كتاب الأطباق الخطيرة
الأحد، 25 يناير 2026 - 10:40 م
أخبار الأدب
دوينا روشتى
ترجمة: د. محمد غنيم
فى غبش الفجر، سِيقَت «ماكسيما» إلى الساحة تحت أنظار الكنّاسين الذين كانوا يطوفون حول بوابة «والاتشيش». كنتُ أعلم ما سيحدث؛ فجمعتُ بعض أشيائى وغادرتُ من الباب الخلفي مرّ بى القصابون وهم يحملون ذبائح البقر دون أن يأبهوا لي مشيتُ مسرعةً حتى نهاية الشارع كان كل ما حولى مهجوراً، رغم أننى كنتُ أتخيل جيداً أن هناك عيوناً تترصد خلف الستائر المخرمة.
حين كانت دورية «شيي» تدق إحدى البوابات، كان الحيّ بأكمله يسمع الرنين كانت معهم هراوات برؤوس معدنية، صُنعت خصيصاً لضرب الصفيحة الصغيرة التى تحمل رقم المنزل فى البداية، يضربون بضع ضربات لجذب الانتباه، ثم يصرخون باسم الشخص المذنب بصوت عالٍ وفقط حينها تبدأ البوابة بالاهتزاز تحت وطأة الضربات، حيث يحاول كل واحد منهم أن يضرب بقوة أكبر من زملائه، وهم يواصلون الصياح بأعلى صوت، منتقلين من ذكر اسم الشخص إلى أسباب ملاحقته.
لقد سمعتُ ذلك كله مرات عديدة، خاصة فى الليل، لكن لم يدر بخلدى أبداً أنهم قد يطرقون بوابتنا نحن أيضاً كان حرس المدينة مخصصاً للأوغاد، وللصوص، والقتلة ولذلك، لم أفتح عينيّ حتى عند سماع الضربات الأولى كانت بوابتنا مزودة بمظلة جديدة، وعندما ضربوها لأول مرة، بدا الصوت على أذنيّ كالبرد فقط بعد أن صرخوا باسم ماكسيما عدة مرات قفزت من السرير، فى ردهة المدخل، كانت الغسّالة تقف مرتجفة، وبعد لحظات ظهرت «ماكسيما» هى الأخرى؛ نزلت السلم حافية القدمين، ولا ترتدى سوى قميص نومها.
- ارتدى ثيابكِ واخرجى من الباب الخلفي!
قلت محتجة:
- لا تتخيلى للحظة أنني...!
- اسمعينى جيداً: لا تنسى مهمتكِ! بعد وقت قصير، ستغادر عربة «البراشوفيانكا» متجهة إلى بوخارست، ويجب عليكِ بأى ثمن أن تجدى لكِ مكاناً فيها! أنا بحاجة إليكِ. اذهبى إلى «كوفيوسو زافال»، وسيخبركِ بما يجب عليكِ فعله بعد ذلك! وحتى ذلك الحين، أنتِ تعرفين...!
كنتُ أعرف: كان عليّ ألا أنطق بكلمة واحدة عن نفسي، وألا أنغمس فى أحاديث مرسلة مع أحد. القاعدة الأولى والأهم كانت ألا أذكر اسمى الحقيقى أبداً. وحتى لو أثبت شخص ما أنه يعرفه، كان عليّ أن أنكر ذلك تماماً حتى لو أشرفتُ على الموت، لن أبوح به يجب أن تكون ثيابى متواضعة، وعيناى مطرقتين نحو الأرض. «لا تضحكي! لا تُظهرى أسنانكِ أبداً! ابتسمى فحسب لا تقهقهى ولا تضحكى بخفت! فالفرح لا يظهر إلا فى العينين». وبالطبع كان عليّ ألا أحيد عن طريقي!
كان أحدهم قد وضع حقيبتى فى يدى وعند البوابة، كان الحراس يصرخون بينما كنت أرتدى حذائى وأنا أرتجف. فى منازل الجيران، كانت المصابيح مضاءة.
كانت نقودى مخبأة بالفعل فى حذائي،ومحشوة فى بطانة سترتي، ومخبأة فى أشياء مختلفة فى حقيبة سفري كان عليّ ألا أحتفظ فى جيبى إلا ببعض الفكة الصغيرة. أما فستانى الأصفر، فقد كان محشواً بأغراض نافعة.
- ولا تنسى يا «باتكا»! استعينى بقوة «ساتور» عندما تشتد عليكِ الأمور!
كانت هذه كلماتها الأخيرة ظلت واقفة حافية القدمين عند أسفل السلم لم أقبلها، ولم نودع بعضنا البعض سمعتُ صوت البوابة وهى تُفتح، لكنى واصلتُ الركض نحو الباب الخلفي ومن الحديقة، رأيتهم وهم يدفعونها بقسوة إلى الشارع؛ كانوا ثلاثة بزيٍ رسمي، ثلاثة من ذوى الحناجر الصاخبة فتحتُ بوابة الحديقة والدموع تنهمر على وجنتيّ، وركضتُ حتى وصلتُ إلى نهاية الشارع.
وكان أول ما فعلتُه فى حياتى الجديدة هو الانحراف عن مسارى.
حين وصلتُ إلى منزل «بوركيو»، أدركتُ أننى لا أستطيع مجرد المرور بجانبه هكذا، خاصة وأن الرياح كانت تضرب الشرفة والباب بدا موارباً. لو كنتُ أملك الشجاعة الكافية، لكنتُ قد ذبحتُه. كان «بوركيو» غارقًا فى نوم عميق بلا أحلام.
لم أمكث هناك إلا لدقيقة واحدة، وكان همى الوحيد ألا أفقد شيئاً، أى شيء من تلك الأشياء الصغيرة الكثيرة التى كنتُ متعلقة بها. كانت قوتى كلها تكمن فى فستانى الأصفر، الذى خاطته لى «ماكسيما» من قماش «النانكين» والمخمل، بجيوبه وكشكشاته وأكمامه التى تكفى لحمل محتويات صندوق كامل. يا لها من كنوز خبأتها فى ذلك الفستان! :أملاح، وبذور، ومساحيق، وقوارير صغيرة من زيت خانق الذئب، وماء الفوسفور، وزهرة الموت، وأشياء أخرى كثيرة لا يكفى عمرٌ كامل لسردها جميعًا. ولم أذهب إلى أى مكان قط بدون علبتى الصغيرة من نترات البوتاسيوم، التى كانت تحتوى على آلاف الشرر الخاملة.
كان «بوركيو» مستلقياً على ظهره، يغطُّ بصوت يشبه خفقان خرقة ممزقة فى مهب الريح وهكذا ظل عالقاً فى ذاكرتي؛ وجهاً شاحباً بأذنين كبيرتين وعندما هممتُ بالرحيل، رأيتُ إحدى قبعاته فى الكوة بجانب الباب، فتوقفتُ مكاني. يا للحزن الذى يكتنف الملابس التى لن يرتديها أحد بعد الآن!
ركضتُ لألحق بعربة «البراشوفيانكا»، غير مبالية بالعيون التى كانت تلاحقني. فحتى لو كنتُ أمشى بخطى وئيدة هادئة، لكان بإمكان أى شخص أن يدرك أننى هاربة.
كانت عربة البريد ممتلئة، ولكن ما إن أخرجتُ صرّتى حتى وجد لى الحوذيّ مكاناً جيداً بمحاذاة النافذة. اتكأتُ على إطارها الذى صقله احتكاك مئات المرفقين، وبينما كانت العربة تنطلق مسرعة، رأيتُ للمرة الأخيرة القوس الأحمر لبوابة «والاتشيش»، التى دُفعت «ماكسيما» تحته، ومن خلفه بدت المشنقة الملطخة بالقطران.
أسدلتُ الستارة، وغرقتُ فى بطانتها القطنية المهترئة. وما حييتُ، سيظل مشهد موتها يستحضر فى ذهنى نقوش الزهور على ذلك النسيج وهكذا تركتُ «براشوف» خلفي، وشوارعها تتلاشى بينما يبتلعها الدخان حتى البوابات الحمراء تبددت و تلاشت، ومعها جسد جدتى الحبيبة المتحجر.
مقتطف من رواية بالعنوان نفسه
دوينا روشتى (15 فبراير 1957)، روائية وقاصة رومانية قضت طفولتها فى قرية بجنوب رومانيا (كوموشتينى)، حيث نشأت فى عائلة من المعلمين كافحوا من أجل البقاء فى ظل النظام الشيوعي.
استكشفت روشتى القواعد العبثية والتفكك الاجتماعى لسنوات الديكتاتورية الأخيرة بقوة فى روايتها «شبح فى الطاحونة»، وهى رواية تصور كوناً فانتازياً تحكمه الأشباح والتجليات المقدسة تربو أعمال دوينا روشتى على 16 كتابة ما بين رواية ومجموعة قصصية.