محمد عدوى يكتب : MIDTCAMاختبار للمستقبل .. الدراما المصرية تنجح فى كل التحديات .. ولدت لتبقى
الأربعاء، 07 يناير 2026 - 11:32 ص
محمد عدوي
دائمًا وأبدًا هناك حقيقة لا يمكن طمسها، مهما ارتفعت حوائط الصد المصطنعة، وتكاثرت أماني الباطل، وتصاعدت حملات التشكيك الممنهجة.. حقيقة نعيد طرحها كل مرة في توقيت محسوب.. توقيت قد يتسلل فيه الشك إلى داخلك، محاولًا دفعك للتراجع عنها، لكنها حقيقة تؤكد مرة بعد أخرى أن هذه الصناعة وهذا البلد، لا يعرفان الانكسار مهما اشتدت الضغوط.
ومع نهاية كل عام وبداية آخر، تخضع الدراما المصرية لاختبار حقيقي، اختبار لا علاقة له بقاعات الدراسة أو الامتحانات التقليدية، بل امتحان ميداني قاس، يقيس القدرة على البقاء والتجدد، وفرض الحضور.. “الميدتيرم” هنا ليس مجرد موسم عرض أو فترة امتحانات، بل لحظة فرز حاسمة تسقط الأعمال المتشابهة وتكشف بوضوح من يملك الأدوات ومن يكتفي بالضجيج.
في كل مرة تنجح الدراما المصرية في هذا الامتحان ليس بالصدفة ولا بالمجاملة، بل بالعمل المتقن.. تظهر النتائج سريعًا على مستوى التفاعل والجدل، لكن آثارها الأعمق تتجلى لاحقا في استعادة الثقة، وترسيخ فكرة أننا ما زلنا نمسك بخيوط اللعبة، نعيد تشكيلها، نطور قواعدها، ولا نسعى للدوران في فلك المكرر والمستهلك.
نجاح مسلسل “ميدتيرم” وما أثاره من جدل واسع، ليس حالة عابرة ولا ضربة حظ، بل مؤشر صريح على أن الدراما المصرية ما زالت قادرة على إحداث الفارق، وكسر التوقعات، وفرض أسئلة مزعجة على من اعتادوا تقديم أعمال آمنة بلا روح.
قبل عرض المسلسل ومع حملته الدعائية، ومع الإعلان عن أبطال أغلبهم من الوجوه الجديدة، ساد اعتقاد سهل ومريح بأننا أمام عمل تقليدي آخر عن حياة الجامعة والجيل الجديد.. حبكة محفوظة، شخصيات نمطية وكوميديا قائمة على إفيهات ومصطلحات عابرة.. افتراض كسول كشف في الحقيقة أزمة نظرة اعتادت الحكم المسبق، والاستهانة بكل تجربة تحاول الخروج عن القالب.
لكن ما قدّمه مؤلف العمل محمد صادق، بالتعاون مع مخرجته، بدأ بخيط يبدو مألوفًا، ثم سرعان ما تحول إلى شبكة محكمة التفت حول الشخصيات والأحداث والمشاهد على حد سواء. شبكة لم تترك للمشاهد رفاهية المتابعة السطحية، بل دفعته إلى التورط، تارة متعاطفًا، وتارة غاضبًا، وتارة مرتبكًا، دائم البحث عن السبب الحقيقي لما يحدث، وعن الجوهر الذي يحرك كل هذا الصراع.
قوة “ميدتيرم” لا تكمن فقط في فكرته، بل في حالة التماس والتماهي التي صنعها، وفي سرد دقيق لا يستسهل، وتفاصيل محسوبة، وأداء تمثيلي واع بدوره. مفاجأة حقيقية جاءت لتؤكد أن الحيوية ما زالت ممكنة، وأن الرهان على الجيل الجديد ليس مجازفة، بل ضرورة، وأن وراء هذا العمل أسماء ينبغي التوقف عندها، لا الاحتفاء بها سريعًا ثم نسيانها.
محمد صادق
في البدء كانت الكلمة ليست استعارة، بل توصيف دقيق لمسار كاتب لم يأتِ إلى الدراما من باب التجربة، بل من باب السرد.. محمد صادق ينتمي إلى سلالة كتاب يعرفون أن الحكاية أصل كل شيء، وأن الصورة لا تنقذ نصا مرتبكا، بل تكشفه.
تجربته ليست وليدة «ميدتيرم». قبل الدراما التلفزيونية كان هناك «هيبتا» بجزأيه، و«بضع ساعات في يوم ما»؛ أعمال أكدت أن صادق حين يكتب، لا يطارد الرائج ولا يهادن السوق، بل يراهن على المشاعر المركبة والأسئلة غير الشائكة، انتقاله إلى الشاشة الصغيرة لم يكن قفزة في المجهول، بل مواجهة مباشرة مع وسيط أكثر قسوة وأوسع تأثيرًا.
صادق شاب، لكنه لا يكتب بعقلية الاستسهال، يعرف جيدًا أحلام جيله وأزماته، يرفض اختزالهم في نماذج كرتونية أو شعارات جاهزة. لذلك لم يختر قالبًا معلبًا لا في الرواية ولا في السينما، وكان من البديهي أن يرفضه في الدراما التلفزيونية أيضا.
في “ميدتيرم” يبدأ من مجتمع يبدو مغلقًا، الجامعة، مساحة اعتادها المشاهد وربما ملها. لكن صادق لا يتوقف عند الأسوار يقفز منها إلى أسئلة أوسع، السلطة، الذنب، الخوف، الرغبة والاختيار. أزمات فردية نعم، لكنها مشحونة بما يكفي لتكشف هشاشة مجتمع كامل.
رهان صادق الأكبر كان على الشخصيات. شخصيات لا تجمل نفسها ولا تطلب التعاطف، فيها الخير والشر، البراءة والاتهام، القوة والانكسار، لا بطل مطلق، ولا شرير واضح. الجميع تحت الشك، والجميع قابل للإدانة. هذه المنطقة الرمادية هي ما أبقى التوتر مشتعلاً حتى النهاية دون الحاجة إلى حيل درامية رخيصة.
مريم الباجوري
الانتقال من عالم الإعلانات والفيديو كليب إلى الدراما غالبًا ما يكون فخًا، الصورة قد تخدع والإيقاع قد ينهار أمام الحكاية الطويلة، لكن مريم الباجوري دخلت التجربة الأولى دون أن تطلب أعذار مسبقة.
خبرتها السابقة منحتها عينًا يقظة للتفاصيل وحسًاعاليًا بالتكثيف، وهو ما ظهر بوضوح في عمل يمتد على حلقات طويلة دون أن يسقط في فخ المط أو الترهل. الإيقاع محسوب، والمشهد يخدم السرد، لا يستعرض قدراته.
صحيح أن بعض المعالجات بدت نمطية، لكنها لم تتحول إلى عبء، بل جاءت كجسور ضرورية لعبور الحكاية إلى مناطقها الأكثر توترًا. الباجوري أحسنت توظيف ممثليها، لا باعتبارهم أدوات، بل ككيانات نفسية لها وزنها، خلقت حالة ترقّب مستمرة دون ضجيج، ودون افتعال صدمات مجانية.
عادة ما أنحاز للمخرجين فى أعمالهم الأولى وأحاول دائما ما أغفر لهم بعض الهفوات، لكن “ميدتيرم” لا يطلب هذا الامتياز.. حرص مريم على الصورة والأجواء وإدارة الأداء جعل التجربة تبدو أكثر نضجا مما يوحي به كونها البداية.
الأهم أن العمل قدم وجوها جديدة في أولى إطلالاتهم بمخرجة جديدة فى بداية إطلالتها، دون أن يبدو المسلسل كحقل تجارب، لا إخراجا ولا تمثيلا، وهو إنجاز لا يحسب فقط للوجوه الجديدة، بل لمن وقفت خلف الكاميرا واختارت أن تبدأ من منطقة صعبة، لا من منطقة آمنة.
المتحدة ..حين تكون المغامرة موقفًا
لا يمكن الحديث عن تجربة جديدة دون التوقف عند الجهة التي قررت تحمل مخاطرتها، فالإشادة بالنتيجة تظل ناقصة إن لم تستكمل بالإشارة إلى من راهن عليها منذ البداية.. في حالة «ميدتيرم» لا يمكن تجاوز دور الشركة المتحدة، لا بوصفها منتجًا تقليديًا، بل باعتبارها كيانًا اختار – منذ نشأته – أن يوسع معنى الإنتاج نفسه.
المتحدة لم تتعامل يومًا مع الفن باعتباره معادلة ربح وخسارة فقط، بل كمنظومة ثقافية واقتصادية لها دور مباشر في تشكيل الذائقة العامة، لذلك لم يكن غريبًا أن تواصل ضخ دماء جديدة رغم صعوبة المهمة، ورغم أن الرهان على المختلف دائمًا أعلى تكلفة وأقل ضمانًا، لكنها مغامرة محسوبة تدرك الشركة تبعاتها وتقبلها باعتبارها جزءًا من مسؤوليتها.
من العلامات التي تُحسب للمتحدة دراميًا في «ميدتيرم»، إسناد الإشراف إلى أحمد فايق وعبدالله غلوش، وهما من الكوادر الشابة داخل الشركة وزملاء مهنة يمتلكون خبرة حقيقية في التعامل مع المحتوى المختلف. هذا الاختيار لم يكن شكليًا، بل انعكس على العمل ككل، مؤكدًا أن الشغف بالفن والإعلام ما زال معيارًا، لا مجرد شعار.
ورود تتفتح
نجح «ميدتيرم» في اختبارات كثيرة .. الكتابة والإخراج والإنتاج، لكنه حقق انتصاره الأوضح في اختبار الوجوه الجديدة، هنا لم يكن الأمر استعراضًا للمواهب، بل بناءً واعيًا لمستقبل محتمل.
ياسمينا العبد على رأس هذه الوجوه. تمثل حالة فنية مكتملة التكوين. موهبة تعرف كيف تتلون وكيف تذوب داخل الشخصية دون استعراض. الرهان عليها لم يكن عاطفيا، بل فنيا خالصا منذ أدوار الطفولة، مرورًا بـ”موضوع عائلي” و”لام شمسية”، وصولًا إلى “ميدتيرم”. تؤكد ياسمينا أنها تختار بعناية وتسعى للاختلاف لا للتكرار.. مشروع فني ثقيل لا يلهث خلف البطولة بقدر ما يبنيها.
قد لا يكون “ميدتيرم” العمل الأول لجلا هشام، لكنه بلا شك العمل الأهم في مسيرتها حتى الآن. للمرة الأولى تجد نفسها أمام تجربة مركبة تتطلب حضورًا مختلفًا.. جلا استثمرت الفرصة بذكاء وقدّمت أداء يؤكد قدرتها على تصدر المشهد مستقبلا. مستقبل يبدو أقرب مما نتصور.. فنانة مجتهدة ترفض أن تُختصر في ملامحها وتتمرد بوعي على النمطية، كما شاهدناها مؤخرًا في “ابن النادي” و”ولاد الشمس”.
في “ميدتيرم” يبرهن زياد ظاظا أنه فنان متكامل لا ظاهرة عابرة، موهبته الموسيقية المعروفة تجد صداها في أداء تمثيلي متزن.. مختلف.. و واع، ليست هذه تجربته الأولى أمام الكاميرا، لكنه هنا يقدم نفسه بصورة أكثر نضجًا بشخصية صعبة لشاب يعاني من التلعثم، دون مبالغة أو افتعال، إضافة حقيقية للدراما والفن المصري.
من الإسكندرية جاءت أمنية باهي بوجه مصري أصيل مألوف دون أن يكون عاديًا. وجه قادر على إقناعك بأن الموهبة ليست حكرًا على العاصمة، مشاركتها السابقة في “ساعته وتاريخه” كانت تمهيدًا، أما في “ميدتيرم” فهي تثبّت اسمها وتخط أول سطور حضور حقيقي قد يضعها قريبًا في الصفوف الأولى إذا استمر هذا الوعي بالاختيار.
دنيا وائل حالة فنية متعددة الأدوات، مؤلفة وملحنة ومطربة وممثلة. موهبة تحمل حسًا متكاملًا وروحا شابة.. في “ميدتيرم” لم تقع في فخ الصورة النمطية، لا لفتاة عاشت بالخارج، ولا لفتاة مأزومة بلا ملامح. الخيوط التي رسمها النص والإخراج التقطتها بذكاء وقدمتها بخصوصية تحسب لها.
يوسف رأفت بدوره موهبة تستحق الرعاية لا الاستهلاك السريع. حضور هادئ و وعي واضح بالخطوة، يجعلان مستقبله مفتوحًا، ليس فقط في الدراما، بل ربما في السينما أيضًا. موهبة تعرف ماذا تريد، وتسير نحوه دون استعجال.
في المحصلة مواهب “ميدتيرم” ليست مكسبًا للعمل وحده، بل فرصة حقيقية للدراما المصرية وللمستقبل الذي لا يبنى إلا بالرهان على المختلف، لا الآمن.