د. أسامة أبوزيد
د. أسامة أبوزيد


من الآخر

د. أسامة أبوزيد يكتب: بداية جديدة.. وعلاقات متينة

أسامة أبوزيد

الخميس، 22 يناير 2026 - 01:51 ص

انتهت بطولة كأس الأمم الإفريقية فى نسختها الـ35 التى استضافتها المغرب على خير.. الأجواء التنظيمية كانت متميزة.. المستوى الفنى للكثير من المنتخبات كان راقي جداً.. الخلاصة أن ما حدث على أرض المغرب الشقيق يعكس مكانة البلد المضيف القارية وقدرته على استضافة الأحداث الكبرى.

منتخب السنغال فاز باللقب الثانى فى تاريخه معتمداً على كتيبة المحترفين بقيادة «المعلم» ساديو مانى بعد سيناريو غريب وأحداث أغرب كان فيها منتخب أسود الأطلسى الأقرب لو سجل إبراهيم دياز هداف البطولة ولاعب ريال مدريد ركلة الجزاء التى احتسبت للمغرب فى الدقيقة الأخيرة من الوقت الضائع للمباراة ولكنه أضاعها برعونة فائقة ليمنح أسود التيرانجا فرصة الفوز وتسجيل هدف الانتصار الغالى فى الشوط الإضافى الأول وسط صدمة كبيرة وحزن شديد من الجماهير المغربية التى لم تصدق أن اللقب الغائب منذ 50 عاماً تبخر فى لحظة.

كانت الجماهير المصرية تأمل فى رؤية منتخبها الوطنى على منصة التتويج، وإضافة النجمة الثامنة إلى سجل الكرة المصرية، غير أن الخسارة أمام المنتخب السنغالى فى الدور نصف النهائى، بأداء لم يلبِّ طموحات الجميع، جاءت صادمة، لاسيما بعد الإنجاز اللافت بإقصاء حامل اللقب منتخب كوت ديفوار من ربع النهائى. ثم جاءت ركلات الترجيح لتحسم مواجهة المركز الثالث أمام المنتخب النيجيرى دون أن تبتسم للفراعنة.

«حكاية» كأس إفريقيا قد أُغلقت، وبدأت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها الإعداد الجاد والاستعداد المبكر لمونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهو التحدى الأكبر والأهم. ويُحسب لاتحاد الكرة برئاسة المهندس هانى أبوريدة، اتخاذه قرارًا متزنًا بتجديد الثقة فى الجهاز الفنى للمنتخب الوطنى بقيادة التوأم حسام وإبراهيم حسن، فى خطوة تعكس وعيًا مؤسسيًا بأهمية الاستقرار الفنى والبناء على ما تحقق، لاسيما أن البطولة، رغم عدم الوصول إلى النهائى، كشفت عن بروز عناصر شابة واعدة تستحق الدعم ومنح الفرصة، إلى جانب صقلها بالخبرات اللازمة.

وقد أثبتت أسماء مثل: مصطفى شوبير، مهند لاشين، مروان عطية، محمد شحاتة، أحمد عيد، خالد صبحى، صلاح محسن، إبراهيم عادل، محمود صابر، قدرتها على التطور وحمل الراية مستقبلًا، إلى جانب جيل من اللاعبين فى ذروة عطائهم أمثال عمر مرموش، إمام عاشور، زيزو، حسام عبد المجيد، والقادة أصحاب الخبرة الكبيرة، وفى مقدمتهم محمد صلاح، رامى ربيعة، ياسر إبراهيم، وحمدى فتحى.

الإصلاح الحقيقى لكرة القدم المصرية لا يتحقق بردود الأفعال المتشنجة، ولا بإقالات متعجلة، بل بتشخيص موضوعى للأخطاء، وفهم دقيق لأسباب الإخفاق، وهو ما تجسّد هذه المرة فى قرار الاستمرار وتجديد الثقة. فالوصول إلى نصف النهائى، ومقارعة منتخبات بحجم كوت ديفوار والسنغال ونيجيريا فى بطولة رسمية، يمنحك قراءة صادقة لمكانك على خريطة الكرة الإفريقية، ويحدد بدقة ما يجب تطويره.

ومن هذا المنطلق، تمثل المواجهتان الوديتان المرتقبتان أمام السعودية وإسبانيا فى قطر نهاية مارس المقبل، اختبارًا جادًا وبروفة حقيقية للمونديال، الذى نطمح أن يظهر فيه المنتخب المصرى الوجه الحقيقى لكرة القدم المصرية، بتاريخها العريق، وبما يُقدَّم فوق المستطيل الأخضر، لا بالاكتفاء باستدعاء أمجاد الماضى.

إن العلاقات بين مصر والمغرب، على مختلف المستويات، أعمق وأرسخ من أن تهزّها انفعالات عابرة، أو تصريحات غير محسوبة، أو سلوكيات فردية صبيانية تصدر فى لحظات غضب. فالرياضة، فى جوهرها، وُجدت لمدّ جسور التواصل بين الشعوب، لا لزرع الفرقة بين الأشقاء.

لقد حافظ البلدان، منذ الاستقلال، على علاقات دافئة وممتدة، تجمع القاهرة والرباط بروابط حضارية وتاريخية راسخة، وتتجلى فى تنسيق سياسى دائم، وتفاهم مشترك حيال القضايا العربية والإقليمية والدولية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية، ودعم التضامن العربى.

وعلى الصعيد الثقافى، وُقِّع أول بروتوكول ثقافى بين البلدين عام 1959، فيما شهدت العلاقات الإعلامية تطورًا ملحوظًا عبر تبادل الخبرات والزيارات، كما عرف التعاون الاقتصادى نموًا متسارعًا السنوات الأخيرة. وتتسم العلاقات المصرية المغربية بتقارب الرؤى حول دعم وحدة الصف العربى، والعمل المشترك داخل إطار جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقى، لترسيخ السلم والأمن، وتعزيز قيم التسامح والتعايش.

إنه تاريخ طويل من الأخوَّة والعلاقات الدبلوماسية المتينة، تجسده إرادة سياسية واعية لدى قيادتى البلدين، وإيمان راسخ بوحدة المصير المشترك، وبأن التضامن العربى صمام الأمان فى مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

ومن ثم، فإن من يعملون فى المجال الرياضى، فى مصر والمغرب على السواء، مطالبون بإدراك هذه الحقائق جيدًا، وأن يستحضروا دائمًا أن ما يجمع الشعبين المصرى والمغربى يتجاوز رابطة العروبة إلى علاقات إنسانية وأسرية ضاربة فى عمق التاريخ.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة