نوال مصطفى يكتب: صباح الأحد

نوال مصطفى

السبت، 17 يناير 2026 - 08:01 م

نوال مصطفى

أجمل ما فى مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» أنه يطرح القضيتين اللتين اختارهما بواقعية شديدة قضية التبرع بالأعضاء وخص بها التبرع بالكلى، وقضية قوقعة الأذن عند الأطفال الذين يولدون بضعف السمع لم يقدّم المتبرع كبطل أسطورى، ولا الرافض كشخص شرير، بل ترك المساحة للتردد الإنسانى، للصراع الداخلى، وللحظة القرار القاسية التى قد تغير مصير أكثر من إنسان وهنا تكمن قوة الدراما، إنها لا تقدم لنا مواعظ، بل تفتح أمامنا مساحة للتفكير. ما أسعدنى أن التأليف والإخراج كلاهما يحمل توقيع نون النسوة انعكس ذلك بوضوح على نبرة العمل، التى اتسمت بالهدوء، والاقتراب الحميم من الشخصيات، والابتعاد عن الاستعراض أو المبالغة بدا واضحا أن السرد لا يلهث خلف الصدمة، بل يمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها، نظرة أم مترددة، صمت طفل، ارتباك قرار مصيرى وهو ما يؤكد أن الرؤية النسائية هنا لم تفرض خطابا مختلفا بقدر ما قدمت زاوية إنسانية أكثر إنصاتا، وأكثر احتراما لاختلاف الألم الإنساني. جعلنا المسلسل نعيش مع أصحاب هاتين الأزمتين الإنسانيتين عذابهم فى البحث عن حل. القضية الأولى هى التبرع بالأعضاء، التى ما تزال فى مجتمعاتنا محاطة بالخوف والالتباس وسوء الفهم كثيرون يرفضون الفكرة بدافع دينى غير دقيق، أو خوف غريزى من العبث بالجسد بعد الموت، أو انعدام الثقة فى المنظومة الطبية. أما القضية الثانية، قوقعة الأذن عند الأطفال، فهى أكثر إيلامًا لأنها تمس مستقبل طفل، لا ذنب له سوى أنه وُلد بضعف سمع. القوقعة ليست مجرد جهاز طبي، بل نافذة حياة، ومدخل حقيقى إلى التعليم والتواصل والاندماج فى المجتمع وقد قامت بدور «مكة» طفلة تعانى بالفعل من هذا المرض، والجميل فى الأمر أنها اصطحبت الفنان القدير أحمد السعدنى لزيارة جمعية «نداء» التى تتبنى هذه القضية فى مصر، وتحتضن الأطفال المحتاجين لزرع قوقعة الأذن. وهذا هو دور الفن الحقيقى أن يغير نظرتنا للحياة، ويفتح أعيننا على آلام بشر. من خلال أحداث المسلسل نعرف كيف تسرق هذه الإعاقة السمعية من الطفل لغته، وثقته بنفسه، وفرصه فى حياة طبيعية وهو طرح نادر فى الدراما العربية، التى غالبا ما تتجنب قضايا الأطفال ذوى الإعاقة السمعية، أو تكتفى بتناولها بشكل سطحى أو عاطفى مبالغ فيه. شكرا لصناع هذا العمل الرائع، المخرجة مريم أبو عوف، والمؤلفتين دينا نجم وسمر عبد الناصر. والممثلين الذين برع كل منهم فى دوره، أحمد السعدنى، دينا الشربينى، حسن مالك، فدوى عابد، صدقى صخر، حنان سليمان، بسام رجب، والطفلة الرائعة لين محروس. ربما لا يغيّر مسلسل واحد الواقع، لكنه بالتأكيد يستطيع أن يغيّر نظرتنا إليه، ويفتح الباب لحلول أكثر إنسانية ورحمة.