رئيس «المصرى للفيزياء»: فهم أعماق المادة طريق لفهم الكون ذاته

المركز المصرى للفيزياء النظرية

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025 - 07:46 م

حازم بدر

المصادمات «سكين الطاقة» التى تقطع المادة إلى وحداتها الأساسية انتخاب فريق مصرى لعضوية واحدة من كبرى تجارب «المصادم الروسى» مَن يفهم قوانين العَالَم دُون النووى لن يقف عاجزًا أمام أى سؤال لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا بالنسبة لى، كنت فى طريقى إلى المركز المصرى للفيزياء النظرية، ذلك المكان الذى تُنَفذ فيه أبحاث عِلمية على مستويات لا نراها بالعين ولا نكاد نشعر بوجودها، لكنها عَوالم يبدو أنها تتحكم فى كل ما حولنا، وما إن دخلت المكتب الهادئ للدكتور عبد الناصر توفيق، رئيس المركز، حتى شعرت وكأننى أترك العَالَم الخارجى خلفى لأدخل عَالَمًا آخر، عَالمًا صغيرًا جدًا، لكنه يصنع الأحداث الكبرى . اقرأ أيضًا| أكاديمية البحث العلمي تفتتح المدرسة السنوية السابعة في الطاقات العالية استقبلنى الدكتور توفيق، بابتسامة هادئة وملامح واثقة، وجلس أمامى كمَن يستعد لفتح باب سِر قديم، لم نبدأ الحديث بعد، لكن شيئًا ما فى نظرته وجلسته الواثقة، أوحَى لى بأن رحلتنا  لن تكون مُجرد حِوار صحفى، بل خطوة داخل «العالم الخفى» الذى يَعمل فيه منذ سنوات. طلبت منه فى البداية، أن يأخذ بيدى إلى أول طريق يقود لفهم هذا العَالَم، فابتسم قائلًا: «جميعنا يعرف الأسلحة النووية، وتطبيقات النظائر المُشعة فى الطب والصناعة، والمفاعلات التى تُولد الكهرباء، لكن هذه ليست سوى القشرة الخارجية، فتَحتَ هذا المستوى، تحت الذرة والنواة، هناك عَالَم آخر، عَالَم تحكمه قواعد مختلفة، ومسارات مختلفة، وفهمه ليس رفاهية علمية، بل خطوة أساسية لفتح أبواب التكنولوجيا المستقبلية، بل ولتكوين فهم أعمق للكون نفسه». أغرته على ما يبدو حالة الدهشة التى أسرنى بها منذ بداية الحوار، فرفع يده كأنه يشير إلى فضاء لا نراه، وقال بنبرة مُتحمسة: «مَن يفهم القوانين التى تَحْكم العَالَم دُون النووى لن يقف عاجزًا أمام أى سؤال، علمى أو فلسفى أو حتى وجودى». اقرأ أيضًا| مياه من الهواء.. ابتكار وطني بالإنتاج الحربي يدعم المناطق النائية والسياحية.. فيديو قصة بناء المُصادمات كان واضحًا، أنه ينظر إلى هذا الحقل العِلمى باعتباره أكثر من مجرد تخصص، كان يراه بَوابة لفهم الخلق ذاته، وهو أمر لطالما حَمَلت الكُتب السماوية مَعنى عميقًا له، كما أوضح. وبينما كنت أتتبع كلماته، بدأ يحكى ما يشبه الأسطورة العلمية: قصة بدأت قبل قرن تقريبًا، عندما لاحظ العلماء، أشعة كونية قادمة من كل اتجاه، تهطل على الأرض بطاقة هائلة، لكن هذه الأشعة، رغم قوتها، لا يمكن التحكم فيها، من هنا وُلدت فكرة بناء آلات تنتج أشعة مُشابهة، لكن بطريقة تخضع لسيطرة الإنسان. شَبَّه الدكتور عبد الناصر، الفكرة بسكين كلما زاد حد نَصْلها أصبحت قادرة على قطع أعمق، قالها وهو يميل قليلًا إلى الأمام، كأنه يُمسِك تلك السكين بين يديه، قائلًا بنبرة متحمسة: «الطاقة هِى النَصْل. كلما ارتفعت طاقة الشعاع أصبح قادرًا على تقطيع المادة إلى أجزاء أصغر وأصغر، حتى نصل إلى اللبنات الأساسية التى بُنى منها كل شيء”.. كان يصف المسألة ببساطة آسرة، حتى كدت أشعر أننى أرى الجُسيمات تَتطَاير أمَامى، ومن هنا قادنى الحديث إلى مرحلة أخرى فى القصة: بناء المُصادمات، وهى آلات عملاقة تصنع لتُسرع أشعة الجسميات دون النووية إلى سرعات فائقة وبهذه الطريقة تكسبها طاقات هائلة، ومنها آلات تُسرع الجُسيمات الى سُرعات تقارب سرعة الضوء، ومن ثم تَصْدمها ببعضها لكشف أسرار المادة.. ابتسم وهو يتذكر محطة من أهم محطات هذه الرحلة: المصادم الهادرونى الكبير فى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية قرب جنيف، وقال بنبرة الذى يتحدث عن مكان زاره مرارًا: «يكفى أن تَعلم أن الإنترنت وُلد هناك... فى قلب تلك الأروقة». بدائل أقل كلفة وأكثر كفاءة لكن هذه التكنولوجيات العملاقة لها ثمن باهظ، ومع مرور السنوات بدأ العَالَم يبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر كفاءة. هنا تغيرت نبرة صوته قليلًا، صارت أكثر حيوية وهو يتحدث عن المصادم الأيونى فى المعهد المشترك للبحوث النووية بروسيا. بدأ بناؤه عام 2013، وسيُدشن مطلع 2026، ثم رفع رأسه بفخرٍ واضح وهو يقول: «كنا من أوائل المنضمين إليه... أول مركز بالشرق الأوسط وإفريقيا». ثم فتح ملفًا كان على الطاولة وأخرج منه صُورًا لشباب مصريين، أغلبهم فى العشرينات والثلاثينات، يقفون أمام أجزاء من الجهاز العملاق، أشار إليهم وقال بابتسامة لا تخطئها العين: «هؤلاء... هُم قلب المشروع». أخبرنى بأن الفريق المصرى تم انتخابه لعضوية واحدة من أكبر التجارب العلمية فى هذا المصادم، وأن الجامعات من مختلف المحافظات تشارك، وأن عددًا كبيرًا من الباحثين والباحثات الشباب أصبح جزءًا فاعلًا من التجربة، كان يتحدث عنهم كما يتحدث الأب عن أولاده. ثم انتقل بسلاسة ليشرح التطورات التكنولوجية الفريدة فى المصادم الروسى، متمثلة فى برمجيات جديدة، كواشف عالية الحساسية، آليات توجيه دقيقة لم تُستخدم من قبل، كان واضحًا من وجهة نظره أنه يتحدث عن شىء ينتظره بشغف حقيقى. وجدت فى نبرة صوته ثقة فى أن المصادم الروسى سيقود لاكتشافات علمية وتطبيقات تكنولوجية، ووصلنى منه يقين عن صدق حماسه ليكون لمصر النصيب الأكبر منها. دعوة مفتوحة لكل باحث مصرى وفى لحظة صمت قصيرة، أسند يديه على الطاولة، وحدّق بى بثبات، قبل أن يقول بلهجة تجمع بين الثقة والدعوة: «التاريخ الطويل بين مصر وروسيا فى العلوم سيفتح لنا بابًا ضخمًا لنقل التكنولوجيا، وتوطينها، والآن، نحتاج كل العقول المصرية معنا، ونحتاج أيضًا للدعم من المؤسسات الرسمية المصرية ومنها وزارة التعليم العالى البحث العلمى وأكاديمية البحث العلمى المصرية والجامعات المصرية». ثم مال قليلًا إلى الأمام، كمَن يعطى آخر كلمة فى محاضرة سيتذكرها المستمعون طويلًا: “هذه دعوة مفتوحة لكل باحث مصرى، لكل مهندس، لكل شاب يريد أن يضع قدمه على أول الطريق فى عالم الفيزياء دون النووية، الباب مفتوح لينضم إلينا.. والرحلة بدأت بالفعل مع المصادم الروسى». سألته عن السبب وراء استمتاعه بالمشقة المترتبة عن هذا العمل العلمى الصعب، فقال بصوتٍ خافت: «الكون لا يكشف أسراره بسهولة… لكنه يكشفها لمَن يصر على السؤال». نهض بعدها ببطء، وابتسم تلك الابتسامة التى تسبق نهاية الحكاية: «بداية تعاوننا العلمى مع الجانب الروسى كانت قبل أكثر من 12 عامًا والآن فقط سنبدأ فى جنى الثمار، ولكى تعم الفائدة، ندعو زملاءنا من العلماء والباحثين المصريين للانضمام إلينا، وندعو أيضًا المؤسسات الرسمية لدعم هذا المسار العلمى الواعد».