خالد منيب
خالد منيب


خالد منيب: إرث والدي كنز لا يُقدر بثمن| حوار

ندى محسن

السبت، 24 يناير 2026 - 07:56 ص

بمناسبة احتفاء الساحة الفنية بمئوية الملحن الراحل أحمد منيب، كان لنا هذا اللقاء مع نجله خالد منيب، الذي يحمل إرثًا فنيًا عظيمًا لأحد أبرز رموز الفن النوبي، الذي أسس منهج فني يمزج بين التراث والتجديد، وترك بصمة لا تُنسى في مجال الغناء والموسيقى، بل استطاع بفضل موهبته أن يُلامس قلوب الملايين من محبي الفن والتراث.. في الحوار التالي يسترجع الابن ذكريات والده في مرحلة الطفولة والمراهقة ثم إلى الاحتراف، كما نتوقف عند أبرز المحطات في مشواره الفني، وكيف أثر انتقاله من بيئته الأصلية إلى الإسكندرية ثم القاهرة على تطوير مهاراته الفنية، وكيف نجح في المزج بيت التراث النوبي والعناصر الجديدة في الموسيقى.. إلى نص الحوار.

بدايةً.. ما الذي يُعنيه لك ولعائلتك الاحتفاء بمئوية والدك الفنان الراحل أحمد منيب ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

 سعداء للغاية بهذه الفرصة، وأود أن أتوجه بالشكر إلى الناقدة الفنية د. إيناس جلال الدين على إقامة هذه الندوة الاحتفائية والتكريمية لاسم والدي الراحل، ولكن بشكل شخصي كنت أتمنى الاحتفاء بالمئوية بشكل جماهيري أكبر، لأنها فرصة تأتي مرة واحدة في العُمر، وبالفعل أعددت خطة من أجل الاحتفاء بمئوية أحمد منيب، وشملت إقامة عدد من الفعاليات والاحتفالات في محافظات مصر، بدأناها بإقامة إحدى هذه الفعاليات في قصر الإبداع الفني بمدينة 6 أكتوبر، وذلك في أكتوبر الماضي، وتقدمت بعدها بطلب للثقافة الجماهيرية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، بهدف إتاحة الفرصة حتى نجوب محافظات مصر للاحتفاء بالمئوية، لكن للأسف لم نحصل على رد بالموافقة، وبالتالي لا نستطيع تحقيق هذا الأمر، لكن بشكل عام نحن كأسرة أحمد منيب حريصين على استمرار اسمه من بعد وفاته، بتوريثه للأجيال الجديدة، لأنه برأيي لم يحصل على ما يستحقه من مكانة وقيمة أثناء حياته، فهو أضاف للفن المصري بمدرسته الموسيقية المنفردة بجانب العمالقة محمد عبد الوهاب، سيد درويش، بليغ حمدي، وغيرهم الكثير.

بالعودة إلى طفولته.. كيف كانت نشأة أحمد منيب، وإلى أي مدى أثرت في تكوينه الفني؟

 كانت نشأته بسيطة للغاية، حيث عاش في مدينة النوبة بأسوان لمدة 14 عامًا، وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، وكما نعلم كانت الحياة بسيطة في النوبة القديمة، فالكهرباء لم تكن موجودة بشكل وافر، وبالتالي لم تتوفر لدى الأسر أجهزة مثل الراديو أو التليفزيون، لذا والدي لم يستمد موسيقيًا أي ثقافة أخرى غير النوبية، وكانت تشمل عدد من المقاطع والجُمل التي كانت تُقدم في الأفراح النوبية بشكل أقرب إلى السرد من الغناء.

إذًا ما هي مرجعيته في الموسيقى التي قدمها على مدار مشواره الفني؟ 

 كما ذكرت لم تكن هناك أي عوامل مساعدة، لكنها هبة ربانية وإلهية، فهو كان مصدر إلهام نفسه، حيث بدأ الحس الفني ينمو بداخله منذ عُمر 6 سنوات، حينما كان يُشاكس أبويه حتى يحضر الأفراح النوبية، وأذكر أنه كان يحكي لنا كيف كان يتحمس ويركض إلى المنازل التي كانت تحتوي على أعراس، ويظل أبويه يتفقدانه في القرية حتى يجدوه في “بيت الفرح” كما كانوا يسمونه، وكانت الأغنيات تُقدم في الأفراح أو الاحتفالات النوبية بشكل أقرب إلى سرد إيقاعي، وليس بالشكل المتعارف عليه للأغنية أكاديميًا من كوبليهات وجُمل لحنية، وبعد أن تقدم في العُمر قليلًا بدأ التعلم على آلة العود، وكان أول من لعب على الآلة في النوبة، وجاء بعده الفنان حمزة علاء الدين، وجاءت موسيقاه مختلفة إلى حد كبير، ولم تعتمد على السلم الخماسي الذي اعتدنا السماع إليه في الأغنيات النوبية والسودانية، إذ اعتمدت موسيقاه على ما يُسمى أكاديميًا بمقام الكُرد و الماجير.

وكيف أثر انتقال أحمد منيب من بيئته الأصلية إلى الإسكندرية ثم القاهرة على تطوير مهاراته الفنية وتوجهاته الموسيقية؟ وما الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيل رؤيته كملحن خلال تلك الفترة؟

 هذه المرحلة الانتقالية أضافت الكثير لفنه، فالبيئة الثقافية المختلفة بين أسوان والإسكندرية والقاهرة أثرت في مخزونه الثقافي والفني، وانعكست لاحقًا على أعماله وألحانه التي تميزت بالدفء، وكأنها نسمة رقيقة وجميلة، وكانت مرحلة غنية وثرية للغاية في حياته، حيث بدأ الغناء على آلة العود في الحفلات بمصاحبة الفرقة الموسيقية التي كانت تعزف على الآلات الشرقية كالقانون والكمانجا، وكان حينها يُمثل شكلًا غنائيًا وموسيقيًا مختلفًا عن السائد، حتى لُقب بعميد الفن النوبي، وهذا اللقب لم يأت من فراغ، ثم بدأ مرحلة الاحتراف في القاهرة والتي بدأها مع الكينج محمد منير في ألبومه الأول “علموني عنيكي”، وانعكس مخزونه النوبي على أعماله مع منير لدرجة كبيرة، حيث قدم له 6 أغنيات كانت تتغنى باللهجة النوبية، وكانت كلمات هذه الأغنيات بتوقيعه وتوقيع الشاعر محيي الدين شريف، لكن الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور كتب كلمات مصرية على اللحن، وجميع هذه الأغنيات كانت مصنوعة منذ أربعينيات القرن الماضي، أي قبل أن تُقدم بـ 30 عامًا، ما يعني أنه كان سابقًا لعصره، ثم نكتشف عبقريته الموسيقية في أعماله التالية مع منير في ألبوم “بنتولد” من خلال أغنيات “سهيرة ليالي”، “سيلي”، “عروسة النيل”، وهو الألبوم الذي حقق نجاحًا كبيرًا حينها، ثم تعاونه في ألبوم “شبابيك” والذي كان بمثابة محطة انطلاق لمنير وميلاد لمرحلة غنائية جديدة في تاريخ الفن المصري يقودها مطرب أسمر اسمه محمد منير، وملحن نوبي، وشاعر جنوبي، في أغنيات “الليلة يا سمرا”، التي وصل بها منير إلى العالمية، وتم غنائها بأكثر من لغة، ثم “شجر الليمون”، “شبابيك”، “ع المدينة”، “حدوتة مصرية”، وغيرهم الكثير.

بمناسبة الحديث عن تعاونه مع الكينج محمد منير في بداياته.. إلى أي مدى أثرت ألحانه في تشكيل هوية منير الفنية؟ وما أبرز زكرياتهما معًا؟

 أثرت بشكل كبير، فمنذ ظهور منير على الساحة الغنائية في أواخر سبعينيات القرن الماضي تميز بأسلوبه الغنائي المختلف، من حيث الكلمة التي صاغها الشاعر عبد الرحيم منصور، واللحن الذي صنعه أحمد منيب، والتوزيع الموسيقي المختلف لهاني شنودة ويحيى خليل، وحتى للشكل الإنتاجي لشركة “سونار” لصاحبها هاني ثابت، فعند ذكر تجربة منير الفنية لابد من ذكر أسماء جميع هؤلاء المبدعين اللذين بدأوا المسيرة مع منير بنجاح واستمرارية جعلته يُلقب بـ “الكينج”، فهم آمنوا بموهبته مثلما هو آمن بتوجيهاتهم التي وضعته على الطريق الصحيح الذي حقق له الانفراد والتميز، ومازال تأثيرهم على منير مستمر رغم رحليهم، فهو يختار الكلمة واللحن بروح العظماء عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وأحمد منيب، أما عن ذكرياتهما سويًا، فمنيب كان يعتبر منير ابنه السادس، فكانت العلاقة أشبه بعلاقة أب بابنه، وليس ملحن بفنان يتعاون معه، وكان دائمًا يقول أن منير هو صوته الذي يغني به، وكان لا يبخل عليه بأي لحن يصنعه، وحتى عندما أراد منير التجديد والتغيير في مسيرته الفنية، والخروج من عباءة منيب بالتعاون مع ملحنين وشعراء آخرين، لكن يظل ويبقى حجر أساس وأعمدة تجربته الفنية نابعة من خبرة القامات أمثال منيب، عبد الرحيم منصور، مجدي نجيب، هاني شنودة، ويحيى خليل التي اكتسبها في فترة شبابه وبداياته، وساعدته على تكوين هويته الفنية التي ظل متربعًا بها على العرش لمدة 40 عامًا، ومازال.

وماذا عن تعاونات أحمد منيب مع مطربين ومطربات آخرين من جيل الثمانينيات؟

 السبب وراء اتجاه منيب إلى التلحين لمطربين ومطربات آخرين غير منير هو الخلاف الذي حدث بينهم بسبب بعض أعداء النجاح، وحينها اتجه للتلحين لعلاء عبد الخالق، محمد فؤاد، حسن عبد المجيد، أحمد جوهر، إيهاب توفيق، هشام عباس، حميد الشاعري، حنان ماضي، منى عبد الغني، وهي مرحلة هامة أيضًا في مشواره، لأنها شهدت شكلًا موسيقيًا مختلفًا عما كان يُقدم حينها من حيث الكلمة واللحن، واستطاع منيب خلال عشر سنوات -وهي فترة احترافه للتلحين- تحقيق نجاحات عديدة، بل أحدث نقلات في شكل الموسيقى، وطريقة تقديمها التي خرجت عن المألوف في أحيان كثيرة، ليس عن عمد أو قصد، ولكن حسه الفني الذي كان يقوده، وهناك عدد من طلاب الدراسات العليا الذين قرروا تقديم موضوع بحثهم في رسالة الدكتوراة الخاصة بهم عن بعض أعمال منيب اللحنية، التي برأيي لابد أن تُدرس في المعاهد والكليات الموسيقية في مصر، وهذا أحد أحلامي، فإرثه كنز لا يُقدر بثمن.

ما الدافع وراء اتجاهه للغناء وتقديم عدد من الألبومات بصوته؟ وكيف كان يختار الأغنيات التي قدمها في ألبوماته؟

 والدي كان يُغني في الحفلات النوبية منذ صغره، وكان يمتلك صوتًا قويًا، وعندما حدث الخلاف بينه ومنير، قرر أيضًا العودة للغناء، والفضل يعود لذكاء المنتج أكرم مرزوق صاحب شركة “روندو” التي تولت توزيع الألبومات الأجنبية في مصر، والذي آمن بأحمد منيب، وعرض عليه التعاون، وأنتج له أول ألبوم “مشتاقين”، وكان يختار الأغنيات التي تليق بعمره، حيث أنه عندما أُنتج له أول ألبوم كان يبلغ من العمر 59 عامًا، لذا اختار الموضوعات والكلمات التي يصدقها الجمهور منه، والتي تتعلق بقضايا العائلة، الأصدقاء، الأطفال، والزوجة متمثلة في أغنيات “صدقني يا صاحبي، الدنيا برد، عشرية”، وغيرهم، بعيدًا عن موضوعات الحب، والفراق، وبعد نجاح ألبوم “مشتاقين”، أُنتج له ألبومات “يا عشرة”، و”كان وكان” من خلال شركة “هاي كواليتي” لصاحبها طارق عبد الله.

هل تتفق أن منيب الملحن أكثر موهبةً وأعلى قدرًا من منيب المطرب؟

 لا، موهبة الغناء والتلحين لديه يسيران في خط متوازي، والدليل أن أعماله الغنائية مازالت تُسمع بصوته، آخرها الاستعانة بأغنيته “يا وعدي ع الأيام” في تتر المقدمة لمسلسل “قهوة المحطة” الذي عُرض في الموسم الرمضاني الماضي، والذي فتح الفرصة أمام الجيل الجديد للاستماع إلى أعمال منيب، والتعريف به، و وجدنا تفاعل كبير مع الأغنية، أيضًا تم الاستعانة بأغنية “شجر الليمون” من ألحانه في فيلم “البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو” الذي عُرض أوائل العام الماضي، لذا أعود لأقول أنه كان سابقًا لعصره، وأغنياته مازالت “عايشة” بيننا، رغم مرور سنوات طويلة على إصدارها.

كيف نجح أحمد منيب في مزج التراث النوبي الموسيقي مع العناصر التجديدية في أعماله؟

موسيقاه كانت منفردة بذاتها، ليس لها شبه، بل أحدثت تغييرًا جذريًا في شكل الموسيقى، ببساطته وتلقائيته، وليس عن عمد، فلم يفكر في الموسيقى بشكل تجاري، بل بشكل عفوي، لذا استطاع أن يستمر ويُخلد اسمه، هو ومَن ساروا على نفس النهج، أذكر منهم الشاعر أحمد فؤاد نجم، وعبد الرحيم منصور، وغيرهم ممن خُلدت أعمالهم عبر أجيال عديدة، فهم لم يتحايلو يومًا على الكلمة أو النغمة، بل هي نعمة وهبها الله لهم، وأذكر أننا مررنا بضائقة مالية في أحد السنوات، لكن على الرغم من ذلك رفض الوالد المشاركة في إنتاج أحد الألبومات، حفاظًا على مبدأه. 

ما الأثر الذي حققه هذا المزج على جمهوره وفناني عصره؟

 مدرسته الموسيقية أثمرت نماذج كثيرة للغاية، وفنه الأصيل توارثه الأجيال من بعده، وأثره كان عميقًا على فناني عصره، وفتح المجال إلى غيره من الملحنين للإبداع والتغيير والتجريب لاسيما أن الجمهور أصبح يتقبل الجديد، وأذكر عدد من الفنانين اللذين تأثروا بمدرسته على رأسهم حميد الشاعري الذي ترجم ذلك في أغنية “صبري عليك طال” لرجاء بلمليح، والملحن والمطرب عصام كاريكا، الذي أحب والدي، وتأثر بنهجه، وكان دائم اللقاء به في منزلنا، وظهر أثر والدي عليه في لحن أغنية “وهي عاملة ايه دلوقت” لعمرو دياب، ومن مدرسته أيضًا الملحن أحمد شاهين صاحب أغنية “ليه يا دنيا” لمحمد منير وخالد عجاج، ومن الجيل الجديد المطرب حمزة نمرة الذي أتنبأ له بمستقبل واعد واستمرارية ناجحة لأن فنه يحمل رسالة، والملحن وليد سعد صاحب أغنية “غريبة الناس” لوائل جسار، وعبقرية موسيقاه تتمثل في أن قماشتها تستوعب توظيف أي شكل موسيقي يرغب به الموزع إن كان ريجاتون، چاز، وغيرها من أشكال الموسيقى، لذا لُقب بـ “الأب الروحي للأغنية الشبابية”، رغم عدم دراسته للموسيقى أكاديميًا.

وأخيرًا.. ماذا كانت وصيته لكم؟

 لم يوصينا بشئ، فهو كان رجلًا بسيطًا، على “سجيته” وتلقائي، لكننا كأبناءه كنا حريصين كل الحرص أن يظل اسمه مستمرًا حتى بعد وفاته، لذا فكرت وأخي فتحي منيب الذي يحمل صوتًا رائعًا أن نستكمل مسيرة والدنا، هو يغني وأنا أكتب الشعر، وبالفعل كان لدي 4 أعمال جاهزة من كلماتي وألحان والدي، لكن تخوفنا من فكرة المقارنة، وتأثيرها بشكل سلبي على مسيرة الوالد، لذا فكرنا في إنشاء شركة إنتاج تحمل اسم “منيب”، وكانت باكورة أعمال الشركة ألبوم بعنوان “بلاد الدهب” باللهجة النوبية، الذي كان جاهزًا لكن القدر لم يمهله الوقت لإصداره، لكننا نفذنا ما كان يتمناه ويطمح له، بعدها أصدرنا أيضًا ألبوم “راح أغني” بالتعاون مع الموزع عادل عايش، وألبوم “سهرة مع منيب” الذي تميزت موسيقاه بالعود والدفوف فقط، ونواصل المسيرة حاليًا من خلال “منيب باند” الذي انطلق عام 2012 بأصوات شبابية تُقدم أغنيات منيب في الاحتفالات والمناسبات، وأيضًا فرقة منيب التراثية، وبشكل شخصي أُقدم برنامج “سهرة خميس من بيت منيب” على تطبيق “التيك توك”، وفكرته قائمة على دعوة مجموعة من مُحبي منيب لنسترجع حالة الونس التي عايشناها في منزلنا، ونحن كأسرة مهتمين بالحفاظ على تراثنا الموسيقي من خلال “بيت منيب للثقافة والفنون” الذي يقع بقرية توماس التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر، ويتضمن فعاليات عديدة بمجهود شخصي، ومازال لدينا حلم تكريم اسم أحمد منيب من خلال أي جهة ثقافية تابعة الدولة، ولنا شرف الحصول على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في العيد الثلاثين للفن، بحضور الرئيسين عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي.

اقرأ أيضا:

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة