داليا جمال تكتب : كرم تحكمه السيادة

داليا جمال

الجمعة، 23 يناير 2026 - 08:59 م

داليا جمال

لم تكن مصر يومًا وطنًا موصد الأبواب، ولا دولة تنكرت لقيمها الإنسانية، بل كانت – عبر تاريخها الطويل – ملاذًا آمنًا لكل من ضاقت به السبل، ومأوى لكل هارب من نار الحروب أو الفوضى، غير أن الكرم مهما اتسعت ساحته، لا يمكن أن يكون على حساب السيادة، ولا يجوز أن يتحول إلى ثغرة ينفذ منها العبث بأمن الدولة واستقرار المجتمع. ما تقوم به الحكومة المصرية والأجهزة الأمنية حاليًا من تمشيط للمحافظات وترحيل المقيمين بصفة غير شرعية، ليس إجراءً استثنائيًا ولا مفاجئًا، بل هو تطبيق طبيعى وحتمى للقانون بعد سنوات من التسامح، ومهلة زمنية طويلة مُنحت لكل من أراد تقنين أوضاعه، واختيار الطريق القانونى للإقامة والعمل على أرض مصر. المشكلة لم تكن يومًا فى اللاجئ الحقيقي، الهارب من ويلات الحرب، ولا فى الباحث عن الأمان بكرامة، وإنما فى أولئك الذين أقاموا وعملوا دون أوراق رسمية، بلا إثباتات شخصية، خارج أى إطار قانوني، وبما يجعلهم غير خاضعين لقانون البلاد ولا لرقابتها، وجود هذه الكتلة المجهولة داخل أى مجتمع يمثل خطرًا حقيقيًا، أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لا يمكن تجاهله أو التهاون معه. الدول لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بالقانون، وأى دولة تحترم نفسها لا تسمح بوجود ملايين البشر على أراضيها دون بيانات واضحة، أو إقامة قانونية، أو التزام بضوابط العمل والإقامة، ما تفعله مصر اليوم تفعله كل دول العالم دون استثناء، بل إن كثيرًا من الدول التى ترفع شعارات حقوق الإنسان لا تمنح ربع ما منحته مصر من فرص ومهل وتسهيلات. لقد تحمل المجتمع المصرى أعباءً ضخمة خلال السنوات الماضية؛ ضغط على الخدمات، وزيادة فى الطلب على السكن، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، وكلها تحديات دفعتها الدولة والمواطن معًا، دون أن يُغلق الباب أو تُسحب اليد، لكن استمرار الفوضى لم يعد خيارًا، وترك الأمور بلا تنظيم لم يعد مقبولًا. ترحيل المقيمين غير الشرعيين ليس عقابًا، بل تصحيح مسار، ورسالة واضحة بأن مصر ترحب بمن يحترم قانونها، وتغلق أبوابها أمام من يتجاوزه، فالسيادة ليست شعارًا، والأمن ليس رفاهية، والنظام هو الضمانة الوحيدة لبقاء الكرم ذاته. نعم، مصر كريمة… لكن كرم مصر له حدود.