سعيد الخولى
سعيد الخولى


يوميات الاخبار

الخيال يرفض ركوب الطائرات!

سعيد الخولي

الثلاثاء، 06 يناير 2026 - 08:09 م

لكن عبد الناصر أمر بوضع عبد الوهاب فى الطائرة قسرا، وبالفعل ذهبت مجموعة من رجال ناصر وحملوا عبد الوهاب إلى الطائرة!

حتى عامى الثالث والستين ظللت بلا جواز سفر ولا أى خروج من أرض مصر لأى بقعة فى العالم.ويعرف القريبون منى حكايتى مع السفر للخارج،أو بتعبير آخر مع الغربة؛فلقد عشت حياتى العملية بعد التخرج والعمل بمجال الصحافة أرفض الغربة لأسباب كثيرة .أهمها فى نظرى تجارب من سبقونى لهذا العالم الغامض الغريب الذى لاتتواءم معه جيناتى بالبقاء بين الأهل والمعارف فوق أرض المحروسة هنا بالقاهرة حيث السكنى والعمل والزواج والأبناء والأحفاد،أو هناك بقريتى الجميلة نكلا العنب حيث الجذور والصبا والشباب وسنوات العمر الأخضر،ولسبب آخر يتعلق بتجربة ركوب الهواء وسط السحاب ومطبات السماء والنظر من ارتفاع شاهق إلى الأرض وقد تقزمت تفاصيلها وتحولت الصورة إلى جزئيات صغيرة،لاينجو من صغرها وغموض تفاصيلها إلا بحر أو محيط أو نهر ،فقد كنت أستشعر أن نوعا من الرعب سوف يكون رفيقى الأكبر طوال الرحلة مابين التحليق حتى الهبوط ذهابا أو إيابا.
 حكايات طائرة 
الجمعة:
ولعلى لست وحدى فى هذا الشعور فأظن أن ملايين غيرى قد يتملكهم هذا الشعور وينال منهم.لكن يبقى خوف المشاهير من ركوب الفضاء أو البحر أكثر شهرة تبعا لشهرة أصحابه، وهويرتبط بحكايات مثيرة. ويأتى على رأس هؤلاء عميد الأدب العربى طه حسين الذى لم يستخدم الطائرة طوال حياته وكان يسافر إلى أوروبا على متن البواخر.
وقد دُعى طه حسين فى عام 1954 إلى مؤتمر العلماء العرب فى بيروت وكان آنذاك فى زيارة لباريس لكنه اعتذر عن السفر إلى بيروت بالطائرة ووصل إلى الإسكندرية قبل يوم واحد من افتتاح المؤتمر ولم يجد باخرة تقله إلى بيروت مما اضطره للاعتذار عن حضور المؤتمر.
أما أديب نوبل العالمى نجيب محفوظ، فلم يذكر أنه سافر خارج مصر إلا مرة واحدة إلى اليمن أثناء وجود الجيش المصرى هناك لدعم ثورة اليمن ولم يتم التعرف على وسيلة السفر، حتى أنه عندما فاز بنوبل للآداب 1988 لم يسافر إلى السويد لاستلام جائزة نوبل للآداب وإنما كلف ابنته والاديب محمد سلماوى باستلامها.‏
أما موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فله حكاية مختلفة؛فقد كان أكثر الخائفين من ركوب الطائرة وكان يتنقل إما بالسيارة أو القطار أو الباخرة ،وذلك بسبب أن إحدى المُنجمات قرأت له «الطالع» ذات مرة وقالت له إنه سيموت بسقوط طائرة، لذلك ظل بعدها يخاف من ركوب الطائرة.‏. لكنه ركب الطائرة للمرة الأولى بأمر جمال عبد الناصر فترة الوحدة بين مصر وسوريا نهاية الخمسينيات؛ فقد طلب الرئيس عبدالناصر من كبار الفنانين السفر إلى سوريا لإحياء حفلات فنية وترفيهية بمناسبة قيام الوحدة ووضع طائرة خاصة تحت تصرفهم وطلب أن يكون بينهم عبد الوهاب شخصيا، وعندما تلقى عبد الوهاب الخبر حاول الاعتذار ولكن عبد الناصر لم يقبل اعتذاره وأصر على سفره مع الوفد وتعلل عبد الوهاب بالمرض، لكن البعض أخبروا عبد الناصر بقصة عبد الوهاب مع السفر بالطائرة،فما كان من عبد الناصر إلا أن أمر بوضع عبد الوهاب فى الطائرة قسرا، وبالفعل ذهبت مجموعة من رجال ناصر وحملوا عبد الوهاب إلى الطائرة، وعندما هبطت الطائرة بعد العودة  فى مطار ألماظة نزل جميع الفنانين بهدوء عدا عبد الوهاب، فكان آخر من غادر الطائرة وهو يرتعد ومصفر الوجه !.
وبعد هذه الحادثة رأى عبد الوهاب أن ركوب الطائرة مقبول واستخدمها عدة مرات بعدها.
 «الست» والشهد والدموع
السبت:
أظن وليس كل الظن إثما أو ناقص الحقيقة أننا عشنا زمنا نحسد أنفسنا عليه الآن،بل يحسدنا عليه أبناؤنا رغم أنهم يعايشون واقعا مختلفا عما عايشناه من فارق تكنولوجى هائل لصالح زمنهم وتعدد غير نهائى فى طرق ألعابهم التقليدية أو التقنية التى صارت تأخذهم مجموعات أو أفرادا إلى عالم الحجرات المغلقة،أو حتى تجمعهم على البعد يمارسون ألعابهم بكل مافيها من غموض علينا وخطورة عليهم.منذ فترة كانت قناة ماسبيرو زمان تذيع حلقات الجزء الثانى من مسلسل»الشهد والدموع»،وهو عمل درامى مايزال يحجز مشاهديه فوق مقاعدهم متسمرين مترقبين لأحداثه ومنهم من شاهده عشرات  المرات دون ضجر أو ملل أو انصراف عن جزء من الحلقة المذاعة ولو كان سبق له مشاهدتها عشرات المرات.إنه يستعيد سعادة سابقة فيستزيد سعادة لاحقة بتعبير لم يلمحه قبل ذلك ،أو حوار لم يلمح سابقا تعبيرات وجوه مؤديه فلما لمحها صدفة شعر بأنه فاتته متعة لم ينبه لها سابقا.. وقد يشاركنى كثيرون رأيى فى هذا العمل من الأعمال الدرامية الثمينة فى الفكرة والأسلوب والحوار والإخراج ناهيك عن السيناريو والأداء،وأراه مبنيا على تيمة قابيل وهابيل بصورة عصرية؛فى المجمل أنت أمام تحفة درامية كان حظنا أن عشناها وتابعناها صغارا وانتقلت معها متعتها كبارا حين اختفى قطاع الإنتاج وتفرق دم الدراما التليفزيونية بين شركات إنتاج لا هم لها سوى التوزيع والمكسب .
كانت الحلقة السادسة من الجزء الثانى ذات وقع مختلف وأنا أشاهدها هذه المرة،سيناريو عبقرى بالفعل والحلقة تتخذ من موسيقى أغنية لأم كلثوم خلفية لكل أحداثها؛ففضلا عن جمال الاختيار وتفاعل المشاهدين معه ـ كان المغزى العميق للتعبير عن هذه السيدة وتأثيرها فى مختلف طبقات المجتمع وهى تتابع حفلها الشهرى الخميس الأول من كل شهر.مابين طبقة الأرستقراطيين واستعدادهم وحضورهم للحفل إلى طبقات الشعب باختلافها من أصحاب المهن المختلفة ورد فعل أو تفاعل كل طبقة بما تقدمه الست،ونقاش بين موسيقى يستنكف أن الست مازالت تقدم أغنية تستغرق ساعتين أو أقل قليلا فى زمنهم الحاضر،وطبقات تشكل جلسات استماع عند من يمتلك جهاز راديو أو فى المقاهى وروادها يتباينون فى مشاريبهم وتناول بعضهم للسجائر وتعاطى بعضهم للشيشة،وكل منهم يخرج آهات استمتاعه مع دخان سيجارته أو نفس شيشته؛تخرج أنفاسهم «من النخاشيش»كما يقولون لكنهم فى كامل وعيهم تنتزع «الست» آهات إعجابهم أو زفرات ألمهم أو ترنيمات انتشائهم،والكل يقول فى ذات الوقت»الله ياست».
حلقة رائعة اكتملت لها عوامل الإتقان فى المضمون والتنفيذ من جمال السيناريو ودلالة الحوار وقمة التركيز والتنفيذ من طاقم العمل تمثيلا وإخراجا.. المؤكد لو أن طاقم فيلم «الست» ـ الذى أثار الكثير من اللغط والغضب وبعض التبرير ـ لو أرادوا الإنصاف والمنطق فى حق الست لقدموا عملا آخر تحذف منه علامات كثيرة من الغمز واللمز والاتهام بالبخل ومجافاة مادوّنه تاريخ الفن والثقافة تجاه أم كلثوم.
 شهد الرضاب!
الأحد:
نقاش مع الزميل العزيز الكاتب الصحفى محمود أبو سعدة أثار قضية الماء فى حياتنا وأهميته وتعدد صوره ومعها اختلاف طعمه مع اختلاف وظيفته؛كانت المناسبة جزءا من بيت من رباعيات الخيام يقول:»أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب»،وبالطبع كان وصف الرضاب»الريق»بالشهد مثارا لهذا النقاش،وكيف يتحول الماء فى جسم الإنسان مع أى وظيفة حيوية يؤديها إلى صورة مختلفة فى القوام والطعم والتركيب الكيميائى، وبالطبع فالدم هو أهم صور الماء فى جسم الإنسان الذى تتوقف عليه حياتها؛ فمثلا يختلف طعم دموع الفرح عن دموع الحزن. حيث أظهرت الدراسات أن دموع الفرح تحتوى على هرمونات الإندورفين والبرولاكتين، وهذه الهرمونات تعطى طعمًا أكثر حلاوة للدموع. بينما تحتوى دموع الحزن على هرمونات التوتر والقلق، وهذه الهرمونات تعطى طعمًا أكثر ملوحة للدموع.. ومن المعجزة الربانية أن هذه الاختلافات فى التركيب الكيميائى للدموع يمكن أن تؤثر على طعم الدموع، ولكنها لا تؤثر على وظيفة الدموع الأساسية، وهى حماية العينين من الأوساخ والجراثيم.
أما ريق الإنسان ولعابه فهو سائل لزج ينتج فى الفم، ويتكون من الماء والبروتينات والسكريات والدهون. ويمكن أن يتغير قوام ريق الإنسان من سيولة ماء إلى مخاط غليظ أو بصق بسبب عدة عوامل، مثلا عندما يفقد الجسم الماء، يمكن أن يصبح ريق الإنسان أكثر غلظة وسماكة.
كذلك يمكن أن تسبب العدوى البكتيرية أو الفيروسية زيادة فى إنتاج المخاط فى الفم، مما يجعل ريق الإنسان أكثر غلظة.. ويبقى شهد الرضاب الذى أثار النقاش أكثر تلك النوعيات سعادة للجنسين،وأيضا أكثرها دافعا نحو البحث عنه وما يحدثه من تغيير لريق الإنسان؛فهو كثير التفاصيل اللذيذة التى نخشى أن يطولها مقص الرقيب،فلتبحث عنها عزيزى القارئ بنفسك.وصدق الله العظيم إذ يقول»وجعلنا من الماء كل شىء حى».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة