1000 يوم من الجحيم!!
السبت، 10 يناير 2026 - 07:16 م
د. أسامة السعيد
أعلنت القاهرة بشكل صريح عن عدة «خطوط حمراء» فى السودان، مؤكدة أن المساس بها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومى، وهذه الخطوط تحتمل من التحذير بقدر ما تحمل من التوضيح
«الخرطوم ليست مدينة الرماد التى نراها فى نشرات الأخبار اليوم، بل كانت عاصمة النيلين، مدينة البهجة والأمل. هذه الحرب المنسية لم تقتل البشر فقط، بل اغتالت الذاكرة الجماعية لأمة بأكملها».
هذه الكلمات، المفعمة بالأسى والتى سمعتها من فم لاجئ سودانى مسن فى أحد مخيمات النزوح المكتظة خارج مدينة بورتسودان عندما زرتها فى ذكرى مرور 500 يوم على الحرب فى السودان، ظلت تتردد فى عقلى وقلبى 500 يوم أخرى، حتى أتم «الجحيم السوداني» 1000 يوم من العذاب غير المسبوق الذى يتجرعه ملايين الأشقاء سواء من اختار البقاء على أرض بلاده الطيبة، أو من أجبرته الظروف على النزوح بعيداً عن وطنه وبيته، فتفرقت السبل بأسر كاملة، وتشتت الآباء والأبناء بين حدود الدول المجاورة يبحثون عن آمان ضن به الوطن، وطاردهم القتل على يد حفنة متمردة ممن كانوا بالأمس مسئولين عن حمايتهم!!
هذه الحكمة الموجعة التى أجراها الألم على لسان ذلك المسن الواهن الذى كانت أغلى أمانيه أن ينعم بالهدوء فى أخريات أيامه، وأن يوارى الثرى فى الأرض التى عشقها، تلخص ألف يوم من الحرب العبثية فى السودان، ألف يوم تحولت فيها الحياة فى ثالث أكبر بلد إفريقى إلى جحيم لا يطاق، ومدنه العامرة بالحياة إلى مجرد أطلال موحشة.
فى الزيارة التى أتيحت لى إلى العاصمة المؤقتة: بورتسودان فى أغسطس من عام 2024، لم يشأ القدر أن أزور العاصمة الخرطوم، لكننى رأيت ملامح تلك المدينة المكلومة فى أعين من فروا منها، فى الذكريات المغلفة بدموع من يحكى عن «العاصمة المثلثة»، وما جرته عليها الحرب من خراب ودمار.
كنتُ أستشعر - ككل مصري- ذلك الحديث الموجع بألم مضاعف، فالسودان بالنسبة لنا ليس مجرد دولة جارة، بل هذه البلاد بمنزلة «الأخت الشقيقة»، والعلاقة بين بلدينا ليست مسألة حدود مشتركة بل مصير مشترك، وما امتداد النيل شريان الحياة لكلينا إلا رسماً لماضٍ ومستقبل خطته يد القدر لتربط بين الشعبين برباط ينبع من الجنة.
رؤية حواضر السودان الشقيق وقد تحولت إلى «مدن للرماد» تثير فى الوجدان المصرى شعوراً بالفقد والألم يتجاوز مجرد التعاطف مع شعب فى محنة، وتجعل من استقرار السودان قضية «أمن وجداني» قبل أن تكون قضية أمن سياسي، فلنا فى أرض السودان تاريخ وصلة، وللسودانيين فى قلب كل مصرى مكانة واسعة.
عندما أتأمل الرقم: 1000 يوم على الصراع، لا أقرأ رقماً، بل أستشعر وجعاً يعتصر أعمق نقطة فى القلب، أرى وجوهاً تغطى ملامحها دموع الحزن على من قتلتهم يد الغدر فى تلك الحرب القاسية، أستمع إلى أنات ألم لمن رحلوا عن بيوتهم الآمنة ليسكنوا الخلاء فى انتظار كسرة خبز أو جرعة ماء بعدما كانوا ينعمون بأخصب الأراضى ويستخرجون من باطنها أشهى الثمار.
ألمح وجوه فتيات تعرضن للاغتصاب على يد عناصر ميليشيا «الدعم السريع» التى جاءت بمرتزقة من بلاد شتى ليعيثوا فى أرض السودان فساداً، بعضهم يتلقى ثمن مشاركته فى الحرب من دماء وأجساد الضحايا ونهب ممتلكاتهم، فى واحدة من أحط صور تجنيد المرتزقة عبر التاريخ.
ما أستشعره وأنا أتأمل ذلك الرقم أكبر من مجرد أعداد لضحايا أو مصابين أو خسائر مادية يمكن أن تسوقها بجفاف وجفاء تقارير المنظمات الدولية أو بعض البيانات الصحفية، فهناك خسائر لا يمكن تعويضها فى السودان، بعيداً عن لغة الرصاص والأرقام، وحسابات المكسب والخسارة، فكيف نقيّم إحساس فقدان الأمان، وخسارة الثقة، ومشاعر العجز، والخوف من المستقبل؟!
كيف تختزل التقارير إحساس مواطن سودانى خرج يبحث عن مستقبل أفضل لوطنه، فإذا به يتلقى جزاءه قتلاً وتشريداً على يد شقيق له، رأى فى ذلك التغيير فرصة للسطو على السلطة، وباع مستقبل وطنه لبعض المتاجرين بمصائر الأوطان، فاستجلب السلاح والعتاد والمرتزقة من الخارج ليعاونوه على قتل أبناء شعبه؟!
كيف للبيانات الصحفية الصادرة عن المؤسسات الرسمية أو المنصات الإعلامية أن تصوغ تحول مدن السودان التى كانت عامرة بكل صور الحياة وتقوم على التنوع القبلى والتعايش، إلى ساحة استقطاب إثنى حاد، خاصة فى دارفور وكردفان، مما جعل استعادة «الذاكرة المشتركة» للسودانيين كشعب واحد تحدياً أصعب من إعادة بناء الحجر؟!
هل تستطيع تلك التقارير الجافة أن تعبّر عن مشاعر ملايين الأطفال السودانيين الذين لم يحظوا بفرصة تكوين الذكريات فى شوارع بلادهم، بل أجبرتهم الحرب على أن يقيموا خارج بلادهم أو فى مخيمات النزوح الموزعة على جنبات الخريطة السودانية المتسعة، لترصد ما يموج به قلب وعقل جيل لا يعرف عن وطنه إلا قصص الدمار، ولا تحتفظ ذاكرته إلا بمشاهد الخوف والألم؟!
الحرب الحالية تسببت - حتى الآن- فى مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وتشريد 15 مليونًا آخرين، وهذه الأرقام ليست نهائية أو حتى حاسمة فى دقتها بطبيعة الحال، ليس فقط بحكم استمرار الحرب، وبالتالى احتمال سقوط المزيد من الضحايا، ولكن لأن وجود الجهات القادرة على تقديم تقارير موثوقة على الأرض يواجه الكثير من العقبات والتحديات.
الحرب الدائرة أيضاً أدت إلى حدوث انتهاكات واسعة بما يشمل القتل خارج نطاق القانون، والاحتجاز التعسفي، واغتصاب النساء والفتيات والأطفال، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، وتوقف مشاريع الإنتاج الزراعى والصناعي، وقد خرج نحو 19 مليون طفل من التعليم، ودُمرت البنى التحتية، وأدت الحرب إلى انهيار العملة السودانية مقابل العملات الأخرى بأرقام لم تحدث فى التاريخ.
وكلما تدحرجت كرة اللهب فى هذه الحرب إلى مناطق أخرى التهمت مزيدًا من الضحايا، سواء ممن يواجهون خطر الموت، أو الاغتصاب والتشريد، ولعل ما جرى فى مدينة الفاشر عقب سقوطها فى أيدى ميليشيا «الدعم السريع» بعد شهور طويلة من الحصار يعد مثالًا على ضراوة وقسوة تلك الحرب، التى تجاوزت الممارسات المنفلتة فيها من جانب عناصر «الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها أى تصور.
أخشى أن قضية الحرب فى السودان لا تزال بعد 1000 يوم تُقدم بطريقة خاطئة، فقصة الحرب فى السودان إما أن تكون «منسية» أو «مشوهة»، وقليلون جداً هم الذين حاولوا أن يغوصوا بعمق لاكتشاف حقيقة تلك الحرب التى التهمت الأخضر واليابس فى «أرض النيلين».
السمة الأبرز لهذه الحرب هى «النسيان الدولى المتعمد» أو «الإهمال الإعلامي»، فبينما كانت كاميرات العالم موجهة بالكامل نحو الصراعات الأخرى فى غزة وأوكرانيا، تُرك السودان ليواجه مصيره وحيداً. هذا التجاهل حول الأزمة إلى كارثة إنسانية صامتة، تتكشف فصولها بعيداً عن الأضواء.
وحتى عندما تحظى الحرب ببعض «الاهتمام» فغالبًا ما يعانى ذلك الاهتمام «تبسيطًا مخلًّا» عندما يتعلق الأمر بتحليل أزماته، فتُقدم الأزمة السودانية من خلال منظور غربى يختزل الفسيفساء السودانية فى ثنائيات متعارضة: عربى/إفريقى، شمالى/جنوبى، أو عبر استخدام تعبير فارغ من الحقيقة وهو «حرب الجنرالين».
هذا الاختزال المخل يتجاهل تعقيدات المشهد السودانى تاريخيًّا وسكانيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، كما يتغافل عن تأثير التاريخ والتركيبة البشرية والسياسية، ويغض الطرف عن الأبعاد الخارجية ودور المرتزقة والإمدادات القادمة عبر الحدود، ويعيد إنتاج فهم استشراقى يبرر العجز الدولي، ويحاول أن يقدم الصورة فى الصراع السودانى الراهن أو حتى الصراعات السابقة بشكل مسطح للغاية.
الحرب الحالية فى السودان أعقد وأكثر تشابكًا مما نتصور، والعوامل الضالعة فى تأجيج تلك الحرب واستمرارها تتجاوز حدود الداخل السوداني، وتمتد إلى إمكانية اعتبار الأمر مرتبطًا بترتيبات إقليمية، وتوافقات دولية بالغة الخطورة هى التى تتحكم إلى حد كبير فى مسارات الصراع فى السودان، ومنها قرار الحرب أو السلام.
أول مواطن الخلل التى يجب أن تركز «سردية الحرب فى السودان» على تصحيحها بعد 1000 يوم من القتال، هى أنه لا تجوز بأى حال من الأحوال المساواة بين جيش وطنى يقاتل من أجل حماية وطنه وشعبه، وبين ميليشيا اختارت طريق التمرد سبيلًا للوصول إلى السلطة، والسيطرة على الثروة، رغم كل الشعارات السياسية التى تتخفى وراءها.
الخلل الثانى فى فهم البعض لطبيعة الصراع هو تصور أن المأساة السودانية ليست سوى شأن داخلى بحت، فهو فهم يفتقر إلى كثير من الإحاطة بأبعاد الأزمة التى يحمل امتدادها الجغرافى تهديداً مباشراً للأمن القومى المصرى فى المقام الأول، كما أنه يمثل فرصة لتدخلات خارجية من قوى إقليمية ودولية متربصة بالمنطقة.
ولعل ما يجرى بالقرب من السودان سواء فى القرن الإفريقى من محاولات عابثة لإشعال الصراعات فى تلك المنطقة الهشة أمنياً وسياسياً، أو من خلال التلاعب بأمن البحر الأحمر يمثل دليلاً إضافياً على أن ما يجرى اليوم فى السودان من إطالة أمد الحرب، وإضعاف قدرات الدولة السودانية واستنزافها بحرب طاحنة مع ميليشيا متمردة، لا يمكن أن يكون فعلًا عشوائيًا أو عملًا من أعمال الصدفة، بل هو جزء من خطة أكبر لإضعاف الدول الوطنية فى الإقليم لصالح نشر شبكة من الفاعلين من خارج الدول لبناء «حزام ناري» من الفوضى تبرر عمليات التدخل الخارجي، وتمنح النعرات القبلية والمذهبية والحركات الانفصالية قبلة الحياة والوجود!!
والخلل الأهم - من وجهة نظري- هو أن نختزل الحرب الراهنة فى السودان إلى حفنة أرقام، فالمأساة الإنسانية أعمق من أية أرقام، وتداعياتها الكارثية لا تكمن فى مجرد ارتفاع وتيرة «عداد» الضحايا، بل الأخطر أنها تزرع فى وجدان السودانيين ألغامًا موقوتة بشأن المستقبل وإمكانية التعايش المشترك، وتحيى أشباح التقسيم القديمة على أساس عرقي، وهو ما سيكون وبالاً على المنطقة برمتها، وليس فقط على السودانيين.
خلال الزيارة إلى بورتسودان قبل أكثر من ٥٠٠ يوم ترسخت لدى قناعة بأن الحرب الحالية التى طالت بأكثر مما كان يتوقع الجميع «و أنا منهم» ليست سوى جولة من صراع ممتد فى بلد، وعلى بلد يقع على قارعة طريق تشابكات المصالح الإقليمية والدولية، وهذا بحد ذاته كفيل بأن يضيف تعقيدات هائلة تجعل من الحلول التى يتحدث عنها الجميع سواء فى وسائل الإعلام أو فى مراكز البحث والفكر مجرد قشرة سطحية للغاية، لا تنفذ إلى عمق الأزمة، ولا تعالج جذور الصراع.
الصراع الحالي، يفرض علينا إعادة قراءة مشروع «الدعم السريع» بوصفه ظاهرة سياسية عسكرية ذات امتداد إقليمى سواء من حيث كونه مشروعًا مدعومًا من أطراف خارجية، أو من حيث قابلية تكراره فى بيئات مشابهة.
التسطيح الذى يختزل التجربة فى شخص قائد متمرد بحسب معسكر، أو «صوتٍ للهامش» بحسب المعسكر الآخر، يغفل طبيعتها المركبة، فنحن أمام قوات شبه نظامية تمتلك تسليحًا نوعيًّا، وشبكات تمويل وتحالفات خارجية تمتد إلى أطراف إقليمية ودولية، فضلًا عن حاضنة اجتماعية فى مناطق سيطرتها، وعمق استراتيجى داخل الفضاء العربى الإفريقى يؤمن لها تدفقًا بشريًّا وعسكريًّا مستمرًّا.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى «حميدتي» كنموذج لفاعل إقليمى جديد مدعوم خارجيًّا، وقابل للتكرار فى دول أخرى تتقاطع فيها هشاشة الدولة مع شبكات النفوذ والمال والسلاح، نموذج قد يتحول إلى مشروع عابر للحدود يجمع «عرب الشتات» فى أقطار الساحل والصحراء والقرن الإفريقي، ويعيد رسم التوازنات الجيوسياسية فى المنطقة، ويتقاطع مع عالم جديد تبرز فيه أدوار فاعلين من غير الدول أو الجيوش النظامية تمتلك أدوات تأثير حاسمة.
الهدف الأخطر الذى يخشاه البعض من إعادة تموضع قوات «الدعم السريع» فى غربى السودان هو إحياء مخطط التقسيم، الذى كان ولا يزال شبحًا يتخوف منه كثيرون، لكن دون تحرك جاد لإبطال مفاعيله أو مسبباته.
وهذا السيناريو الكارثى المتعلق بالتقسيم ليس وليد الحرب الراهنة، بل هو أحد أشباح الماضى التى تتجدد من حين إلى آخر كلما احتدمت الأزمات على أرض السودان الذى لا يزال يبحث عن هدنة طويلة لا تبدو أمرًا ميسورًا منذ عقود.
بهذا الفهم العميق والانخراط الإيجابى والحرص الشديد على أمن وسلامة السودان الشقيق، تتحرك الدولة المصرية على الأصعدة كافة.
أعلنت القاهرة بشكل صريح عن عدة «خطوط حمراء» فى السودان، مؤكدة أن المساس بها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهذه الخطوط تحتمل من التحذير بقدر ما تحمل من التوضيح، فالسودان بالنسبة لمصر أكبر من مجرد «جار» وأمنه وسيادته بالنسبة لمصر قضية داخلية، لا مسألة علاقات دولية.
الخطوط التى رسمتها السياسة المصرية تتضمن:
الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه: فمصر ترفض رفضًا قاطعًا أى محاولة لتقسيم السودان أو انفصال أى جزء من أراضيه (مثل إقليم دارفور)، وتعتبر وحدة السودان الجغرافية خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
رفض إنشاء أو الاعتراف بأى كيانات موازية: تؤكد مصر أنها لا تعترف إلا بالحكومة الشرعية والمؤسسات الوطنية السودانية القائمة، وترفض إنشاء أى سلطات أو كيانات حاكمة موازية، لأن ذلك يقوض وحدة الدولة.
حماية مؤسسات الدولة السودانية: تعتبر مصر الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها أو إلحاق الضرر بها (مثل القوات المسلحة الوطنية) خطًا أحمر آخر.
عدم المساس بموارد السودان: تشدد القاهرة على رفض أى عبث بموارد السودان وشعبه.
حماية الأمن المائى المصرى: فمصر تعتبر أمنها المائى وحقوقها فى مياه النيل مسألة وجودية و«خطًا أحمر» آخر لن تتسامح بشأنه مع أى ضرر قد يلحق بها نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وطرح هذا البعد وربطه بأمن السودان يكشف إدراكًا مصريًا عميقًا بأن إضعاف السودان وجره إلى مربع الفوضى يتضمن - فى جانب منه- إخراجه من معادلة التصدى بمحاولات العبث بأمن حوض النيل، واستخدام المياه كورقة مساومة وضغط من جانب قوى لا تتمتع بأى قدر من المسئولية، ولا تنظر إلى أمن الإقليم إلا عبر منظار قوى خارجية تجيد التوسع وتتقن اللصوصية وتحترف الاستيلاء على حقوق الآخرين!!
الخطاب المصرى العاقل، والمقترن بجهود واتصالات لا تتوقف لحظة واحدة بحثًا عن أمن واستقرار السودان، أكد - بشكل لا لبس فيه- أحقية مصر الكاملة فى اتخاذ جميع التدابير اللازمة التى يكفلها القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لضمان عدم تجاوز هذه الخطوط، وهذا أمر مشروع قانونًا وواقعًا، كما أنه يتضمن رسالة يعرفها ويفهمها جيدا المعنيون بها.
1000 يوم من الحرب فى السودان هى وصمة عار فى جبين المجتمع الدولي، فقد أفشِلّت كل مساعى الوساطة، وتبددت جميع محاولات فرض هدنة مستدامة أو إلزام الأطراف المتحاربة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية، وحتى الاهتمام الأمريكى من جانب الرئيس دونالد ترامب، سرعان ما تراجع لصالح الاهتمام بـ«حديقته الخلفية» فى فنزويلا وأمريكا اللاتينية.
الأزمة السودانية لا ينبغى أن تبقى وهى تقترب من اتمام عامها الثالث أسيرة النسيان والتغافل الدولى عن قسوة ما يجرى فى بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الطعنات، فالجميع يدرك أن تمدد واتساع تلك الأزمة لم يكن جراء عوامل محلية فحسب، بل كان نتاج تفاعل معقد بين طموحات السلطة الداخلية والمصالح الجيوسياسية الخارجية، وقد أدى غياب الإجماع الإقليمى والدولى على حل موحد إلى إطالة أمد الصراع، مما فاقم الأزمة الإنسانية وجعل السودان أكبر أزمة نزوح فى العالم.
ويبقى السؤال معلقًا: هل يحتاج العالم إلى 1000 يوم أخرى من الدمار والموت كى يدرك أن استقرار السودان هو استقرار للمنطقة بأسرها؟ أم أن حكمة اللاجئ السودانى المسن ستظل تتردد كصرخة فى صحراء النسيان؟!