغ    فى طريقنا إلى مطار هانغتشو للحاق بطائرتى إلى شيندو، وفيما شردتُ متذكرة مجريات الأيام القليلة الماضية، أشار مرافقى الرسمى شِن وي، أو “ويل” – كما طلب منا مناداته – عبر نافذة السيارة، وقال بصوت متحمس: هذا نهر تشيان تانغ النهر الأساسى فى مقاطعة تشجيانغ. لا أعرف هل حدس باهتمامى بالأنهار، خاصة أننى سألته بمجرد وصولى من بكين: هل سنزور نهر اليانجتسي؟، أم أن الأمر مصادفة وهو فقط حريص كعادته على تعريفى بالمعالم التى نمر بها؟ تأملت نهر تشيان تانغ، وسألته فيما لا أزال شاردة: كم يبعد اليانجتسى عن هنا؟ فابتسم مجيبًا عن سؤال آخر لم أطرحه، بأن اليانجتسى أكبر بما لا يُقارن من تشيان تانغ. أمنت على كلامه قائلة إننى حين رأيته لأول مرة تخيلته بحرًا بسبب شساعته وصخب أمواجه. قال ربما ترينه مجددًا خلال زيارة قادمة للصين. أعادتنى هذه اللحظة إلى ذكرى مرورى بالمسيسيبى فى طريقى من آيوا سيتى إلى شيكاغو قبل عامين تقريبًا، وكيف دفعنى هذا لاستحضار الأوقات التى قضيتها فى صباى مستمتعة بقراءة مغامرات توم سوير وهكلبيرى فين، ومتخيلة حياة مفترضة على ضفة هذا النهر، حياة تخيلت نفسى فيها برفقة هاتين الشخصيتين الروائيتين، أخوض معهما المغامرات نفسها، وهى مغامرات شاركت فى ما يشبهها برفقة أخى وأصدقائه على ضفاف النيل وفى جزره المؤقتة وقت انحسار مياهه. على عكس المسيسيبى الذى تعرفت عليه عبر القراءة قبل رؤيته بسنوات عديدة، واليانجتسى الذى أعتبر وقوفى أمامه وعند مصبه من المعالم البارزة لرحلتى الأولى للصين، لم تكن لى علاقة تذكر بنهر تشيان تانغ قبل أن ينبهنى “ويل” إلى عبورنا فوقه، ومع هذا مثلت تلك اللحظة العابرة أهمية كبيرة لي، وأظننى سوف أتذكرها فيما بعد كما أتذكر لحظة لقائى الأول بكل الأنهار التى سبق لى رؤيتها، ودائما ما أعتبر النيل معيارى الأول فى الحكم عليها، إذ أجد نفسى أقارنها به ساعية إلى تبين أوجه التشابه والاختلاف بينها وبينه. ميراث طريق الحرير    فى جلستى بمطار هانغتشو فى انتظار طائرتى إلى شيندو بمقاطعة سيشوان، استعدت تفاصيل هذه الزيارة للصين، وأنا لا أكاد أصدق كم الأنشطة التى شاركتُ فيها، من زيارة أطلال ليانغتشو الأثرية صباح اليوم الأول، وجولتنا بأكاديمية الفنون فى هانغتشو بعد ظهره، ثم النزهة بالمركب فى “ويست ليك” والعشاء المشترك فى المساء. إلى فعاليات المنتدى فى اليوم الثانى والحفل الموسيقى ليلًا. استحضرت أيضًا نقاشات ومواقف طريفة لا تُحصى على هامش الأنشطة الرئيسية، وبدأتُ فى تدوينها قبل تسربها من ذاكرتي. حافظت على ابتسامة ثابتة فيما أكتب لتذكرى سؤال طُرِح على مرارًا بصيغ عديدة: هل ستكتبين عن ليانغتشو كما كتبتِ عن شنغهاى وبكين؟ هل ستلهمكِ ليانغتشو كما سبق وألهمتكِ شنغهاي؟ دارت أجوبتى فى فلك: ربما. أتمنى هذا. مَن يعرف؟ وها أنا أجلس للكتابة عن ليانغتشو قبل أن أعود حتى للقاهرة. دونت تفاصيل رحلتى من القاهرة إلى بكين ومنها إلى هانغتشو، ولقائى الأول فى المطار بمرافقنا الرسمى بـ”ويل”، وانتظارنا معًا أرتميس أجناتيو وحديثنا أنا وهى فى طريقنا من المطار إلى فندق إنتركونتيننتال ليانغتشو. غمرنى الامتنان لعناية منظمى المنتدى، ومن قبلهم السفارة الصينية بالقاهرة بأدق التفاصيل. تذكرت روزا المسؤولة عن برنامج المنتدى وطريقتها الخاصة، فى جعل كل فنان وكاتب مشارك فيه يشعر بأنه أولوية عندها. بدا المنظمون ومَن التقينا بهم من الصينيين منفتحين على الآخر راغبين فى مد جسور التواصل بينهم وبينه. ولا غرابة فى هذا، فمنتدى الفنون هذا مُقام على هامش مبادرة الحزام والطريق الساعية لاستعادة ميراث طريق الحرير الذى ربط قديمًا بين الثقافات المختلفة، وهدفه الأول أن تتحاور الثقافات على قدم المساواة وتجد أرضية مشتركة دون هيمنة ثقافة بعينها أو لغة واحدة على غيرها. هكذا تم تمثيل اللغات العربية والصينية والإنجليزية والإسبانية واليونانية والفرنسية على منصات الندوات المختلفة، وبذل المترجمون الفوريون جهودًا كبيرة فى الترجمة من كل لغة إلى اللغات الأخرى، فتحول المنتدى أيضًا، إلى فعالية احتفائية بقيمة الترجمة ودورها فى تجسير الهوة بين اللغات والثقافات، وفى تبيين أن برج بابل لم يكن لعنة، بل نعمة مخفية، ضاعفت من ثراء البشرية وتعددها وتنوعها. بعد انتهاء الجلسات النقاشية، جاء السيد سيف المترجم من العربية وإليها لتحيتى وقبل أن أشكره على ترجمته الدقيقة والسريعة وجدته هو مَن يشكرنى فى تهذيب شرق آسيوى مألوف، وينقل لى تحيات زوجته المترجمة نسرين، التى سبق لها أن ترجمت ثلاثية غرناطة للروائية رضوى عاشور وروايات عربية أخرى.  القاهرة عبر سيشوان    على متن طائرة خطوط سيشوان الجوية المتجهة إلى شيندو واصلت تدوين تفاصيل رحلتى على هاتفى الجوال، محاولة عدم التفكير فى أى شيء سوى استدعاء كل ما مررت به فى زيارتى الثالثة للصين، على أمل تحريره وتدقيقه حين تتاح لى الفرصة لاحقًا. حين انتهيت، انشغلت بالنظر من نافذة الطائرة، وأنا أفكر فى مقاطعة سيشوان، تلك المقاطعة الجبلية الشهيرة بأطعمتها الحريفة حيث الشطة من مكوناتها الأساسية. كنت قد قرأت سابقًا أن الوصول إليها بالطائرة كان صعبًا فى الماضى لعلو جبالها الذى جعل التحليق فوقها محفوفًا بالمخاطر، أبعدتُ هذه المعلومة عن ذهنى فهى آخر ما أحتاجه، خاصة أن أمامى رحلة أخرى أطول من سيشوان إلى مصر. فى ساعات الترانزيت، مر الوقت بطيئًا، رغم كثرة الإجراءات وطول الطوابير التى وقفت فيها. تجولت فى المطار، وانتقلت من مقهى لآخر، وحين جعت اتجهت إلى مطعم صينى وطلبت وجبة أرز مقلى مع لحم بقري، ثم خطر لى أن أسأل النادلة إن كانت الوجبة حارة، فأجابت مبتسمة: قليلًا. قبل تأكيد الطلب، تذكرت أننى فى سيشوان، مما يعنى أن “حار قليلًا” هنا، توازى “حار بدرجة لا تُحتمَل بالنسبة لي”، اعتذرت لها، واخترت مطعمًا فيتناميًا مجاورًا. بدت تفاصيل منتدى ليانغتشو بأنشطته الفنية والثقافية بعيدة عنى الآن كأنها جرت قبل زمن، كأن تدوينى لها قد وضع مسافة زمنية ووجدانية بينى وبينها، أو ربما يعود الأمر إلى أن المطارات ورحلات الطيران تدخلنا فى ما يشبه فجوة زمنية تضعنا ليس فقط خارج حياتنا كما نألفها، بل خارج الزمن نفسه.