مجرَّد ظلال منسيَّة

اللوحات للفنان : شوقى زغلول

الإثنين، 05 يناير 2026 - 10:36 م

أخبار الأدب

يوسف المحيميد رجلٌ غريبٌ ويضحك سترةٌ بيضاء، بكمَّين قصيرين يكشفان عن شعر أبيض يكسو ذراعيه، ساعة معصمه كبيرة تليق ببحَّار، يداه غليظتان بأصابع ذات خواتم كبيرة أحدها بفص أسود كما لو كان سيحضِّر به الجن، أظافره طويلة جدًا، ولحيته بيضاء ملبَّدة، لا يتوقف عن الالتفات والضحك المجَّاني، رجلٌ ستينيٌّ غريبٌ ويضحك، رجل سعيد بلا سبب، ربما لأنه يركب طائرة لأول مرة يشاغب الركاب والمضيفين ويضحك، كأنه نجا للتو من قذيفة أو حادث ولم يستوعب ذلك بعد. رجلٌ غريب وحيويٌّ أكثر مما يجب، يثير اللغط والانتباه، لكنه على أيّ حال لا يحملُ مسدسًا، ولن يخطف الطائرة. هكذا كانوا جميعًا ذو القميص الأسود يضع سماعة في أذنه الوحيدة ويشاهد فيلم رعب في هاتفه المحمول ذو القبعة يلهو بلعبة مشوِّقة في جهاز الآيباد الرجل في المقعد الخلفي يكتب في دفتر الملاحظات في هاتفه بسرعة مذهلة ودونما انقطاع أو توقف أو حتى تفكير، كما لو كان يدوِّن وصيته الأخيرة، المرأة التي تطالع ساعتها كل فينة، تنوِّم صغيرها في حضنها، العجوز بقميص الكتان الأبيض، مفتوح الصدر، يفترش ثلاث مقاعد معًا، ويغفو كما لو كان قتيلاً. الشابة المحجَّبة التي لا تتوقف عن النشيج. ذو النظارتين الطبيتين السميكتين يسير ببطء شديد في الممر، بين مقاعد الركاب، ويتأمل السجاد المدعوك، كما لو كان يفتِّش عن شيء مفقود.  لا أحد يفكِّر في وجهة هذه الطائرة التي بلا مضيفين ومضيفات، تلك التي ظلَّت تحلِّق لساعات طويلة، وأيام، كأنها فقدت مسارها الصحيح، بل وخرجت من الكوكب، وباتت تطير في العدم. لم يتوقَّف أحدهم حتى للسؤال: ماذا لو نفد الوقود؟ مطر صيفي استيقظتُ فجأةً منتصف ليلة صيف على صوت مطر يطرق النافذة، لم أصدق أن يهطل مطر كهذا في صيف مدينة صحراوية، دلقتُ نصف قارورة ماء صغيرة في جوفي، ومسحتُ حبيبات العرق عن جبيني، ثم زحفتُ إلى طرف السرير، وخطوتُ نحو النافذة المطلِّة على شجر الحديقة. كان المطر يضرب أوراق الجهنمية وزهرها الناري، كان يجلدها بحنق وانتقام حتى تسقط أزهارها مبتلَّة، بل غارقةً بماء المطر. أدرتُ بصري في جنبات الحديقة بحثًا عن شجيرة التين التي هربت، لا أعرف أين هي، كذلك، في الجهة المقابلة، لم أرَ شجيرة الزيتون، بل رأيتُ في مكانها حدبةَ قبر تنمو فوقها أعشابٌ وأزهار زنبق العنكبوت البيضاء: «يا إلهي، متى نبتت هذه الأزهار؟ وما الذي جاء بقبر هنا في حديقة منزلي؟ وقبر من هذا؟ ومن مات ليلة البارحة؟ ولماذا تم دفنه في حديقتي؟ وهل نمتُ ليلةً أم عدة أشهر، أم عشرات السنين؟». رأيتُ باب غرفة الصفيح في الزاوية قرب الباب الخارجي، كان مفتوحًا عن آخره، والعامل البنغالي لم يعد موجودًا، لا أعرف إن كان هرب من الغرفة، أو ربما لجأ إلى غرفة الحارس الليلي قرب المسجد.  عدتُ إلى سريري وتمددت، أحدق في السقف، وأنصت للمطر المتواصل، بحثت عن سدادتي الأذن، وثبتهما في عمق قناتيّ أذنيّ، فانقطع المطر فجأة، وانطلق صوت عواء بعيد، يشبه ذئاب تقف فوق تلال بعيدة في ليل أسود وطويل. وضعت وسادة أخرى فوق رأسي، الذي أصبح محشورًا بين وسادتين قطنيتين، وذهبت في نوم مليء بالكوابيس.  تنبهتُ مع أول خيوط الضوء، فتحتُ عينيَّ فجرًا، وظللتُ لوهلة متصلبًا، قلت سأنهض على مراحل متتالية، أرفع ذراعيَّ إلى الأعلى. أحرِّك أصابع قدميَّ، ثم أستدير مثل حلزون بحري، حتى تصبح ساقيَّ متدليتين على حافة السرير، وأتأكد أنهما لامستا أرض الغرفة، وأرفع جذعي شيئًا فشيئًا، حتى أستقيم وأقف لوهلة، أتحرك ببطء مستندًا على الخزانة المجاورة، أمشي بهدوء شديد نحو النافذة كي أطمئن على أثر مطر البارحة. أنظر نحو الأسفل حيث حديقتي الصغيرة، وحجرة الصفيح المهجورة، بل حتى الحديقة المهملة، المليئة بما نقلته الرياح الهائجة من الشوارع الخلفية، والقبر الذي تنمو فوقه حشائش ميتة.  «ما الأمر؟» قلت لنفسي، أدرت رأسي ببطء، فرأيت رجلاً حسير الرأس يقف بجوار العامل البنغالي الذي عاد للتو، كان باب الحديقة مفتوحًا على الشارع، دخلا معًا إلى حديقتي المنتهكة، ناوله عملة نقدية ورقية لم أتبيَّن قيمتها، وسبابته تشير نحو المساحة بين القبر والسور، فتحت النافذة بحذر لئلا تُصدر صوتًا، وسمعته، صوته ليس غريبًا لكنني منذ مدة بعيدة لم أعد أميِّز الأصوات.  «هذا يكفي». «كم؟». «ثلاثة». «لا، اتفاق اثنين نفر»، كان العامل يعترض. يتحدثان عن قبور، عن جثامين سيزرعونها هنا، عن أشياء لا أفهمها في بيتي وحديقتي المنهوبة. هل هذا بيتي أم لم يعد كذلك؟ كنت أسأل وأنا أنسحب إلى السرير. هل أنا حيّ؟ أم ميت؟ هل هذا بيت؟ أم مقبرة؟ الطريق ليست واضحة كنت أتحسَّس جيبي كل خمس دقائق، وأتأكد أن تذكرة القطار تنام مغمضة في أعماق جيبي تذكرت ابني وهو يقول لي: لقد تغيَّر العالم يا أبي تستطيع أن تحتفظ بتذكرتك في هاتفك المحمول ثم يضيف: تستطيع أن تضع دماغك كلُّه في هاتفك. قلت: كيف؟ أجاب: أن ترمي ذاكرتك كلها في ذاكرة هاتفك. أنت عنيدٌ يا أبي. كم مرة قلت لك لا بدَّ أن تحمل معك هاتفًا ذكيًّا لينقذك عند الحاجة. توقفت العربة قبل المحطة، وخمد المحرك. سألت السائق: لماذا توقفت هنا؟ أجاب: لقد نفد شاحن البطارية عليك أن تمشي في هذا الاتجاه حتى تصل نزلت ومشيت طويلاً دون أن أعثر على المحطة سرت في طريق خالٍ وموحش وجدت حارسًا ليليًّا يقف أمام مصرف. سألته: أين المحطة؟ أي محطة؟ محطة القطار. لا يوجد في هذه المدينة قطار. «ولكن في جيبي تذكرة. انظر» حين أخرجت التذكرة كان الحارس الليلي قد مضى، فصحت به: أنا أبحث عن الطريق. هل تساعدني؟ التفت بوجه غاضب: الطريق؟ أي طريق؟ قلت: عفوًا، قصدت طريق المحطة. صاح: اغرب من هنا، وإلا طلبت لك الشرطة. هرولت بضع خطوات قليلة، حتى وجدت مقعدًا أسمنتيًّا تحت عمود كهرباء فجلستُ أفكِّر، وأتأمل الحشرات التي تطير أمامي، كانت اليعاسيب تحلِّق ثم تحطُّ بجرأة فوق أنفي، أنفي الذي أصبح مهبطًا ليعاسيب تنزل فوقه مثل طائرات هليكوبتر. في البداية كنت أهشُّ عليها، حتى كللت، وتكاثرت فوق وجهي ورأسي، بينما أفكِّر هل في القرب مستنقع، بسببه تهافتت اليعاسيب بهذا الشكل؟ نهضت ونفضتُ رأسي بقوَّة: «يجب أن أصل المحطة... لكن أين الطريق؟». مشيت في الظلام، تحوَّل الطريق إلى درب ترابيّ، ولم أعد أرى أيَّ ضوء أمامي، شعرتُ بحركة، ورأيت عيني حيوان تلمعان في الظلام. ظننته قطًّا قبل أن يهاجمني ويسقطني أرضًا حاولت أن أدافع عن نفسي بيدين عاريتين، لكن أنياب النمر العربي كانت قويَّة وهو ينهش أقدامي. ما أن التهم مشط قدمي اليمنى حتى انتقل إلى اليسرى. صاح الحارس الليلي من بعيد وهو يسمع هدير النمر: ألم أقل لك؟ لا يوجد في هذه المدينة قطار.  في تلك اللحظة هرول النمر مبتعدًا.  بينما إصبع قدمي المنزوع مرميًّا على بعد خطوتين من جسدي الملقى. عبث مجنون في البداية كنت أتسلَّى وأنا في فراشي، أمد لساني للأعلى حتى يلامس بالكاد أرنبة أنفي، فلا يرتفع أكثر من شفتي العليا، ثم أجعله يتدلى فلا يصل طرف ذقني. أعجبتني اللعبة الجديدة حتى استمرأت ذلك خاصة قبيل النوم، حتى تجرأت وأنا أبتسم، فأمسكت بلساني وحاولت سحبه أكثر، بدا لزجًا ومبتلاً، ثم امتد بطول إصبع السبابة، وبدأ يتأرجح مثل بندول ساعة، بل مثل لسان كلب خائف أو مندفع. سحبته وأنا أضحك فامتد واستطال بطريقة مخيفة، تدلَّى مثل عكاز رجل عجوز، حتى وصل قدمي. أردت أن أصرخ أو استنجد بأمي، لكنني لم أستطع، ولم أتمكن من إعادته مجدَّدًا إلى فمي.              سكنتُ لساعة تقريبًا وأنا على هذه الحال، لكنني بدأت ألاحظ أن الأمر خرج عن السيطرة، وأنه بدأ يكبر ويطول من تلقاء نفسه، يسير على الأرض ببطء مثل قنفذ متوجِّس، ثم يتسلَّق الجدار باحثًا عن النافذة، ويتسلل منها نحو البناية المقابلة، وفي غرفة النوم فزعت امرأة بملابس النوم وصاحت: ما هذا؟ ركض الزوج ولمس بأطراف أصابعه تلكم الرخاوة. قال إنه لزج قليلاً لكن ليس مهمًا، فهو ليِّن بشكل معقول، يمكن أن نستفيد منه كمقعد للاسترخاء! ألم تسمعي عن الأفكار المجنونة في تصنيع الأثاث الحديث؟ كنبة استرخاء حمراء مصنوعة من الجلد والحراشف اللامعة. صاحت الطفلة التي دخلت للتو: هذا نطَّاطة يا أبي! أصبح لساني متعدد الأغراض في تلك الشقة الصغيرة، حتى الكبار أصبحوا يستمتعون في النط أو القفز فوق لساني، الذي كان يصيح ويتأفف دونما صوت مسموع. في الليل تسلَّل بعيدًا، وصار يتمطَّط مثل هرٍّ استيقظ للتو من نوم عميق، سار متحفِّزًا في الطرقات، يدخل مباني الجامعات ويسخر من الطلاب في قاعات الدراسة، ثم يهرب كحبل منفلت ويدخل قاعة محاضرات، ويندفع نحو المنصة، ليحتل مكان المحاضر الذي كان يتحدث لغةً غير مفهومة، ويطلق عبارات شرسة ومتمردة، حتى قطعوا الصوت عن الميكروفون، وحين ركض نحوه الحرس للقبض عليه انطلق مثل قرد عابث.  «يا إلهي، كيف أعيد هذا المجنون إلى جحره؟» كنت خائفًا وقلقًا، خاصة حينما شاهدت في الشاشة حراكًا غامضًا، وسائل إعلام، مصورون، صحفيون، مراسلو قنوات فضائية، يركضون في كل اتجاهات المدينة، ويتحدثون عن أزمة مفاجئة قد تحدث في البلاد، عمَّال نظافة يحملون المكانس والمقشات، فلاحون جاؤوا من القرى المجاورة يحملون فؤوسهم، مقاولون، نصابون، وسحرة. ناقلات ورافعات ضخمة انتشرت في الطرقات، صرتُ أبكي بلا صوت، وأدعو في سرِّي أن يعود لساني كما كان، يا إلهي لقد ندمتُ أشد الندم حين عبثتُ بنعمتك، بل بنعمك التي لا تُحصى، وجعلتُ أتسلَّى بلساني في تلك الليلة البغيضة، حتى تمرَّد عليَّ، وفقدت السيطرة عليه. فجأة وأنا مستلق على ظهري، شعرت بحرارة شديدة جدا، في لحظة لا أعرف إن كنت نائما أم مستيقظا، أم هي حالة برزخ بين اليقظة والنوم، حيث يطوف المعلم بين صفوف الطاولات في يده عصا تتأرجح كأفعى، وكلما طرح موضوعا أو فكرة حاججته بلؤم، فكان يهزُّ عصاه أمام عينيَّ المدورتين الصغيرتين: ليه ما تسكت؟ ثم يكمل قبل أن أقاطعه بسؤال جدلي: لسانك يحتاج قص! فجأة أقفز من سريري مرعوبًا وأنا أمسك فمي مطمئنا على لساني الوردي الصغير. رجل من القرن الماضي جرَّب أن يفتح تطبيق محادثة الذكاء الاصطناعي، قالوا له إنه مذهل، تسأله عن أيِّ شيء، ويجيبك فورًا. تضع له أي صورة، ويكشف لك تفاصيلها وتاريخها. هو يعرف ما لا تعرف.  لم يكن، كرجل ستيني، يدرك التقنية إلا في حدود ضيقة، أو في حدود الحاجة، ويشعر بالغربة كلما استخدم جهازًا أو تطبيقًا جديدًا، أو حتى لو خرج يتمشَّى في السوق القريب، إلى الحد الذي يجعله يظن أن الآخرين يحدقون فيه، يتفحَّصونه من رأسه حتى أخمص قدميه، يتأملون سحنته، ملابسه، حذاءه، كأنما يطالعون رجلاً غريبًا عن الزمن المعاصر. فتح التطبيق بهدوء، ووضع صورته في المحادثة، وسأله، من هذا؟ أجاب التطبيق الذكي: هذا كلب، من فصيلة الكلاب النادرة التي تخدم الراعي، وتحافظ على القطيع المنتشر في الصحراء… إلخ. غضب منه، وأقفله فورًا بحنق، وقال في نفسه: يا للغباء! فكَّر لوهلة، هل ملامحه تشبه كلبًا؟ صحيح أن عينيه واسعتان ولامعتان، ومسحوبتان قليلاً للخارج، داخل جفنين عميقين، وأنفه داكن ومدوَّر، لكنه ليس كلبًا على أي حال. تذكَّر أن هذا التطبيق هو نتيجة لمعلومات يضعها الآخرون فيه، فيقوم بتجميعها وإعادة صياغتها. هل وضع أحدهم صورته وكتب عنه: كلب؟ ربما... الكارهون كثر. عاد إلى التطبيق، وأدخل معلومات جديدة حول صورته، كتب وهو يبتسم «هذا رجل من القرن الماضي»، ثم أغلقه، وأعاد فتحه مجدَّدا، وجلب صورته، متسائلاً: من هذا؟ أجاب التطبيق بلؤم: هذا كلب من القرن الماضي، من فصيلة الكلاب النادرة التي تخدم الراعي… إلى آخره. أغلق التطبيق حانقًا، حاول أن يشتمه، لكن صوته لم يبدو طبيعيًّا، لم تكن كلمات كالعادة، بل هي شيء مختلف، أقرب إلى النباح. ظلال منسيَّة لا أسود ولا أبيض، لا أصلع ولا أشيب، الكل في حانة الغرباء يطربون مع المغني: السوداء ذات الجدائل الألف تهزُّ رأسها بشجن كما لو أنها تستعيد ترانيم الغابات الأفريقية. الأصلع الذي يسترجع صباه. التي تضع نظاراتها الشمسية فوق شعرها. ذو القبعة الرمادية. كلهم يهزون رؤوسهم بشجن وحب وذكريات. حين يخرجون بعد منتصف الليل ينسون - بغير قصد - ظلالهم بعد أن تُطفئ الأضواء.  في الصباح الباكر لا أحد يدرك أن الجالسين على حافة الرصيف، هم مجرَّد ظلال منسيَّة لنساء ورجال غادروا، الكل يعتقد أنهم عمَّال النظافة الذين تتركهم شاحنة جمع النفايات فجرًا في الشوارع، كي يكنسوا الأحلام عن الرصيف. الظل الكلب في الليل لا يذوب ظله كالآخرين، بل يسير بخفاء، ويصبح أكثر هدوءًا، لا يركض خلفه، أو يسابقه، مثلما يفعل في النهار، لكنه يسير بجواره منطويًّا، يدخل معه للحانة، يجلس بينما ظله يقعي بجواره مثل كلب يعرف جيدًا صاحبه، ويذعن له.