باحث صينى يكشف أسرار نحت الجرانيت فى مصر القديمة
أسرار نحت الجرانيت فى مصر القديمة
الثلاثاء، 27 يناير 2026 - 11:07 م
حازم بدر-الأخبار
كشفت دراسة علمية حديثة عن فرضية جديدة قد تُعيد كتابة فهمنا لكيفية تعامل المصريين القدماء مع الجرانيت، أحد أصلب الأحجار الطبيعية، والذى استُخدم فى تشييد أعظم آثار الحضارة المصرية، مثل حجرة الملك فى هرم خوفو، والمسلات العملاقة، والتماثيل الضخمة لرمسيس الثانى.
الفراعنة استخدموا «النطرون» للصهر ومعالجة سطح الجرانيت
ويُعد الجرانيت من أصعب الأحجار فى النحت والتشكيل، إذ تصل صلابته إلى ما يقارب صلابة الكوارتز، ما جعل الباحثين لعقود طويلة يتساءلون: كيف استطاع المصرى القديم قطع هذا الحجر الصلب وتشكيله بدقة مذهلة، باستخدام أدوات بدائية نسبيًا؟
الدراسة الجديدة التى أعدها الباحث الصينى المستقل شيانغ يى، والمنشورة بدورية « هيريتج ساينس»، جمعت بين الملاحظات الأثرية والتجارب المعملية الحديثة، لتصل فى النهاية لاقتراح أن المصريين القدماء ربما استخدموا طرقا أسرع وأكثر كفاءة مما كان يُعتقد سابقًا، تجمع بين الحرارة والمعالجة الكيميائية البسيطة، بدل الاعتماد الكامل على الطرق الميكانيكية الشاقة مثل الطرق والصقل المستمر.
ملاحظات من محاجر أسوان
استند الباحث إلى ملاحظات دقيقة من محاجر الجرانيت القديمة فى أسوان، حيث لا يزال يوجد المسلّة غير المكتملة للملكة حتشبسوت، والتى كان من المفترض أن يصل ارتفاعها إلى أكثر من 40 مترًا. وعلى أسطح الجرانيت فى هذه المنطقة، رُصدت تجاويف دائرية وحواف منحنية ناعمة يصعب تفسيرها باستخدام أساليب القطع التقليدية المعروفة.
كما لوحظ وجود فتحات رأسية عميقة تحيط بالمسلة، يُرجّح أنها استُخدمت كنقاط ضبط هندسية لتحديد أبعاد المسلة بدقة، وهو ما يشير إلى مستوى متقدم من التخطيط والتنفيذ.
فرضية «النطرون والحرارة»
تنطلق الدراسة من حقيقة أن الجرانيت ليس مادة واحدة، بل مزيج من معادن مختلفة، بعضها يتأثر بالحرارة والمواد القلوية. ومن هنا، اختبر الباحث فرضية أن كربونات الصوديوم أو ما يعرف بـ «صودا الغسيل» التى عرفها المصريون، وهى مادة معروفة الاستخدام فى مصر القديمة باسم «النطرون»، ربما استُخدمت بعد صهرها حراريًا لمعالجة سطح الجرانيت.
وأظهرت التجارب المعملية أن تعريض الجرانيت لدرجات حرارة مرتفعة، ثم ملامسته لكربونات الصوديوم المنصهرة، يؤدى إلى تشقق داخلى فى الحجر، ضعف كبير فى بنيته، سهولة تفتته بضربات خفيفة نسبيا، وهو ما يعنى أن الحجر الصلب يمكن تحويله إلى مادة أكثر قابلية للتشكيل دون الحاجة إلى مجهود ميكانيكى هائل.
نتائج تجريبية لافتة
وفى التجارب، أدى صب كربونات الصوديوم المنصهرة على عينات من الجرانيت إلى ظهور شقوق دقيقة، وبعد تبريدها أمكن تفتيتها بسهولة باستخدام أدوات خشبية بسيطة، كما أظهرت تفاعلات كيميائية أن بعض مكونات الجرانيت تتحول إلى مركبات زجاجية قابلة للذوبان، ما يفسر بعض المظاهر السطحية الغامضة التى شوهدت فى المحاجر القديمة.
دلائل تاريخية وفنية
وتدعم الدراسة فرضيتها بنصوص مصرية قديمة تشير إلى استخدام النطرون والنار والزيت فى أعمال المحاجر، إضافة إلى مشاهد مصوّرة فى مقبرة الوزير «رخمى رع» بالأقصر، تُظهر عمالًا يسخّنون مادة سائلة حمراء ثم يصبونها على كتل حجرية، فى مشهد لم يُفسَّر علميًا بشكل قاطع من قبل.
ولا تدعى الدراسة أنها تقدم جوابًا نهائيًا، لكنها تفتح نافذة علمية جديدة لفهم تقنيات العمل بالحجر فى مصر القديمة، وتُظهر أن المصريين القدماء لم يعتمدوا فقط على القوة البدنية، بل ربما امتلكوا معرفة علمية متقدمة بخصائص المواد والحرارة والتفاعلات الكيميائية.