عن نشأتها فى رومانيا تشاوشيسكو |هيرتا مولر: شخصياتى تعكس ما يحدث للإنسان فى نظام شمولى
الأحد، 25 يناير 2026 - 10:33 م
أخبار الأدب
ترجمة: بسمة ناجي
كثيرًا ما تحدثت هيرتا مولر، الكاتبة، رومانيّة المولد ألمانية الجنسية، الفائزة بجائزة نوبل فى الآداب لعام 2009 حول نشأتها فى ظل حكم نيكولاى تشاوشيسكو، ومواجهاتها مع الشرطة السرية، وكيف شكّلت خلفيتها الرومانية أعمالها الأدبية وُلدتِ مولر فى أوائل خمسينيات القرن العشرين فى منطقة بانات، جنوب غرب رومانيا، لوالدين ينتميان إلى الأقلية الناطقة بالألمانية.
وهنا مجتزأ من حوار لها مع راديو أوروبا الحرة حول نشأتها ونشاطها السياسى فى رومانيا قبل أن تغادرها، وهى فى الثانية والثلاثين من عمرها.
تشترك رواياتكِ كلها فى شيءٍ واحد؛ أنها جميعًا تدور أحداثها فى رومانيا هل لديكِ تفسير لهذا الانقسام بين عالمين؟
أرى الأمر طبيعيًا جدًا لقد وُلدتُ فى رومانيا نشأتُ وعشتُ هناك حتى بلغتُ الثانية والثلاثين غادرتُ رومانيا فى حالة ذهنية معقدة نوعًا ما ألَّفتُ كتبى الأولى فى رومانيا يدور كتابى الأول، «منخفضات»، حول نظرة طفلة لمنطقة بانات الألمانية وهى منطقة فى غرب رومانيا الموضوع المركزى لهذا الكتاب وغيره هو الديكتاتورية لم أكن أعرف شيئًا آخر ولم أرَ شيئًا آخر. فواصلتُ الكتابة فى هذا الموضوع.
وأعتقد أن هناك نوعًا من الأدب المعروف عالميًا، هو أدب السيَر الذاتية الذى يسير بالتوازى مع الأحداث القاسية، وبالتوازى مع أزمنة حياة المؤلفين على سبيل المثال، فى الخمسينيات، كانت معسكرات «الجولاج» موجودة فى أوروبا الشرقية بأشكال معينة، أو معسكرات العمل القسري ثم لدينا العصر القومى الاشتراكي، زمن هتلر، إبادة اليهود، وهو موضوع وصفه العديد من المؤلفين بالتوازى مع سيرهم الذاتية... أعتقد أن هذا النوع الأدبى موجود فى كل مكان، من كوبا إلى الصين.
إذن، المسألة الجغرافية ليست هى الأهم بالنسبة للقارئ؟
لا، لا أعتقد أن المشهد الجغرافى مهم. المشهد أو البيئة فى العمل الأدبى هما ما يعنيه وليس لدى مشهد آخر غير الذى أعرفه، الذى أتيت منه. تعكس شخصياتى الأدبية ما يحدث للإنسان فى مجتمع أو نظام شمولي وأعتقد أن هذا ليس موضوعًا اخترته أنا، بل موضوع اختارته حياتى لي لا أملك حرية الاختيار هنا لا أستطيع أن أقول: «أريد أن أكتب عن هذا الشيء، أو عن ذاك» أنا مُلزمة بالكتابة عما يقلقنى وعن الأشياء التى لا تتركنى أنعم بالسلام وُلدتِ فى أوائل الخمسينيات فى منطقة «بانات» فى جنوب غرب رومانيا. وكانت تتمتع بتنوعٍ عرقى كبير. فقد كانت تضم مجتمعات ألمانية، وصربية، ورومانية، ومجرية. بدت كفسيفساء خالية من الصراعات العرقية، إذا كنت أتذكر بشكل صحيح. فى عام 1953، العام الذى مات فيه ستالين... أو بالأحرى حين مات جسده ورقد بسلام، لأن أفكاره عاشت لفترة أطول قليلًا. وأعتقد بوجود شكل من الصراع فى بانات، ولكن بمستوى «طبيعي» إذا جاز التعبير.
فالصراع موجود بين جميع صنوف البشر فى كل مجتمع. نحن نحتاج للصراع فى أعماقنا؛ مع جيراننا، مع زملائنا، مع أزواجنا، وهو ما أعتبره أمرًا طبيعيًا أعتقد أن تلك الأقليات القومية لم تعِش «مع» الرومانيين، بل «شاركوهم» مساحة العيش. هذا يعيدنى إلى نظرية التعددية الثقافية التى كانت شائعة جدًا فى ألمانيا قبل عقد من الزمان، وربما لا تزال... هى تدعى أننا يجب أن نذوب جميعًا لنصبح واحدًا، لكن هذا لا ينجح.
وخرجتِ إلى ألمانيا من رومانيا تشاوشيسكو، حيث كانت كلمة السر هى «التجانس».
بالضبط كنت أعرف ماذا يمكن أن يعنى ذلك. لذا كانت فكرتى عن الطريق الطبيعى هى أن يعيش كل مجتمع بسلام بجانب المجتمعات الأخرى. لا توجد طريقة لصهر جميع الثقافات القديمة فى ثقافة واحدة جديدة هذا يفشل، ببساطة. فى تيميشوارا [المدينة الرئيسية فى بانات] يمكن للمرء أن يسمع فى الشارع جميع أنواع اللغات: الرومانية، والألمانية، والمجرية، والصربية، ولغة الغجر. هكذا كان الأمر وهكذا ينبغى أن يكون. لا ينبغى لأحد أن يخفى ثقافته.
فى طفولتكِ، كيف كان يبدو المجتمع الألمانى فى بانات بعد عمليات الترحيل والتطهير؟
وُلدتُ فى عام 1952 ما أتذكره من عائلتى هو أن جدى كان يُعتبر «بوير» [إقطاعي]. هذا ما كان عليّ تدوينه فى أوراقى عندما تقدمت للجامعة كان يتاجر أيضًا فى الحبوب، لذا كان ثريًا إلى حد ما. جدى لم يولد فى الثراء، بل عمل بجِد ببساطة وُلد فلاحًا وظلَّ فلاحًا جدي، وكل جيل الأجداد ذلك الذين حولهم النظام الجديد إلى منبوذين، لم يقبلوا الاشتراكية أبدًا ثم عادت والدتى من الاتحاد السوفيتى فى عام 1950، بعد خمس سنوات فى معسكر العمل، وبعد أن شهدت الموت والمجاعة.
كم كان عمر والدتك آنذاك؟
كانت فى السابعة عشرة عندما أخذوها فى البداية اختبأت، ولكن فى قرية مثل قريتها كان الجميع يعرف الجميع، لذا عرف المسؤولون أيضًا أن هناك شخصًا مختبئًا يريدون أخذه. فهددوا جدَى بأنهما إذا لم يسلما والدتي، سيأخذونهما بدلًا منها علمت والدتى بالأمر وقررت الخروج وتسليم نفسها.
إذن، قضت أعوامها بين السابعة عشرة والثانية والعشرين فى معسكر العمل؟
نعم. وكل تلك الأحداث تغلغلت فى طفولتي. وليس طفولتى فقط، فهذه الأشياء حدثت للعديد من العائلات فى القرية بأكملها وفى المجتمع الألمانى بأسره فى رومانيا عندما تكون طفلًا، لا تفكر سياسيًا؛ لا تملك المفاهيم، ولا تملك الكلمات لما يحدث حولك لكن هناك طرقًا للتسجيل غير الكلمات سلوكنا أكثر تعقيدًا، فهو يتجاوز الكلمات لذا امتصصت الكثير وشعرت بذلك الضغط شعرت بأن ما يحدث جائر تمامًا وعدائيّ، رغم أننى لم أكن مدركة لما هو فى حقيقته.
أين ذهبتِ للمدرسة؟
فى تيميشوارا فى حى «يوزفين».
هل صدمتك المدينة بعد حياتك فى القرية؟
نعم، كانت عالمًا مختلفًا. وأيضًا لأنى عندما خرجتُ للمدينة لم أكن أستطيع التحدث بالرومانية بشكل صحيح كنت قد تعلمت الرومانية فى المدرسة منذ سن السابعة، ولكن لأنها مدرسة ألمانية، كانت اللغة الرومانية لغة أجنبية، أو مادة أجنبية مثل الجغرافيا أو العلوم الفيزيائية لكن قريتى كانت ألمانية بحتة، لذا لم تكن لدى فرصة أبدًا لاستخدام الرومانية يوميًا. فقط فى المدرسة.
لذا عندما انتقلت إلى تيميشوارا، لم أكن أستطيع التحدث باللغة كما ينبغى لفتاة فى الخامسة عشرة. لكنى تعلمتها بسرعة كبيرة فى المدينة لأنى اضطررت لذلك، لقد انتقلتُ إلى «لغة أخرى» إذا جاز التعبير.
من ناحية أخرى، كما قلت من قبل، كانت كل أقلية قومية، بما فى ذلك الألمان، تعيش فى نوع من «المركزية العرقية»، وهو ما وجدته طبيعيًا فى القرية، كان الألمانى يظن أنه يعرف بالضبط ما لا يعجبه فى الرومانى أو المجرى أو الصربى أو الغجري، والعكس. ثم فى المدينة كونتُ صداقات بين الرومانيين وأدركتُ أن ما كنت أعرفه عن الرومانيين من خلال عائلتى لم يكن دقيقًا.
لم يتطابق مع الأساطير الشائعة
بالضبط. واكتشفتُ بطريقة ما أن كل تعليمى السابق، الذى كان منعزلًا للغاية، لم يعد يخدمني، ولا يساعدنى فى عيش حياتي اكتشفتُ أنك إذا سافرت مسافة ثلاثين كيلومترًا، فإن ما كان بديهيًا فى قريتك لم يعد قائمًا ببساطة لذا كان عليّ أن أبدأ فى تثقيف نفسى فى اتجاه جديد تمامًا.
لكن ألم تجدى «جزيرة» ألمانية فى تيميشوارا أيضًا؟
نعم، لكنها لم تكن ريفية. أعتقد أن سكان المدن فى كل أنحاء العالم يختلفون عن سكان القرى فى تيميشوارا، كان لدى أصدقاء من مجموعة أدبية تُسمى «أكتيونز جروب بانات»، التقيت بهم فى الجامعة. قابلتهم بالصدفة من خلال قراءة الكتب والذهاب إلى الفعاليات الأدبية وفى تلك المرحلة لم أكن مهتمة بمن هو ألمانى أو رومانى أو مجري أعتقد أن جميع أعضاء المجموعة كانوا كذلك كنا مهتمين بالآراء وليس القوميات كنت أبحث عن مجتمع من الرؤى أو القيم الأخلاقية والسياسية، وكرهتُ الانتهازيين.
ولكن، كانت «أكتيونز جروب بانات» مكونة من كُتاب ألمان حصرًا.
نعم، ولكنها كانت مجموعة تتعامل مع الأدب، ولغة ذلك الأدب كانت الألمانية. بالمناسبة، لم أكن عضوة فى المجموعة، لم أكن قد بدأت الكتابة عندما تأسَسَت، لكنى كنت صديقة للعديد من أعضائها.
لاحقًا، عندما نشرت المجموعة بيانها، الذى قال إن الأدب لا ينبغى أن ينحنى للسياسة، وأنه يجب أن يكون «نقديًا» وقائمًا على التجارب والآراء الشخصية لا الأيديولوجيا، تدخلت الشرطة السرية الشيوعية وأدلَت برأيها. والذى كان باختصار أننا أعداء، أعداء الدولة.
حينها بدأت المتاعب لنا. سُجِن ويليام توتوك وطُرد من المدرسة، وكذلك ريتشارد فاجنر... وطردونى من الشركة التى كنت أعمل بها بعد التخرج. ثم بدأوا تفتيش المنازل وما إلى ذلك.
كانوا يروننا كمجموعة، وكان كل واحد منا يُحاسب على أفعال الآخرين لأن هذه كانت رؤيتهم لنا. وبالعودة لمسألة «الألمانية البحتة»، أود أن أقول إننا فى مرات عديدة عندما كنا نخطط لشيء ما، كنا نتصل بكتاب رومانين. مثلًا عندما كنا نجمع توقيعات لعريضة ما. لكن لم يكن هناك الكثير من الرومانيين المستعدين للتوقيع. وأحيانًا كانوا يسحبون توقيعاتهم.
وهذا أمر سيء لمنظم العريضة؛ من الأفضل أن يكون لديك توقيعات أقل من أن يكون لديك الكثير ثم تُجبر على حذفها، فهذا يضعف موقفك.
الأمر لا يتعلق دائمًا بالأرقام، بل بالثبات على المبدأ حدث ذلك عدة مرات وكان هناك تفسير لذلك؛ كان الكاتب الرومانى يقول: «أنتم ألمان، إذا حدث أى شيء ستنتهى بكم الحال فى ألمانيا الغربية، ولكن ماذا عنا نحن؟». كان ذلك صحيحًا إلى حد ما، لكنه لم يكن عذرًا مناسبًا دومًا على أى حال، بول غوما، الكاتب الرومانى المعارض، لم يكن ألمانيًا وانتهى به المطاف فى الغرب أيضًا بعد أن فشل الشيوعيون فى إسكاته. لكن صحيح لم يخرج آخرين، وبعضهم مات فى السجن فعلًا.
لعدة أسابيع، كنتُ أُستدعى يوميًا فى السابعة والنصف صباحًا إلى مكتب رئيسى لمناقشة العمل السياسى معه ومع سكرتير الحزب الشيوعى وسكرتير الشبيبة الشيوعية فى كل مرة كانوا يطلبون منى الاستقالة والبحث عن وظيفة أخرى، لكنى كنت أقول لهم إننى أحب العمل فى المصنع لدرجة أنى لا أستطيع حتى التفكير فى البحث عن مكان آخر.
قلت لهم إن عليهم طردى إذا أرادوا التخلص مني، وطلبت منهم أيضًا أن يحددوا كتابةً سبب طردي، وهو رفضى التعاون مع الشرطة السرية، السيكوريتاتي. ثم ذهبتُ للتحدث مع أفراد النقابة العمالية لتقديم شكوى، لكن زعيم النقابة لم يرغب حتى فى الاستماع إليّ ما حدث كان سيركًا كاملًا من الكوارث.
ما تأثير مثل هذه الكتب والتجارب فى ألمانيا الغربية، التى لم تعش الشيوعية؟
أعتقد أن الناس لديهم فضول بطرق مختلفة البعض مهتم برومانيا، ويهتم آخرون بالديكتاتورية فى حد ذاتها، بميكانيكيات الديكتاتورية، بالفرد الذى يدمره النظام الشمولي.
ألمانيا اليوم لا تزال تتكون من أمتين مختلفتين، بحياتين مختلفتين فى شرق ألمانيا، هم معتادون على سلوك اجتماعى أقرب إلى أوروبا الشرقية منه إلى ألمانيا الغربية لا أُدعى كثيرًا للقراءة من كتبى فى شرق ألمانيا، لأنهم لا يريدون التحدث عن الشيوعية بطريقة نقدية هذه سمة قوية فى شرق ألمانيا، حيث يوجد الحزب «ما بعد الشيوعي» الذى يحظى بتأييد الكثيرين، من بينهم أشخاص فى أماكن مؤثرة ثقافيًا.
بشكل عام، أود أن أقول إن الألمان الشرقيين استقبلوا أدبى بشكل مختلف. فى ألمانيا الغربية، معظم الناس لديهم اهتمام نظرى أو توثيقى بحت بكتبي، بينما يواجه الشرقيون فى قصصى ماضيهم وحياتهم الخاصة.
وبعض الناس يزعجهم ذلك. فى كثير من الأحيان، بعد القراءة العامة من كتبى فى شرق ألمانيا، أول شيء أسمعه من الجمهور هو: «لكن الأمور فى رومانيا كانت بالطبع أسوأ بكثير مما كانت عليه هنا». وعندها أقول لهم: «الأمر يعتمد على كيفية نظرك للأشياء».
إن نمط الستاسي، ضابط الشرطة السرية فى ألمانيا الشرقية، بموقفه البروسى وصرامته، يخيفنى تمامًا مثل زميله فى البلقان، ضابط السيكوريتاتى الروماني. وأقول لهم أيضًا إن الفرق بين الشيوعية الرومانية والألمانية بشكل عام ليس كبيرًا كما يريد بعض الألمان تصديقه.
أنا بحاجة لقول ذلك، وبعض الحاضرين لا يعجبهم هذا. لكن من المعترف به عمومًا الآن فى ألمانيا أن هناك جزءًا من الأدب الألمانى يأتى من رومانيا ومن الشرق.
لا أكثر ولا أقل كتبنا ليست أسوأ ولا أفضل من كتب الكتاب الذين عاشوا طوال حياتهم فى ألمانيا. نحن ما نحن عليه، وهكذا ينبغى أن يكون الأمر.