أزمة جائزة ساويرس: سلطة الحجب.. ووصاية المعرفة!

ياسر عبدالحافظ

الأحد، 18 يناير 2026 - 10:24 م

ياسر عبد الحافظ

 كان لدىَّ الوقت الكافى منذ لحظة إعلان نتائج جوائز ساويرس الأدبية إلى لحظة كتابة هذه السطور لتأمل ما جرى على مسرح الجائزة بصورة حيادية، لأرى الأمر من وجهة نظر لجنة تحكيم فرع القصة القصيرة لشباب الأدباء، ومن وجهات النظر المعترضة عليها، والوقت لم يؤكد سوى على قناعة بعدم تقبل الكلمة الارتجالية التى ألقاها الشاعر جرجس شكرى فى سياق تبرير حجب الجائزة الأولى فرع القصة القصيرة. وفق ما رأيت وما تابعت فأنا جزء من أغلبية اتفقت على الشعور بالاستياء مما حدث واعتبرته وصاية مرفوضة، ليس اعتراضًا على الحجب فهو حق أصيل لأى لجنة تحكيم، لكن المشكلة تمثلت فى إساءة استخدام هذا الحق بما ألحق الضرر بأطراف العملية الإبداعية كلها، وليس بمن تقدموا فقط إلى الجائزة، فالكلمة بدت تقريعًا مدرسيًا تحت غطاء التنبيه إلى أزمة فى مجال كتابة القصة القصيرة، أزمة تستوجب التدخل الحاسم بتلك الصورة الفجة رغبة فى إحداث صدمة تجبرنا على الانتباه هذا ما بدا. مشهد جرى فى دقائق لكنه يصلح تمثيلًا رمزيًا للتعبير عن مقدار الهشاشة والارتباك الذى يسود المشهد الثقافى المصرى، ويؤكد بوضوح أن ثمة خللًا بنيويًا فى فهم الآليات الثقافية، وفى كيفية إدارة العلاقات داخل الوسط الثقافى بما يحافظ على السلامة الشكلية التى تبقيه مستمرًا وفاعلًا بما يليق بالمنتج الذى يقدمه، وبما يفترض أن يتمتع به المشاركون فى صنعه من قدرة على الحوار وتبادل الأفكار. جرجس شكرى قال نصًا: «المجموعات القصصية التى وصلت إلى الجائزة تقريبًا كانت 46 مجموعة قصصية، معظم هذه المجموعات كانت تفتقد إلى المقومات الفنية الأساسية لفن القصة القصيرة عكس ما قرأناه فى الرواية، وعكس ما تكلمنا عنه فى الرواية، الحقيقة كنا فى حيرة من أمرنا، هل نمنح الجائزة الأولى، ونمشى وفق اللائحة الشكلية، أم نهمس فى إذن الأدباء أو شباب الأدباء، أن الجائزة تمنح للإبداع المتميز، والحقيقة ما وجدناه ليس ما كان فى مستوى الرواية، فاتفقنا أن نبعث برسالة من خلال حجب جائزة واحدة إلى شباب الأدباء، أن نقول لهم إن فن القصة القصيرة فن صعب جدا، وأنه يحتاج إلى وعى، وأنه يحتاج إلى قدرات خاصة، وأن حجب هذه الجائزة هو رسالة تقول لنا أو تقول لهم إن المعرفة هى الطريق إلى الإبداع..»  هذا كان حفلًا لتسليم جوائز للمبدعين، وليس ندوة أو ورشة أو غير ذلك من أشكال العمل الثقافى التى قد يصادف أن نسمع فيها شيئًا كهذا، لهذا فإن الكلمة قوبلت باستهجان،  ثم أن الكلمة نفسها وبالأحكام التى قررتها أجبرت المشتغلين بالفعل الثقافى على مواجهتها بصيغتها المطلقة ذاتها، لأنه إذا كانت لجنة التحكيم قد رأت أن المجموعات القصصية تفتقد إلى المقومات الفنية الأساسية لفن القصة، فبالمقارنة تفتقد الكلمة التى قيلت فى  ذلك إلى المنطق الذى يجبر من يسمعها على القبول بالحكم الصادر عنها. لأنه: ما الداعى للمقارنة بين الأعمال القصصية المتقدمة وبين الأعمال الروائية؟ ما الذى نفهمه من هذا؟ تتهم الكلمة كتاب القصة الشباب بأنهم تنقصهم المعرفة، فهل بمدحها كتاب الرواية تقصد أنهم امتلكوا المعرفة التى هى بوصف بيان اللجنة «الطريق إلى الإبداع»، وأنه على كتاب القصة اتباع طريقهم! أم أنه مجرد إثبات لحسن النوايا، كأن لجنة التحكيم تقول: أعطينا من اجتهد ومنعنا عمن أهمل.  الكلمة الارتجالية التى ألقاها جرجس شكرى بدا أنها موجهة إلى الشباب الذين يكتبون القصة فى مصر، إلى جيل بأكمله، الصياغة لم تكن موفقة، وهذا ما استدعى من شكرى التوضيح على حسابه على الـفيسبوك أن: «هذا الرأى يقتصر فقط على هذه الأعمال التى شاركت فى المسابقة»، لكن حتى هذا لم يكن مقبولًا أيضًا، لأننا لسنا بصدد أحد برامج اكتشاف المواهب، حيث يدرك المتسابق صعوبة ما سيمر به، يعرف أنه سيكون عليه تقبل النقد من لجنة التحكيم، واحتمالية السخرية من الأداء إن كان متواضعًا، وعليه الاستعداد للتعامل مع هذا فى مواجهة الجمهور. فإذا تجاوزنا عن الجانب الشكلى يبقى بيان لجنة التحكيم (الكاتب محمود الوردانى مقررًا، وعضوية كل من الكاتبة بسمة عبد العزيز، والدكتورة منيرة سليمان، والكاتبة الصحفية جيهان الغرباوى) نفسه غامضًا، فما المقصود بمسألة المعرفة وعلاقتها بالإبداع، ما نوع المعرفة المقصودة؟ نص بيان لجنة التحكيم المكتوب لا الكلمة الارتجالية، والذى كشف عنه جرجس شكرى فى توضيحه السابق الإشارة إليه يقول: «رغم المستوى الجيد للأعمال الروائية فى هذه الدورة، وجدت لجنة التحكيم أن المجموعات القصصية افتقرت إلى المقومات الفنية الأساسية لفن القصة القصيرة، إذ جاءت أقرب إلى الحكايات والخواطر، مع محدودية فى العمق الفكرى والاشتغال الفنى، وقد سعت اللجنة إلى رصد جماليات القصة القصيرة بوصفها نتاجًا لرؤية واعية وأدوات فنية راسخة، لا مجرد سرد للحكايات. وبناءً عليه قررت اللجنة حجب الجائزة الأولى، حتى تكون رسالة إلى شباب الأدباء بأهمية بذل المزيد من الجهد، والتأكيد على أن المعرفة هى الطريق إلى الإبداع.» المعرفة وفق البيان ترتبط إذن بـ«العمق الفكرى» و«الاشتغال الفنى» وذلك استنادًا إلى أن القصة القصيرة نتاج شرطين: «رؤية واعية وأدوات فنية راسخة»، لكن هذا ليس أكثر من كلام عام يمكن ألا تتفق معه رؤى فنية أخرى، من يقرر أن هذه القصة أو تلك قد امتلكت الرؤية الفنية الواعية، واستخدمت الأدوات الفنية الراسخة، ما تعريف الرؤية الفنية الواعية؟ وهل هناك من شىء راسخ أصلًا هذا الزمن؟ ألا يبدو الأمر هكذا وكأننا نلزم الفن والإبداع بمقاييس شخصية؟ لأن ما يشير إليه البيان متغير بطبيعته، وقابل للنقاش طوال الوقت.. لهذا كانت الحجة الأساسية لرفض بيان لجنة التحكيم وقرارها أن الأعمال لو كانت لا ترقى إلى المستوى المطلوب كان الأولى عدم إعلان قائمة قصيرة من البداية. وفق هذا السياق يكتسب رأى كتبه د.أحمد السعيد رئيس «بيت الحكمة للصناعات الثقافية» – على حسابه بالفيسبوك - أهميته، لأن: «الموضوع تحول لاتهام للناشر باختيار أعمال رديئة، وأنها (غير مطابقة للمواصفات الفنية) وده تصعيد وتقليل وإهانة، العمل اللى اخترته كناشر للنشر أصبح جزء من هويتى وصورتى وسمعتى وبطاقة عملى اللى بشتغل بيها.  إنك كجائزة تفضل عمل غيره عليه، فهى سُنة الجوائز ونهج التسابق، إنك تحجب عنه الجايزة هو شأنك ودليل وهنك وضعفك فى القدرة على اتخاذ قرار. وكلاهما أمران لا أملك المراجعة فيهما أما أن تتهمه بالفشل الأدبى والسوء والبعد عن الفنيات الأساسية وأنه يتسم بالجهل (بما إنك نصحت بالمعرفة) فهو تعدى على دار النشر وفرق عملها ولجان قراءتها ومبدعيها وكتابها. وده شىء مش مقبول إطلاقا». هذا ما جرى بالفعل، بيان لجنة التحكيم فى نسختيه، المرتجلة والمكتوبة، تعدى اختصاصه الأصيل فى تقييم الأعمال المقدمة إليه والاختيار منها أو استبعادها، إلى إصدار الأحكام العامة استنادًا إلى 46 عملًا مقدمة إليه، منها أعمال عدة كتب عنها نقاد بعد الأزمة يشيدون بتميزها وجودتها، وفى ذلك قد تكون الحسنة الوحيدة.. أن تتسع مجالات القراءة والكتابة عن الأعمال الإبداعية، والتحفيز على الاهتمام بها عبر نشاط ثقافى حقيقى لا ينصب الاهتمام فيه على الجوائز وحدها.