د. محمد عبد رب النبى و د. محمد حسنى
المجالس العرفية وسيلة للإصلاح شريطة الالتزام بالشريعة
الخميس، 15 يناير 2026 - 11:08 م
تعد الجلسات العرفية أو مجالس الصلح فى المجتمعات العربية والإسلامية إحدى الوسائل الجوهرية لحل النزاعات واحتواء الخلافات بعيدًا عن الخصومات القضائية، بما يحقق السلم الاجتماعى ويحفظ العلاقات بين الأفراد والعائلات، وتستمد هذه المجالس مشروعيتها من الأعراف المستقرة والقيم الدينية التى تقدم الصلح والتسامح على الخصومة، حيث أقر الإسلام مبدأ الصلح وجعله من القيم العليا لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ومع ذلك، يشدد علماء الدين على أن شرعية هذه الجلسات مرهونة بالتزامها بمبادئ الشرع، وأن تكون رضائية لا تخالف نصًا شرعيًا أو قانونيًا، وألا تتجاوز سلطتها بفرض عقوبات جائرة أو تهجير قسري، فهى ليست بديلًا عن القضاء فى الحدود والقصاص، بل هى وسيلة لفض النزاعات المدنية بالتراضي.
ويؤكد الدكتور محمد عبد رب النبي، مستشار الفقه وأصوله، أن هذه المجالس عادة عربية توارثتها العائلات والقبائل، وإذا ما انتهى المجلس إلى حكم فإنه يلزم المدعى عليه وكفيله بالتنفيذ، وهو ما يجسد قاعدة (العادة محكمة) وقاعدة (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا)؛ فالعرف السائد إذا اتفق عليه الناس ولم يحل حرامًا فإنه يعتبر فى الشرع كالشرط الذى يجب الوفاء به، ومن هنا تبرز ميزات هذه المجالس فى سرعة نزع فتيل الخصومات العائلية والاعتماد على الحكمة والإقناع، مما يجعلها الخيار الأول فى القرى والمجتمعات القبلية، لكن فى المقابل، تظهر عيوبها حين تستند إلى قواعد مخالفة للقانون أو القيم الدينية، أو حين يتولى التحكيم فيها أصحاب النفوذ والقوة بدلًا من أهل العلم والحكمة، مما قد يؤدى لتفاقم التوترات بدلًا من تهدئتها.
اقر أ أيضًا | أحمد كريمة: إيصال الأمانة في عقود الزواج مخالفة للشريعة
ومن الناحية الإجرائية، يوضح الدكتور محمد حسني، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر، أن نجاح هذه المجالس يتوقف على اختيار أهل العدل ممن عرفوا بالنزاهة والخبرة، مع ضرورة سماع جميع الأطراف دون تحيز، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ويشترط أن تُعقد الجلسات فى أجواء هادئة خالية من الإكراه، وألا يكون هدفها التشفى أو الانتقام بل الإصلاح وحقن الدماء، فالصلح لا يصح إلا برضا أطرافه، انطلاقًا من قول النبى : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».
أما فيما يخص الأموال التى تُفرض فى هذه الجلسات، فإن حكمها يدور بين الحل والحرمة؛ فإذا كان المال تعويضًا عن ضرر ثابت أو جبرًا لخاطر المظلوم وكان قائمًا على العدل والرضا، فهو جائز شرعًا من باب رفع الظلم والاتباع بالمعروف، أما إذا فُرض تحت ضغط اجتماعى أو بدافع العصبية أو كان مبالغًا فيه دون وجه حق، فإنه يدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو ما حذر منه القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة. وخلاصة القول: إن المجالس العرفية تظل وسيلة إصلاح محمودة إذا التزمت بالعدل ومقاصد الشريعة، ليكون الحكم فيها أداة للإنصاف لا وسيلة للظلم أو الابتزاز، وبذلك يتحقق المقصد الأسمى فى حفظ السلم المجتمعى وتقوية أواصر الأخوة بين الناس.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ
دكتوراه حول الحرية الدينية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية
وصفة شرعية للحج المبرور
العشر من ذى الحجة| أعظم أيام الدنيا وموسم الطاعات والقربات
أحكام الأضحية وشروطها وآداب النحر
العلماء: مدرسة إيمانية تجمع بين العبادة والفرح والتكافل
خواطر الشعراوى| الحج عرفة









